في بداية الثورة في سوريا، خطبت من المسجد العمري في بيروت، شباب سوريا الثائرين سلميا على أقسى وأشنع نظام عرفته البشرية، بالقول: «… ماذا فعلتم بكل شجعان العالم، إنكم والله أخجلتم كل شجاع، وتطلع إليكم كل أبي، وأصبحتم ثبلة الثوار في هذا العالم…» وأضفت: «…هنيئا لمن صافح تلك الأيادي التي بتصفيقها هزت جبروت هذا النظام، هنيئا للتراب الذي سالت عليه دماؤكم لتسري الحياة في ربوع الشام من جديد، هنيئا للفضاء الذي حمل صوت تكبيركم وأنات عذاباتكم وسحقا لكل خائن غدار…».

واليوم بعد مرور ما يزيد عن خمس سنوات، نقول لهم من بوابة حلب:

إن الموت الذي يحصد منكم كل يوم العشرات، قد مر قديما على نخوتنا وأخوَّتنا، فنحن منذ زمن يا حلب أموات أحياء، لا يوجد مثلنا إلا في الأفلام الأمريكية، وربما استوحوا فكرة أفلامهم هذه من واقعنا، فنحن نتحرك ونأكل ونشرب، ولكننا فقدنا الإحساس والشعور بكل شيء، فقدنا حساسية الإنسان لمناظر القتل والتدمير والإحراق، فقدنا نخوة العرب وأخوة الإسلام، فقدنا يا حلب حتى أنفسنا، فلا تلقي باللوم علينا، بل أنت من يلام، لأنك ظننت يوما أنت وشقيقاتك من مدن الشام، أنه يمكن للأموات أن يستيقظوا، فقد ولى يا حلب عصر المعجزات، إلا أنك معجزة هذا الزمن كل زمن.

قد لا يوجد مدينة في العالم وعلى مر التاريخ البشري، تفرَّق دمها بين دول العالم كله وشعوبه، إلا حلب، فدمها لم ينجُ منه حتى أهلها والقاطنين فيها، ولا يوجد في التاريخ أن اجتمع العالم مع نظام حكم على مدينة من مدن هذا النظام، تحت أي شعار أو مبرر أو عنوان، إلا حلب، ولم يوجد عبرتاريخنا أن تمتعنا بهذا القدر من التهاون والخذلان.

إن مأساة حلب تختصر مأساة أمة، قررت الانتحار ولكن ليس غرقا في البحار أو شنقا بالحبال أو حتى طعنا بالرماح والسهام، بل قررت الانتحار غرقا في بحار دمائها، وطعنا بأشلاء أبنائها، وخنقا بعباءات نسائها.

لقد قرأنا في التاريخ والحاضر عن محاولات انتحار أفراد وأشخاص، يئسوا من حياة تعيسة، فأنهوا آلام حياتهم بالموت، ولكن أريد أن أزف لأمتنا خبرا سعيدا في حمأة الأخبار الملعونة هذه، أنها تسجل لأول مرة في التاريخ سبقا عظيما، فنحن الأمة الأولى وقد تكون الأخيرة، التي تقدم على الانتحار كأمة، عبر انخداع شعوبها بما سمي بالربيع العربي، وانجرارهم وراء العواطف والشعارات، وخلوهم من الأفكار السياسية ومشاريع النهضة الحقيقة، انتحرت يوم ظنت وظننا معها، إسقاط هذه الأنظمة أمر سهل ميسور، وهو لا يتعدى إزاحة الحاكم واستبداله، انتحرنا يوم نسينا أو جهلنا، أن النظام ليس حاكما وحسب، بل مجموعة من الافكار والنظم والأشخاص والهيئات والارتباطات و و …، شكلت بتحالفها هذه الأنظمة الغاشمة، ولعله من مصادفات حفلة الانتحار الجماعية هذه، إن شرارتها قد بدأت بانتحار إنسان منها، إذ أحرق نفسه رفضا لظلم ضاق ذرعا به وأبى أن يفارقه، فقرر هو أن يفارق هذا الظلم القاتل، لإأضرم النار في جسده، وأشعل معه النار في جسد أمة هي أضعف منه.

ولئن كان الانتحار بالنسبة للأشخاص ينهي حالة الشعور بالألم والحزن والكآبة، فإن انتحار الأمم هو على عكس ذلك تماما، هو بداية لمسيرة طويلة من الآلام الأحزان، من التقسيم والتدمير، من الهزائم والإخفاقات.

هل تكون حلب مدفننا، وهي تدفن في ترابها وبين آثارها تاريخ البشرية جمعاء، أم تكون القوة التي ستزيل الصخرة من أمام الكهف الذي نقبع فيه، لنعود للحياة من جديد، وتشرق شمسنا التي طال غيابها، مستلهمين نحن هذه المرة، الخواتيم السعيدة لأفلام الأموات الأحياء الأمريكية؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد