بعد تحول مسمى مظاهرات يناير 2011 إلى ثورة، لجأ الناس إلى علماء الدين ليفتوهم فيما يجري، فأفتوا بأن ما يحدث إنما هو خروج على الحاكم، وأنها فتنة واجبة الاعتزال بالأدلة من القرآن والسنة، فالحاكم له علينا السمع والطاعة ولو كان فاسقًا، ولو كان جائرًا خشية سفك الدماء وزرع الفرقة والنزاع بين المسلمين.

لا أجادل في الأحكام الشرعية، وأؤمن أنه إذا قضى الله ورسوله أمرًا، فليس لمؤمن ولا لمؤمنة أن يكون لهم الخيرة في أمرهم، وأن من يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا. لست ممن يبحثون عن فتاوى ترضي هوى أنفسهم، ولست أبحث عما يضفي شرعية على أمر باطل، وفي النهاية أعلم أني لست بعالم من علماء الدين، ولم أقدم للدين كما تفضلتم في التعليقات ما يشار إليّ بالبنان من أجله؛ ولكني أحاول أن أرى وأبحث، أجتهد قدر استطاعتي لأتعلم وأتفهم.

بحثت بدايةً، من هم الخوارج؟

يقول العلماء إن أول الخوارج كان ذو الخويصرة الذي اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة ذهب، ويرجع تاريخ نشأتهم إلى خروج فرقة من جيش علي بن أبي طالب على حكمه بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين؛ حيث كاد جيش معاوية القادم من الشام أن ينهزم أمام جيش علي القادم من العراق، فأمر عمرو بن العاص أن ترفع المصاحف على أسنة الرماح وأن يتحاكموا إلى كتاب الله، أوقف علي القتال احترامًا للقرآن ورغبة في حقن الدماء، واتفق الطرفان على أن يمثل أبو موسى الأشعري جيش علي وأن يمثل عمرو بن العاص جيش معاوية. وهنا انفصل الخوارج عن الجيش وعينوا أميرًا للقتال وأميرًا للصلاة، وتذرعوا بثلاثة أسباب؛ أولها: أن عليًّا حكم رجال وما الحكم إلا لله، وثانيها: أن عليًّا قاتل فلم يسب ولم يغنم، فإن كان من يقاتلهم كفارًا فكان عليه أن يغنم وإن لم يكونوا كذلك لم يحل له قتلهم، وثالثها: أن عليًّا محا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن كذلك فهو أمير للكافرين. وقد رد عليهم ابن عباس رضي الله عنه بما لا يدع مجالًا لأي شك في صحة موقف علي، ولم يكتف بذلك علي بل ذهب إليهم بنفسه، فعاد منهم القليل واستمر من بقي على الضلالة.

اتهم من خرجوا في مظاهرات يناير بأنهم خوارج هذا الزمان، ثم انحسر الاتهام الآن ليصبح الإخوان هم هذه الفئة، وأتساءل هل اعتزل الثوار الناس وحاربوا الحكم منذ أيام عبد الناصر بالسلاح وكفروه، هل كفروا الشعب؟! لم يحدث ذلك، بل إني لأتعجب من وصف بعض الشيوخ للإخوان – بعد رابعة – بأنهم خوارج متشددون في حين أنهم يصفونهم في نفس الوقت بالتهاون في الدين وتطبيق شرع الله؟! ربما تجدون من أعضاء جماعتهم من له آراء متشددة فهو فصيل كبير به المتشدد والمتهاون والوسطي والجاهل والمتحمس والمقهور من حكام ظلموه، ربما خرجت من تحت عباءة الجماعة فرق تكفيرية وأخرى متشددة ولكن هل يحاسبون على من خرج على منهجهم؟ ما أعنيه هنا، هل وجدتم ذلك على مستوى قياداتهم؟! كقيادات لم يكفروا الناس ولم يكفروا الحكام ولم يرفعوا السلاح ولم يعتزلوا بل عُزلوا، حتى في أحلك اللحظات وقف مرشدهم لينادي بالسلمية التي هي كانت سمت ثورة يناير، ولو كان الأمر غير ذلك ما اقتيدت رءوس جماعتهم وصفوفهم الأولى للسجون بهذه البساطة، ولما حبس رئيس جمهورية منهم بهذه السهولة، ولما قتل أبناء قياداتهم ومر الأمر هكذا مرور الكرام، ولمن يتذرع بالتفجيرات والإرهاب أتمنى أن يلقي نظرة سريعة على التفجيرات في العراق وتركيا على سبيل المثال ليعلم الفارق بين قنابل صوت محدودة الأضرار يقف أهل شارع كامل يتحلقون حول مفككها ليروا بديع صنعه في إبطال مفعولها، وبين قنابل تودي بحياة المئات في لحظة واحدة. ولمن يتحجج بما ضبط من سلاح وذخائر في رابعة أسأله، في رأيك ماذا كان ينتظر الناس هناك ليستخدموا هذا السلاح؟ وهل من العقل أن تكون هذه الصناديق المعدودة هي عتاد جماعة عالمية بحجم جماعة الإخوان؟ لو أن جماعة كتلك أرادت القتال لقامت حرب أهلية الله وحده يعلم ماذا كانت ستؤول إليه أمور البلاد والعباد بعدها، ليس ملهمكم هو من حماكم من حرب كتلك، بل الله، فلو أن هؤلاء رفعوا السلاح ما استطاع هو دحرهم ولكم في بشار عبرة يا أولي الألباب، قبلوا أن يقتلوا وقبلتم لهم ذلك ولم أكن أعلم فيكم هذه القسوة من قبل يا أهل مصر؟ أنتم يا من كنتم تعرفون حق الجار والأخ والصديق؛ ماذا حدث لكم؟ ألم يكونوا هؤلاء جيرانكم وزملاءكم وأصدقاءكم وأهليكم! أيصل بنا الخلاف إلى حد الموافقة والتفويض على إبادتهم؟

لنفترض أن من انقلبوا على ملك مصر في يوليو 52 هم سلسلة من الحكام المتغلبين، لم يستدعهم للحكم أحد وفرضوا أنفسهم بقوة السلاح وقهروا الناس حتى أذعنوا لهم؛ فهل يفترض أن يقبل الناس أن يعيثوا في البلاد فسادًا دون رادع؟! يا علماءنا الكرام، إن كان الناس أخطؤوا بالخروج على الحاكم كما تفضلتم، فقد كانوا يقومون بدوركم الذي لم تقوموا به، هم وقفوا للظالم وقالوا له كفى، هم رفعوا صوتهم غير آبهين بما قد يفعل بهم، فأين أصواتكم التي رفعتموها! آستطعتم فعل ذلك فقط عندما أمنتم على أرواحكم في عهد رئيس محسوب على التيار الإسلامي! وإني لأتعجب هنا من قلب الموازين، فلا أحد يذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه؛ وفي رواية فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان)، أولم يكن أمرنا على رجل واحد بايعناه – وبلغة العلمانيين انتخبناه – بالرغم من كراهية فصيل من الشعب له – وذلك أمر طبيعي. أكان في استطاعة من خرجوا من العامة أن ينقلبوا عليه لولا معونة هذا الرجل؟! من الخوارج الآن؟ّ! شعب خرج ليدافع عن رئيس بايعوه أو انتخبوه أم رجل خرج على رئيسه بقوة السلاح فاختطفه وأخفاه وروع الناس حتى قهرهم؟! وحتى لا يساء فهمي، فإني لا أدعو لضرب رقاب أحد، فأنا ممن يتمسكون بالسلمية مبدأً شرعيًا له أصول.

ولنعد بالذاكرة إلى أيام الثورة الأولى، ولنطلع على بيانات الجماعة حين كانت الدعوات للنزول ضد حكم مبارك ترج أرجاء مصر، ظلت الجماعة تنعت ما يحدث بالانتفاضة، وإن منهم من لا يزال يستخدم هذا الوصف إلى اليوم، ولم يغيروا استخدام هذا اللفظ إلا حين تم تنحي مبارك عن الحكم، وقبل ذلك ظلوا يناشدونه تارة ويحذرونه أخرى، أي أنهم كانوا يسلكون الطريق الشرعي منذ البداية، فلم يكونوا هم من ألبوا الناس ليقوموا بثورة بل إنهم دفعوا إليها دفعًا، وتم استفزاز الناس إلى الحد الذي لم يطيقوا معه صبرًا.

ومع إيماني ورضاي التام بحكم الله في طاعة ولي الأمر ولو كان جائرًا أو ظالمًا أو فاسقًا اتقاءً للفتنة، إلا أني بعد كل ما قرأت وجدت أن المقصود بالخروج هو القتال، وهذا ما لم يحدث، فالدعوة للمظاهرات كانت سلمية، حتى حين تحول الأمر من مظاهرات لثورة شعبية كانت أيضًا في إطار سلمي، فأين الخروج على الحاكم؟! أولا يدرج ذلك تحت بند قول حق في وجه سلطان جائر! هل يعقل أن الله العادل يقبل ألا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، هذا الأمر الشرعي الذي كاد العلماء أن يضعوه ركنًا سادسًا للإسلام؟!

وفي النهاية أقول كما قلت في مقالات سابقة، أعلم أن الثورة هي أمر دخيل علينا نحن المسلمين، فهي ليست من ديننا، أراد من بث فكرها فينا أن تخرج في صورة حرب أهلية أو صورة سلمية والنتيجة في الحالتين واحدة، اعتبرت الثورة أمرًا قدره الله وكان أمر الله مفعولًا من زاوية عدم السكوت على المنكر من ظلم وقهر وفساد واستبداد، فقد رأى أهل السبت المنكر فمنهم من سكت وأفضلهم من نصح، عاتب النبي موسى أخاه هارون وأخذ بلحيته حين لم يمنع الناس أن يعصوا الله وكان عذر أخيه الخوف من تفرقة الناس فاستغفر له موسى، لم يخلقنا الله لنكون ضعفاء مقهورين، بل أمرنا دائمًا أن نغير بأيدينا فإن لم نستطع فبلساننا فإن لم نستطع فبقلوبنا وهذا أضعف الإيمان، لا يستقيم عقلًا أن يأمرنا بطاعة ولي أمر فاسق، بل يأمرنا نعم بالإذعان له حتى لا نحدث فتنة ولكن لا أعلم أن الله يرضى بأن نسكت قولًا عن من يقتل ويروع ويغتصب ويقول جهارًا أمام شيوخ الدين لن أسمح أبدًا بمشروع إسلامي في المنطقة! إن الحجاج بن يوسف الثقفي مضرب الأمثال في الظلم والقسوة والسرعة في سفك الدماء لم يعرف عنه إلا تعظيم القرآن وأهله وتجنب المحارم ولم يعرف عنه فسقًا ولم يهادن أعداء الدين ويستقوِ بهم.

هذا قولي. قول امرأة كما ذكرتم ولم يُعَب على امرأة يومًا أن تتحدث في أمر الدين، فأم المؤمنين عائشة خرجت في الفتنة وإن لم تصب، ولا أقول أني أصبت ولا أني أم للمؤمنين، بل إني حتى لا أنتمي لأي اتجاه أو فكر أو فصيل، فقط أفكر معكم، وليصحح لي من هو أعلم مني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد