اعتدنا في حديثنا عن كرة القدم ربط الأهلي بالزمالك والعكس، فمثلًا عندما يتحدث أحد عن مباراة للأهلي ويقول: «الأهلي له ضربة جزاء أمام المحلة لم تحتسب». هنا لا يتم الرد عليه بمناقشة هل الضربة صحيحة أم لا، ولكن الرد الجاهز هو: «الزمالك له ضربة جزاء أمام الاتحاد لم تحتسب أيضًا»، هذا هو منطق الحوار الذي اعتدنا عليه عندما يثار موضوع يتم الرد في موضوع موازٍ.

الأمر الذي اعتدنا عليه في مناقشة كرة القدم المصرية يأخذه البعض في باقي مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الجدية منها، والحوارية السفسطائية، منطق «أهلي وزمالك» يستخدمه بعض الحقوقيين أيضًا، وخصوصًا الموالون للسلطة للرد على تقارير انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، فبعد صدور تقرير هيومن رايتس ووتش الذي ينتقد سلوك أجهزة الأمن في مصر، ويحملها مسئولية الإخفاء القسري، ويعدد انتهاكاتها لحقوق الإنسان، نجد رد بعض الحقوقيين الموالين للنظام بأن «إسرائيل وأمريكا ترتكبان انتهاكات لحقوق الإنسان ولا نسمع صوت لهذه المنظمات»، بشكل مخل وبمنطق «أهلي وزمالك» يهرب الحقوقي من مناقشة التقارير عن مصر، ويتحدث في موضوع موازٍ.

نعم إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان يوميًّا وبشكل منتظم ومنهجي، ونعم منظمات حقوق الإنسان مقصرة بشدة في إدانتها لإسرائيل، أيضًا أمريكا رمز الحرية في العالم يقع بها انتهاكات لحقوق الإنسان، وربما بعض منظمات حقوق الإنسان تغض الطرف عن هذه الانتهاكات.

ما يهمنا أن التقارير التي تصدر عن الحالة المصرية راصدة لانتهاكات حقوق الإنسان صحيحة أم لا، هل ما تذكره من وقائع موجودة أم لا، هذا هو الفيصل، عند مناقشة واقع حقوق الإنسان في مصر، لا يجوز ربطها بانتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان آخر بغية التبرير لها، الأمران هنا منفصلان تمامًا، ولا يفيد التحجج بسلوك منظمات حقوق الإنسان الدولية تجاه بعض الملفات والدول الأخرى لتجميل وجه النظام القميء، والتبرير لآلته الأمنية وقضائه المختل.

الشائع أن خير دليل على صحة أو خطأ قول ما هو الواقع، ووقائع انتهاكات حقوق الإنسان في الحالة المصرية خير دليل، وليس كلام حقوقي موالٍ للسلطة أو حتى معارض لها، فمهما برر الحقوقي الموالي أو نفى، فالواقع يكذبه ويثبت عكس كلامه، وإذا لبس الحقوقي الموالي وجه النفاق واستطاع النفي أو التشكيك في أي واقعة تخص مصري فلما لا نسمع صوته في قضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني على سبيل المثال.
الإخفاء القسري موجود وفي ازدياد، القبض العشوائي والاعتقال موجود، القتل في الشارع أو في السجون والمعتقلات موجود، والأمر لم يقتصر على المصريين فقط بل يطال الأجانب «سياح أو صحفيين أو طلبة» الموجودين في مصر.

الحقوقي هو الشخص الذي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان وفق منهجية حقوق الإنسان، واتساقها مع الأعراف والقوانين الدولية والمحلية، ووفق ضميره الحي، وصدق الوقائع، ونزاهة منظمته، وعليه من المفترض ألا يوجد حقوقي موالٍ أو معارض، الحقوقي هو الحقوقي وفقط، وعلى الحقوقي الموالي الذي يسير في ركب السلطة ويبرر لها أن يجد لنفسه تسمية أخرى غير كلمة حقوقي، وعلينا وعلى الإعلام كذلك ألا نطلق عليه وصف حقوقي، فكيف يكون حقوقي وهو يبرر لانتهاكات حقوق الإنسان؟

في الحقوق لا يوجد موال ومعارض ولا انتماءات ولا أيديولوجيات، كما لا يوجد منطق «أهلي وزمالك» أو منطق ضروريات المرحلة، فقط منطق حقوق الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، لا يهم لونه أو عرقه أو انتماءاته أو دينه، والحقوق لا تحتاج لتعاطف بقدر ما تحتاج إلى تضامن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد