وصلت الدولة العثمانية في عهد السلطان «سليمان القانوني» إلى أوج توسعاتها وحضارتها، وهذا ما تم ذكره في الجزء السابق من هذا المقال. لكن بعد وفاته عام 1566م؛ تفككت الدولة، وازدادت الصراعات الداخلية، فعمت الفوضى، وانتشرت الدسائس والمكائد، فقاتل الملوك بعضهم بعضًا، وتدخلت النساء، فَضَعُفتْ هيبة الدولة، وتعاقب على العرش خليفة تلو الآخر حتى انتهى الأمر بتولي «محمد الرابع» ابن السبعة أعوام شئون الدولة.

اعتلى «قرة مصطفى باشا» منصب الصدر الأعظم، ولم يكن كمن سبقوه حكمة ورؤية، فأقحم الدولة في صراعات عديدة كانت سببًا في بداية سقوط الدولة العثمانية، بعد قرنين من الزمان، بعد أن تمكن «قرة مصطفى باشا» بإقناع «محمد الرابع» بإعلان الحرب على ألمانيا، انطلق نحو فيينا بجيش قيل عنه إنه لم يتم إعداد مثله حتى ذلك التاريخ، مما أثار الرعب في قلوب الأوروبيين؛ فاتخذت تلك الموقعة طابع الصراع بين المسلمين والمسيحيين، حيث رأى الصليبيون أن بانتصار العثمانيين في تلك المعركة سوف تنتهي أوروبا والمسيحية إلى الأبد، فتحالفت القوات الأوروبية كافة لصد ذلك الفيلق العظيم.

بدأ «قرة مصطفى باشا» المعركة باكتساح «سلوفاكيا» وغيرها من القلاع الصغيرة، حتى وصل إلى قلعة «نوهز» (رمز الإمبراطورية الرومانية العظيمة) التي ظلت مستعصية على المسلمين قرونًا من الزمان، فحاصرها 37 يومًا، ولم تستطع الإمدادات الأوروبية أن تصلها، فاضطر قائد حامية القلعة إلى طلب الاستسلام، وافق «الصدر الأعظم» على ذلك، بشرط جلاء الحامية عن القلعة بغير سلاح ولا ذخائر، وبفتح تلك القلعة التي استعصت على السلطان «سليمان القانوني» من قبل، لم يتبق الكثير بين العثمانيين ووسط أوروبا وغربها.

وصل الجيش العثماني أسوار «فيينا» بعد 3 أشهر، وبدأ حصار «فيينا» عام 1683، نصب العثمانيون سرادقهم بنفس البقعة التي خيّم بها السلطان «سليمان القانوني» قبل 153 عامًا، وأخذت وحدات الصاعقة العثمانية البادرة؛ فهدموا القلاع، وسيطروا على الكثير من الآليات النمساوية، وبلغ عدد جنود حامية العدو 5500 بعد أن كان عددهم 11500 في بداية الحصار، لكن لم تستقم الأمور لـ«مصطفى باشا»، فبكل خطوة وُجِدَت عقبة، وبكل وقع أقدامٍ دُسَتْ مكيدة.

لم تكن الإمدادات الأوروبية التي وصلت إلى «فيينا» بالهينة، ففي غضون أيام بلغ عدد الجيش الألماني الحامي للعاصمة النمساوية 135 ألف مقاتل يتخللهم 40 ألف خيّال. لم يكن يفصل بين الصليببين والعثمانيين سوى جسر، كُلِفَ «مراد كيراي» بحمايته وعدم السماح للأوروبيين باجتيازه مهما كلف الأمر، لكن لخلافه الدائم مع «قرة مصطفى باشا»، وكراهيته له، سمح للأوروبيين بقيادة ملكهم «سوبياسكي» بعبور الجسر إلى المسلمين، وفي يوم السبت الموافق 20 رمضان 1094هـ/ 12 سبتمبر (أيلول) 1683م، وقعت معركة «ألمان داغي» الشهيرة في التاريخ الأوروبي والعثماني، حيث فوجئ المسلمون بالجيش الألماني يقتحم ثكناتهم وخيامهم، وهيهات أن تتوقف الأمور عند هذا الحد، فها هو «إبراهيم باشا» قائد الجناح الأيمن يسحب قواته أثناء المعركة، وينفصل بها عن الجيش؛ فما كان من «قرة مصطفى باشا» إلا أن وضع خطة للانسحاب بجيشه نحو قلعة «نوهز» ليتفادى المزيد من الخسائر، وبهذا الانتصار توقف الزحف العثماني.

لم يكتفِ ملوك أوروبا بذلك، فبعد المعركة وعلى مدى 16 عامًا، تمكنت سلالة عائلة «الهابسبورج» النمساوية تدريجيًّا من إخراج القوات العثمانية من الأراضي الجنوبية، والمجر، وشمال رومانيا؛ خيانةٌ أوّدت بدولة استمرت لقرونٍ في إرعاب القوى العالمية، وكانت السبب في بداية عصر الانهيار لخلافة كادت حدودها أن تمتد من الصين شرقًا وحتى الأندلس غربًا، لكن ما سقطت الخلافة إلا لظلم ارتكبوه، وما هُزِموا إلا لخيانة أبدع ملوك الخلافة في تناوبها فيما بينهم.

تعمق «تارانت» في قراءة التاريخ أكثر؛ لكي يُحضِرَ من صفحاته المزيد من الدماء التي سالت من المسلمين على يد حلفائه الأوروبيين، فانتقل من الصراعات العثمانية الأوروبية، وما تبعتها من نكبات ومذابح عاش خلالها المسلمين مُذلِّين إلى حقبة الدولة الأموية بالأندلس، وبدايات ظهور المسلمين في أوروبا، توقف «تارنت» عند صفحة معركة «طولوز» حيث مقتل «السمح بن مالك الخولاني»، وأشفى غليل روحه عنوان كُتِبَ بمقدمة صفحة ينص بما هو آتي: «بلاط الشهداء وهزيمة المسلمين على  يد تشارلز مارتل»، لكن ماذا دونت الأقلام في تلك الصفحات من وقائع وأحداث؟

في عام 717 ميلاديًا، تولى «عمر بن العزيز» أمور الدولة خلفًا لـ«سليمان بن عبد الملك»، وبعدما استقامت له الأمور داخل شبه الجزيرة العربية، ضم الأندلس لتكون ولاية تابعة له مباشرة بعد أن كانت تابعة لولاية أفريقية، وعين «السمح بن مالك الخولاني» واليًا عليها. لم تكن الأوضاع في الأندلس حينذاك على ما يرام، فأخذ «السمح» في جمع شتات الدولة، ومقاومة الاضطربات والحركات الانفصالية التي جابت البلاد شرقًا وغربًا، والتي بدورها جعلت الأندلس مطمعًا لملوك الفرنجة، لكن نجح «السمح» في بناء الاستقرار، وتوحيد صفوف المسلمين، كما بدأت في عصره نهضة حضارية ومعمارية، استمرت لقرون من الزمان، وما إن تحقق له المراد حتى بدأ يفكر في إكمال ما بدأه «موسى ابن نصير، وطارق بن زياد» سابقًا، فأعد الجيش وجمع العدة، وانطلق نحو بلاد الغال (فرنسا حاليًا).

لم يكن لدى المسلمين في فرنسا سوى مدينة تدعى «أربونة»، وبالفعل توجه إليها «السمح» ومنها انطلق إلى جنوب غرب فرنسا، وهناك دارت بينه وبين «البشكنس» (سكان هذه المنطقة) عددًا من الحروب، انتهت بسيطرة المسلمين على مدينة «سبتمانيا»، ولم يفارق «السمح» سبتمانيا إلا بعد أن أقام بها الحصون والقلاع، وولّى عليها من يستطيع حمايتها وتدبير شئونها، وما إن هجر «السمح» سبتمانيا حتى توجه بجيش بلغ عدده مئة ألف مقاتل، حتى وصل إلى «تولوز» عام 721م، وهناك بدأ الحصار.

استمر الحصار لعدة أشهر، وعلى إثره كادت حامية المدينة أن تعلن الاستسلام وتسليم المدينة إلى المسلمين، ولكن هيهات أن يقف الفرنجة عاجزين أمام سعي المسلمون لفتح غاليًّا؛ لأجل ذلك انطلق الأمير «أدو» (دوق أكوتين) في 9 يونيو (حزيران) عام 721م بجيشٍ كبير نحو «تولوز» حيث وقعت موقعة «طولوشة»، وفيها انحصر المسلمون بين قوات «الدوق» من ناحية، وبين حامية المدينة من ناحية أخرى، استمرت المعركة عدة أيام، تأرجحت فيها الكفة للمسلمين تارة، وللفرنجة تارة أخرى؛ حتى انتهت بهزيمة المسلمين واستشهاد «السمح»، لكن لم يُكتب للجيش الإسلامي الفناء حيث تمكن «عبد الرحمن الغافقي» من التقهقر بالجيش نحو «سبتمانيا»، ومنها إلى الأندلس مرة أخرى.

عادت الأوضاع في الأندلس إلى الانحدار مرة أخرى، ولم يستطع أحد الولاة الذين تعاقبوا على ولايتها في إعادة الأمور، كما كانت تحت حكم «السمح ابن مالك الخولاني»، حتى عام 730 ميلاديًّا، حين أصبح «عبد الرحمن الغافقي» واليًا عليها.

بدأ «الغافقي» في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي كما كانت من قبل، حتى كُتِبَ للأندلس في عهده أن تكون درة متلألئة في سماء أوروبا، والدولة الإسلامية من المحيط غربًا حتى الهند والصين شرقًا، ولم يمض إلا عامان على ولاية «الغافقي» للأندلس حتى شرع في إعداد الجيش لكي يكمل ما بدأه «السمح» من قبله من فتوحات وغزوات بجنوب فرنسا وغربها.

وفي ثنايا الاضطرابات الداخلية للأندلس، أعلن «عثمان ابن نيساء» حاكم إقليم كتالونيا تحالفه مع «الدوق أودو»، واستقلاله عن الدولة الأموية؛ غضب «الغافقي» لخيانة «عثمان» غضبًا شديدًا، فخرج بجيشه متجهًا إلى شمال الأندلس، وما هي إلا ساعات حتى كانت كتالونيا تحت لواء الدولة الأموية مرة أخرى، لكنه لم يستثن «الدوق أودو» من العقاب، فزحف إليه، وعلى مشارف «بوردو» دار القتال بين «الغافقي، وأودو»، استمرت المناوشات عدة أيام حتى انتهت بمقتل «الدوق أودو». ولم يستطع المؤرخون حتى يومنا هذا من حصر عدد القتلى في تلك المعركة؛ لكثرة الجثث التي وقعت من جيش الفرنجة، حتى قال المؤرخ «إسيدورس باسينسيز»: «إن الله وحده يعرف عدد القتلى». استكمل «الغافقي» الغزوات التي بدأها بإعادة إقليم كتالونيا، فغزا المدينة تلو الأخرى حتى انتهى إلى السهل الممتد بين مدينتي بواتييه وتور، ففتح المدينتين، وعسكر بالسهل لكي يستجم الجيش، ويستجمع من العافية ما يمكنه من الاستمرار في صراعاته مع ملوك الفرنجة لاحقًا.

لم ينتبه «الغافقي» بنوايا الفرنجة حتى فوجئ بـ«تشارلز مارتل» قادمًا على رأس جيش بلغ أربعمائة ألف من الجنود استمر «تشارلز» في تقدمه حتى لم يعد يفصل بينه وبين المسلمين سوى نهر اللوار، وفي ظل استعدادات «الغافقي» لكي يخرج لملاقاة «تشارلز» عند النهر كان جيش الفرنجة قد وصل إلى السهل حيث خيّم المسلمون، وهناك وقعت معركة بلاط الشهداء، أو كما يطلق عليها الأوروبيون معركة تورز في 10 أكتوبر (تشرين الأول) عام 732 ميلاديًّا.

استمر الصراع لعدة أيام، فيومًا ينتهي بتفوق المسلمين، وآخر تغرب في الشمس بتقدم الصليبيين حتى اليوم التاسع الذي لاح فيه النصر للمسلمين، لكن ومن الطمع ما قتل، عندما رأى «تشارلز» حرص المسلمين على الغنائم، أرسل سرية من الجنود لمهاجمة مخيمات المسلمين، وسرقة غنائمهم؛ فما كان من الجنود إلا أن انشقّوا عن قلب الجيش الإسلامي، لحماية الغنائم سعيًا وراء شهوة ودنيا فانية، فتوغل «تشارلز» بجنوده داخل خطوط المسلمين، وبعد ساعات قُتل «الغافقي»، واستشهد معه الآلاف من المسلمين، وانتهى بذلك الزحف الإسلامي في أوروبا حتى أعاده العثمانيون مرة أخرى في العصور الوسطى.

جُفّتْ أحباري، وانتهت معها كلماتي، لكن لم تنته معها الرغبة الملحة لـ«تارانت» في ذكر المزيد من الأحداث المهينة للمسلمين؛ فكتب عن «لوندين بيترسون» الذي اقتحم مدرسة في السويد أغلب طلابها من المهاجرين والمسلمين مرتديًّا قناع إحدى شخصيات الأفلام القتالية، ولم تنتهِ الواقعة إلا بمقتل طالب وأستاذ، ثم ذكر السفاح «ألكساندر بيسونيت» صاحب الواقعة الشهيرة بكندا، والذي حُكِمَ عليه بالسجن مدى الحياة لقتله ستة مصلين بأحد المساجد بعد صلاء العشاء.

الإرهاب ما كان يومًا خاص بفئة دون الأخرى، فليس كل من التحى مفجرًا، وليست كل من ارتدت نقابًا طاغية؛ الإرهاب هو مجون يعتري كل صاحب سلطة مريض، ومالك لسلاح لا يأهله عقله للتحكم به، فينقض بجوارحه المُفرغة، ومشاعره البالية لينفذ حكمًا، اتخذه عقله البائس، بالإعدام ضد مساكين لا يرجون سوى الأمان، ولا يسعون إلا ليكفوا أيديهم عن السؤال؛ ليرضي غرائزه المفعمة بالحقد والكراهية والاستبداد، الإرهاب لا يكمن في كونه فقط قتلًا للنفوس وإزهاقًا للأرواح، فالجهل هو إرهاب؛ إرهابٌ قادر أن يمحي التاريخ، ويهدم المستقبل، والفقر هو بلاء يرهب الأجساد، ويودي بالنفوس والأخلاق، والظلم هو تقييد للحريات، وإرهاب لألسنة أبت إلا أن يكون الصدق منطق كلمتها، والقهر ما هو إلا سجنٌ للعقول المستنيرة، لكي تبقى حبيسة داخل زنزانتها الصلبة، فلم يجد أولي الألباب بدًا من النزوح بالآمال والأحلام ليعيشوا لاجئين في دول أبت شعوبها أن يكرموا ضيوفهم، فما كان من مجرمي تلك الشعوب إلا أن أغدقوا تلك الأقلية من المهاجرين بالقتل والذبح ثأرًا من أجل التاريخ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات