لا أعرف إن كان ذلك من سخرية القدر أن يضعهما في مواجهة أحدهما الآخر في وقت هم في أمس الحاجة إلى المهادنة وتفادي التصادم، أم أن ذلك عن قصد بأن يضع أحدهما أنفه في كل ما من شأنه أن يزعج الآخر ويؤثر عليه سلبًا!

عن صراع الترشح لمنصب أمين عام منظمة اليونيسكو بين «مشيرة» مصر و«كواري» قطر أتحدث.

الصراع هنا أكثر سخونة؛ لأنه يتجاوز كونه صراعًا على منصب دولي، فهو بالأحرى صراع وتنافس سياسي بين النظام المصري ونظيره القطري، الذي يسير في خطوط متوازية يُعتقد ألا تتقاطع على ما يبدو في المدى القريب.

جدير بالذكر أن هذا المنصب لم يفز به أي مرشح عربي منذ ما يربو على السبعين عامًا.

أهمية المنصب للطرفين

يمثل المنصب أهمية للنظام القطري؛ كونه جزءًا من سياساته العامة في أن يخلق لبلاده موضع قدم وحضورًا مؤثرًا في القضايا الإقليمية والدولية، حيث تعمل السياسة القطرية جاهدةً في مزاحمة القوى الإقليمية التقليدية في المنطقة مثل: (مصر والسعودية) على الأدوار القيادية والمؤثرة في المنطقة، ويظهر ذلك جليًا في مزاحمتها مصر على منصب أمين عام الجامعة العربية سنة 2011، إلى جانب تواجدها بشكل أو بآخر في الصراعات الدائرة في المنطقة مثل (النزاع في سوريا – الفصائل الفلسطينية – أطراف النزاع في السودان – طرفي النزاع في ليبيا).

كما يمثل المنصب أهمية للنظام المصري لتدعيم شرعيته وتحسين وجوده الدولي والخارجي، بعد الانتقادات والتحفظات الحادة التي تعرض لها على خلفية الانقلاب العسكري على الرئيس المعزول محمد مرسي، إلى جانب أن مصر ترى أنها الأجدر والأحق بهذا المنصب؛ كونها الأكثر إسهامًا وإثراءً في المجال الأدبي والثقافي والعلمي، والأكثر تقديمًا للأدباء والمثقفين في المحيط العربي على عكس نظيرتها التي تكاد تنحصر إسهاماتها في الدعم المادي فقط.

بين المرشحين

كلاهما تقلد مناصب سياسية ودبلوماسية وأدبية رفيعة على المستوى المحلي والدولي؛

  • فالدكتورة مشيرة خطاب مثَلت مصر سفيرةً في دولة جنوب أفريقيا وتشيكوسلوفاكيا، إلى جانب توليها منصب وزيرة الدولة لشؤون الخارجية ووزيرة الدولة للأسرة والسكان، وأمين عام المجلس القومي للأمومة والطفولة، وانتخبت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في لجنة الطفل، واختيرت كأعظم ثالث ناشطة لحقوق الطفل في الشرق الأوسط.
  • أما الدكتور حمد الكواري فقد عمل وزيرًا للثقافة وعضوًا في اللجنة الاستشارية لمجلس التعاون الخليجي، كما عمل سفيرًا لبلاده في الولايات المتحدة وفرنسا، كما عمل مندوبًا لدولته في اليونيسكو والأمم المتحدة، إلى جانب تمثيل بلاده في المحافل والمؤتمرات الدولية.

فُرَص كلا المرشحين

  • قطر تعتمد على دعمها وتمويلها المادي السخى لمنظمات اليونيسكو، بينما تعتمد مصر على دورها الحضاري والتاريخي وذُخرها الأدبي والثقافي والعلمي.
  • الدكتور الكواري له ثقل وعلاقات دولية كثيرة؛ كونه عمل شوطًا طويلًا وما زال في المحافل الدولية وخاصة اليونيسكو نفسها، كما عمل سفيرًا لبلاده في فرنسا؛ دولة مقر اليونيسكو، والتي لها دور كبير في ترجيح كفة المرشحين كما يتحدث الفرنسية بطلاقة، على الجانب الآخر الدكتورة مشيرة لها إسهامات وخبرات كبيرة في المجالات التي تهتم بها منظمة اليونيسكو، كرعاية الطفل وحقوق الإنسان والتعليم ومكافحة العنصرية والتمييز كما تتحدث الفرنسية هي الأُخرى.
  • أثبتت قطر قدرتها الجيدة على إدارة ملفاتها الخارجية بطرق مستقيمة أو ملتوية، ويبرهن على ذلك اقتناصها حقوق تنظيم كأس العام لكرة القدم 2020، بينما مصر لديها قصور في ذلك الجانب ويبرهن على ذلك فشل مصر في ملف تنظيم كأس العالم والتي عرفت بـ(صفر المونديال) إلى جانب إخفاق مرشح مصر الدكتور فاروق حسنى عام 2009 في الحصول على هذا المنصب.
  • دفعت مصر بملف الترشيح إلى وزارة الخارجية؛ لتعمل جنبًا إلى جنب مع وزارة الثقافة المنوط بها أصلًا متابعة هذا الملف لاستغلال قدرات الخارجية المصرية وعلاقتاتها الخارجية، لتدعيم وتسويق المرشح المصري.
  • أعلنت دول الخليج على لسان الدكتور الزياني (أمين عام مجلس دول التعاون الخليجي) تأييد المرشح القطري.

عمومًا النتيجة ستحسمها قادم الأيام أما ما صار أكيدًا بالفعل، فهو الإجماع العربي على عدم الإجماع والعمل بجدية على اتساع الرتق والتشرزم وانعدام الرؤية الموحدة، والسعي الحثيث أن يظل الصراع العربي العربي هو سيد الموقف حتى إشعار آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد