في رمضان الماضي رأينا شكلًا مختلفًا للبرامج الدينية لم نعتده من قبل، شكل لا يشبه حلقة الكتّاب التي ألفناها في مثل هذه البرامج؛ إذ يتحدث الشيخ في أتفه المسائل، ويكتفي بإلقاء تعليماته على المشاهد، فقد أطل علينا المفكر الإسلامي، فلسطيني المولد، «الدكتور عدنان إبراهيم» في برنامج «صحوة»، تقديم الإعلامي السعودي، «الدكتور أحمد العرفج»، وقام بمناقشة قضايا اعتبرت لفترة طويلة من «التابوهات» الإسلامية التي تحرق كل من يقترب منها، ومن هذه القضايا، كانت قضية الحجاب، والمعازف، والموسيقى، وصحبة «معاوية بن أبي سفيان»، وغيرها من القضايا التي لن أتعرض لها مباشرة في هذا المقال؛ لكثرتها، ولكن يكفي القول إن جميع هذه القضايا من المسائل التي لا تهدم عقيدة، فهو لم يشكك أبدًا في «ألوهية الله، أو نبوة محمد» أو باقي أركان الإيمان.

مع هذا قامت الدنيا، ولم تقعد، وانهالت الاتهامات المضحكة على الرجل، التي ضمت فيما ضمت اتهامات بالزندقة، والتشيع، والعمالة الغربية، والإلحاد، وكل هذه الديباجة المعروفة، التي تلقى في وجه كل من يختلف في الرأي مع التيار السائد، والتي لا نعرف كيف يمكن أن تجتمع في شخص واحد.

وعندما لا تنجح اتهاماتهم في النيل من الأفكار التي يطرحها «دكتور عدنان»، بل على العكس تساهم في نشرها بين الناس الذين لم يعد يقنعهم سلاح «خدوهم بالصوت» القديم هذا، يلجأ مشايخنا الكرام إلى استراتيجية مختلفة، وهي الحكم عليه بعدم الأهلية العلمية.

كنت قد كتبت مقالًا سابقًا يتحدث عن نقطة كيف أن رجال الدين صاروا يحتكرون الاجتهاد، والبحث الديني، بحجة أن معهم العلم اللازم لهذا، وقد كان لي رأي في ما إذا كان الدين علمًا أم ممارسة «للاطلاع على هذا المقال اضغط هنا»، ولكن لن أناقش هذا الآن، بل إني أسعى هنا إلى معرفة الحيثيات التي وصل بها هؤلاء إلى أن دكتور عدنان، ليس أهلًا علميًا.

هل حكموا عليه طبقًا لعدد سنين دراسته مثلًا؟ أم لتحصيله الدراسة الدينية في مدرسة غير معتمدة لديهم؟ أم ماذا؟ صدقني عزيزي القارئ عندما أقول إنك لن تحصل على أية إجابة شافية لهذه الأسئلة؛ فقد بحثت أنا عليها كثيرًا، ولم أجدها. كل ما وجدته هو شروط عامة للاجتهاد، مثل الإسلام، وبلوغ سن التكليف، والعدالة، ومعرفة الكتاب والسنة، واللغة العربية، وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة، ومواضع الإجماع، وأحوال العصر، ومن استمع إلى دكتور عدنان سيجده بالفعل ملمًا بشيء كبير مما سبق، وعلينا الاعتراف أن مثل هذه الشروط العامة لا يمكن أن تتوافر في شخص واحد، فلا أحد يعرف كل شيء، والدليل أن كبار الأئمة كالشافعي والمالكي، وغيرهما، كانوا يردون بـ«لا أدري» على كثير من المسائل التي طرحت عليهم، إذن يمكننا القول إن الاجتهاد لا يجب عليه أبدًا أن يكون في كل شيء، بل يكفي الاجتهاد في المسألة التي بحث فيها صاحبها.

وإذا ظلوا يرفضون فكرة أن دكتور عدنان تنطبق عليه شروط الاجتهاد، فيمكننا إحالتهم إلى العديدين ممن انطبقت عليهم هذه الشروط، في نظرهم وجادوا علينا بالعجب العجاب، فها هو الدكتور «علي جمعة» على سبيل المثال، والذي احتل سابقًا منصب مفتي الجمهورية المصرية، يخبرنا أن فترة حمل المرأة في الشرع قد تستمر أربع سنوات، وعلى الطرف الآخر ها هو الشيخ «أبو إسحق الحويني»، أعلم أهل الأرض بعلم الحديث، يفتينا بحرمة دخول كلية الحقوق، ويرى حل مشكلتنا الاقتصادية في غزو العالم، وجمع الأغنام والسبايا، فلم لم يحتج أحد بأن هذين وغيرهما ليسوا أهلًا للاجتهاد؟

الإجابة واضحة، فهؤلاء لا يختلفون عن «إجماع الأمة»، هذا المصطلح المبهم العجيب، الذي لا تستطيع الإحاطة به علمًا، فهنا أيضًا إذا سألت من أين جاء هذا الإجماع، وكم عدد من ساهموا في هذا التصويت، أو هل هذا الإجماع ينطبق على الأحياء فقط أم يضم أيضًا من ماتوا من قرون عديدة مضت؟ ستجد الإجابات المتخبطة التي لا تريح بال السائل، وبهذا يظل مصطلح «إجماع الأمة» غامضًا محميًا بغموضه، لكن على الرغم من غموضه هذا فقد «أجمع» العلماء أن إجماع علماء الأمة، هو معصوم من الخطأ، حتى وإن لم يعصم هؤلاء العلماء كأفراد، وهنا الكارثة الكبرى، فهذه الفكرة واضحة العوار، والأدلة عديدة، مثل إجماع الأمة، والعالم أجمع في أحد الأوقات على أن الأرض هي مركز الكون، والذي ثبت خطؤه فيما بعد؛ فالإجماع إذن لا يعني التنزيه أو العصمة بأية حال من الأحوال، ولكنه بفضل رجال الدين والعلماء الأفاضل أصبح وحشًا كاسرًا لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، وإلا التهمه.

دكتور عدنان لم يخف من هذا الوحش واقترب منه وسعى إلى تقويضه، وهذا أفزع الكثيرين من شيوخنا الذين خشوا على عروشهم التي بنوها على ظهر هذا الوحش، مستنكرين أن يأتي هذا الشخص من النمسا، ليخبر الناس أن ما كان هؤلاء المشايخ يخبرونهم به ويؤكدون عليه هي أوهام في أوهام، وأن «معاوية» شق صف المسلمين، وأن «البخاري ومسلم» بهما أحاديث تتعارض مع القرآن، وأن الإسلام أبسط، وأفضل بكثير مما يدعون.

بالتأكيد هم لا يريدون لهذا التفكير أن ينتشر؛ لأنه كفيل بهدم بنيانهم العقائدي المهترئ المبني على تعاليم عصبية مذهبية دموية، فهم يتشدقون دائمًا بأن الإسلام يدعو إلى التفكير، ومع هذا يغلقون عقولهم، وعقول مريديهم عن أية فكرة جديدة، يتباهون بمعاملة الإسلام السمحة للمنتمين إلى مذاهب أخرى، وهم في نفس الوقت يلعنونهم في كل مجلس وفوق كل منبر، يدعون بإكرام المرأة، وهم ينزعون عنها آدميتها، ويقارنونها بالحمار والكلب، عندما تقطع صلاة الرجل، يفتخرون بعدم وجود كهنوت في الإسلام، ثم ينصبون أنفسهم حراسًا للمعبد، وحملة مفاتيح الجنة والنار، ينددون بشدة بالجماعات المتطرفة الدموية، ولا يعلنون أنهم يتفقون معهم في كل شيء، ماعدا فرصة التنفيذ.

لو كانوا بالفعل يظنون إسلامهم الذي يدعون أنه الوجه الوحيد للإسلام هو الطريق للتقدم، وأن الأمة لن تنهض دونه، فلم لم تنهض أمتنا إلى الآن؛ ونحن نسير خلفهم عقودًا طويلة؟ ثم يجب أن نذكرهم أن أصحاب النهضة الإسلامية الذين يتشدقون بهم، ويزهون بفضلهم على نهضة أوروبا، أمثال «ابن رشد والفارابي والكندي وابن سينا» كانوا من أصحاب الفكر، وأنهم لم يغلقوا عقولهم، كما فعلوا هم، بل إن معظم هؤلاء العلماء قد تم اضطهادهم، وحرق كتبهم من أصحاب العقول المظلمة تمامًا، كما يفعل هؤلاء المتشدقون في عصرنا هذا.

إنما هي ازدواجية عجيبة وادعاءات زائفة، فلو أن ادعاءاتهم بخصوص دكتور عدنان صحيحة، وأنه جاهل، وليس أهلًا للاجتهاد، وما شابه ذلك، فلم لا يجيبون دعوته إلى المناظرة؟ لم لا يعيدون أمجاد الإسلام الذي يتقبل الرأي الآخر، والذي يواجه الفكر بالفكر، ولا يخشى انكشافًا أو تعرية؛ لأنه أقوى من أية مواجهة؟ كل ما جادت به هيئة كبار العلماء في السعودية بقيادة المفتي أنهم حذروا من «ضلالات» عدنان إبراهيم في تغريدة على «تويتر»، وطالبوا «المتخصصين» بكشف ذلك للجميع، هذه التغريدة بالطبع أثارت موجة استهزاء وسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، فها هو الداعية السعودي «عادل الكلباني» يقوم بتغريدة هو الآخر، يسأل فيها: أليس في الهيئة متخصصون؟

الإجابة الوحيدة هي أنهم يخشون من مواجهة كهذه، يخشون أن ينكشفوا أمام الناس، وتهدم صورهم التي عاشوا سنين طويلة يبنونها، ليس الخوف على الإسلام بالطبع؛ لأن الإسلام كما ذكرنا عقيدة متينة لا تخشى مواجهة أية فكرة كانت، لذا فمثل هذه المواجهة لن تهدم بنيان الإسلام أبدًا، فالإسلام ليس ضعيفًا، إلا في عقول هؤلاء.

أما مسألة الكرامات التي ينسبها دكتور عدنان لنفسه، والتي وجدها مشايخنا مساحة مناسبة جدًا للهجوم، فأنا شخصيًا لا أصدق بها، ولكن الأهم أنه، سواء كانت هذه الكرامات حقيقية أم لا، فهذا لا يعنيني في شيء؛ لأن كل ما يعنيني هي المسائل التي يطرحها دكتور عدنان، والتي دائمًا ما تكون مؤزرة بالأدلة العقلية والنقلية، أما هذه الكرامات فمسألة شخصية، ومشايخنا لا يستخدمونها في الهجوم عليه، إلا للتشويش على المسائل الهامة، والعجيب أن هؤلاء المشايخ أنفسهم يعترفون يوميًا بوجود مثل هذه الكرامات لدى الأولياء الماضين، والمعاصرين على حد سواء، دون أن يسخر أو يستنكر هذا أحدهم، إذن فمسألة الكرامات في حد ذاتها ليست القضية هنا، بل القضية في شخص دكتور عدنان نفسه، فـ«أولياؤهم» الذين يعترفون بكراماتهم لا يختلفون معهم في الرأي في حين إن الدكتور عدنان مختلف معهم، ولذا صار من المحرم عليه أن تكون له كرامات.

حتى لا يُفهم من المقال أنه دفاع عن شخص دكتور عدنان فأنا أؤكد أن الهدف من المقال هو الدفاع عن الإسلام في المقام الأول، وعن حرية الفكر التي يدعو إليها الإسلام الذي أعرفه وأحبه، فأنا أختلف مع دكتور عدنان في الكثير من آرائه، ولكني أقدر شجاعته ورسالته الداعية إلى التخلص من الجمود الفكري والظلمة اللذين كوينا بهما لعقود، بل لقرون طويلة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد