لم يعد المواطن المصري «المسكين» يستيقظ هذه الأيام إلا وتهاجمه أخبار الأحوال الاقتصادية من كل اتجاه، ارتفاع أسعار سلع وخدمات، انحدار الجنيه أمام الدولار، قرض صندوق النقد الدولي، وغيرها، وأصبح  الحديث عن الأزمة الاقتصادية على لسان الجميع. الكل يقف على جمر القلق والترقب، ويتابع ببالغ الحزن والأسى الوضع الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم .

أتأمل حال المواطن المصري «المسكين» ويحضرني مشهد من الفيلم الكوميدي «ليلة القبض على بكيزة وزغلول» لشخصية «شؤب القنطاوي» الذي جسدها الفنان وحيد سيف، حين أرادت العصابة تخديره حتى يتمكنوا من الدخول لبيت بكيزة وزغلول، وكان كلما انتهى مفعول المخدر يضربونه ضربة عنيفة فوق رأسه حتى يعود مرة أخرى فاقدًا للوعي.

هذا بالضبط هو حالنا الآن، ونحن نستقبل هذه الحزمة من الأخبار والقرارات التي تُنبأ بوضع اقتصادي أكثر تعقيدًا وتدنيًا مما نحن عليه الآن، فلا يمضي وقت علينا لنستفيق ونستوعب خبرًا حتى يصعقنا أصحاب القرار بضربة أخرى.

لم يعد الأمر يتطلب منك أن تكون خبيرًا اقتصاديًا، أو مواطنًا مثقفًا، عالمًا ببواطن الأمور، حتى تشعر بصعوبة ما نمر به، وما نحن مقبلون عليه، لأن الأمر ببساطة قد طال وسيطول، احتياجاتنا الأساسية للحياة: الغذاء والدواء وفواتير الكهرباء والمياه والمواصلات، وهلم جرا…

إذًا لا أحد هنا يُجادل أو يحاول أن يُبرر شيئًا، أو يأخذ الأمر على محمل سياسي، فالأمر أصبح أخطر من اعتباره معركة سياسية، ونحن لسنا فريقين، الكل في مركب واحد.

لا أحد هنا يتعلل بالعدو الأكبر وهو «الإرهاب»، فلا عدو أكثر شراسة من الفقر المدقع الذي نخطو نحوه بكل ثبات، لا إرهاب أخطر وأقبح من أزمة دواء تشتعل، وشباب يائس وضائع بلا عمل، لا إرهاب أكثر من أثرياء في أعلى عليين، وفقراء في أسفل سفليين، ودولة ترهن مستقبل أجيال، وتنسحب شيئًا فشيئًا.

ورغم هذا

من المضحك المبكي وسط كل هذه الظروف، ووسط كل هذه المعاناة التي يعيشها المصريون، وبين كل هذه الإخفاقات، والإحباطات المتتالية والمتكررة، تجد أصوات تنادي بتحمل هذه الظروف العصيبة، وتناشد المواطن المصري  – أكرر – «المسكين» بالتقشف، وكأن المصريين تقلبوا لسنوات في رغد العيش، وحققوا من الرفاهية، والإسراف والتبذير ما ينبغي التوقف عنده، وأنه آن الآوان للتقشف، أو بالمعنى البلدي «نمسك أيدينا بقى شوية»، ولهؤلاء أقول: يا حضرات، المصري بالفعل «متقشف»، فأي تقشف إذًا تقصدون؟!

ولماذا دائمًا يكون حل الأزمة هو المواطن العادي البسيط؟ لماذا ينبغي عليه دائمًا أن يدفع هو الثمن؟ لماذا تسعى الحكومات دائمًا لاعتصاره ومص دمه؟ لماذا ببساطة تقررون وضع حد أقصى للأجور ثم تتراجعون فيه؟ أإلى هذا الحد لا يجوز الاقتراب من الكبار؟! لماذا هم أيضًا لايدفعون الثمن ويتنازلون عن شيء من رفاهيتهم، لماذا لا يتقشفون من أجل مصر؟!

ولكم أن تتخيلوا أن هؤلاء الذين يرفعون شعار التقشف للخروج من الأزمة، ويبررون كل شيء مهما كانت درجة سوئه، منطقهم في ذلك أن الأمان ثمنه غالٍ، فنحن قد نجوع ونعرى ولكن المهم أننا لسنا مثل سوريا وليبيا والعراق، قد نجوع ونعرى لكننا ننعم بالاستقرار والأمان، فهنيئًا لنا إذًا، ولـ«نشرب» جميعًا نخب الأمان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد