تنشغل الوحدات السياسية المكونة للنظام الإقليمي العربي بحسابات وتحالفات، محركاتها دول من داخل البيت العربي، وكذا من خارجه، مع الإشارة إلى أن القوة  باتت تتركز في منطقة الخليج العربي وتتناقص في منطقة الوسط، وتظهر ببوادر قليلة في منطقة المغرب العربي، وكون الجزائر جزء من هذه المنطقة العربية غير الثابتة، والمنتجة لتهديدات أمنية قد تمس حتى الاستقرار السياسي، ينبغي علينا اليوم فحص موقع الجزائر ضمن خريطة التفاعلات داخل البيت العربي، وتسليط الضوء على علاقات الجزائر بمواقع القوة العربية، وغير العربية، تحديدا الفاعل الإيراني والمملكة العربية السعودية.

كنقطة بداية، ينبغي التأكيد على أن الجزائر كقوة عربية، وإسلامية، توجد اليوم ضمن هيكلية سياسية تسمى جامعة الدول العربية، بغض النظر عن هشاشة هذا البناء المكرس لوستفاليا المنطقة العربية، ينتج انضمام الجزائر لهذه المؤسسة التزامات تتعلق بدول تتجانس معها في هوية جامعة – فعلية، أو مفترضة – وهي العروبة، أي أن عروبة الجزائر المنصوص عنها دستوريا هي المدخل لشرعية وجودها ضمن هذا البناء الجامع للمنطقة العربية، مما يحتم على الجزائر حماية هذه الهوية، وحماية الدول التي تتشارك معها عضوية الجامعة العربية، لكن، من باب الإنصاف، لا يمكن مطالبة الجزائر بأن تكون عربية أكثر من الآخرين، فكل الدول المنضوية تحت الغطاء السياسي العربي الجامع هي دول فقدت إيمانها بالمشروع العربي، وهي تستعمل مقعدها اليوم لجمع مكاسب قد تأتي من مواكبة المواقف القطرية أو السعودية، وهذا ليس سرا، والجزائر بمواردها الداخلية، ليست ـ ربما ـ معنية بهذا النوع من السياسات الكمية والمادية.

الملاحظ اليوم، في مجرى السياسات العربية، نمو نوع من المعارضة العربية، خاصة الخليجية، لمواقف الجزائر التي تضعها في موقع يجعلها ترى قريبة من الفاعل الإيراني الذي ينظر إليه بتوجس، كقضية التحالف العسكري، وتصنيف حزب الله كجماعة إرهابية، وغير ذلك من نقاط الاختلاف التي لا تطفو  على سطح التفاعلات العربية – العربية، أي ملاحظة غير متخصصة لسلوك الجزائر الخارجي يجدها تقف بمسافة أقرب من الفاعل الإيراني منه إلى الفاعل السعودي، إذا تم مناقشة الأمر من الناحية العقائدية، تسليما بعودة المسلمة الدينية، نجد أن الأغلبية الكبرى من الجزائريين هم مسلمون سنيون، ومن الناحية العرقية الجزائر تدستر هويتها العربية وتدافع عنها بشراسة، إذن النتيجة هي أن الجزائر يجب أن تتوجه بمواقفها نحو إرضاء الفاعل الذي يناظرها هوياتيا وعرقيا، وهو الفاعل السعودي، وليس الإيراني الذي يختلف مذهبيا وكذا عرقيا، لكن ربما الأمور تتجاوز المشاعر الهوياتية.

المتتبع لتاريخ الجزائر الدبلوماسي يمكنه ببساطة اكتشاف أن الجزائر ليست دولة معسكرات، ولا دولة نوادي، بقدر ما هي دولة تتفرد بمواقفها، وتخضعها لمبادئها التي تثير تحفظ الكثير من الأطراف، فحتى في الحرب الباردة، أين كان هامش الاستقطاب واسعا، كانت الجزائر محافظة على قدر من الوسطية، رغم اعتبارها زبونا سوفيتيا، لكن ، السؤال المطروح: هو هل وجود الجزائر في موقع تلامس مواقف مع الفاعل الإيراني هو صدفة تاريخية، تغذيها مبادئ الماكينة الدبلوماسية الجزائرية، أم أن الجزائر تحاول الانسحاب  بخطى هادئة من البيئة العربية المتعبة، والمحافظة على قدر من المراقبة الحذرة غير المنتجة للاضطرابات، كقضية داعش، والربيع العربي وكل ما يتعلق بتحولات البيئة العربية وصعود القوى الخليجية، كالسعودية وقطر، والإمارات؟

إذا حسبنا الأمر من ناحية متغيري العداوة والصداقة، فإنه تاريخيا، وفي عهد قريب كانت إيران تغازل خصوم النظام الجزائريين في الداخل، رغم أن الجزائر كانت في فترة من الفترات عاملا ملينا، فيما يخص علاقة إيران بالغرب، وكذا بالعرب عبر جهود وساطتها الشهيرة، وفي وقت ليس ببعيد تعالت أصوات عبر الإعلام  مستنكرة المد الشيعي في الجزائر، وتم اتهام السفارة الإيرانية بذلك، أي أن علاقة الجزائر الرسمية بإيران هي علاقة ينظر إليها بنظرة متوجسة تنطلق من الشك لتلامس سقف المحظور، لكن هذا لا يجعل من علاقة الجزائر مع السعودية علاقة ملائكية، ففي الوقت الذي تنظر بعض الأوساط بعين الريبة للتقارب الجزائري الإيراني، تبرز كذلك مواقف ترى في دول الخليج خطرا على استقرار الأنظمة وعاملا من عوامل ضربها وضرب شعوبها.

إذا نظرنا، إلى الجزائر بعين إيرانية، سنجد أن إيران ترى في الجزائر الدولة الأكثر صلابة في شمال إفريقيا، وأنها لا تقل أهمية عن العراق وسوريا، ووجود الجزائر في معسكر معادي لإيران كفيل بأن يقوض كل مشاريعها؛ نظرا لتماسك الجزائر من الداخل، ولغياب بطاقة ضغط قوية، كأقليات شيعية ذات وزن سياسي في الداخل الجزائري قادرة على الحفاظ لها على مساحة مراوغة، من منطلق أن الشارع الجزائري واقعيا هو شارع متعصب لسنيته ولعروبته، إذن ترى إيران في الجزائر مكسبا سياسيا لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنه، ويجب المحافظة على هذا النظام خدمة لإيران، وهذا ربما ما فهمته الجزائر، إذا قلبنا زاوية الرؤية لصالح الجزائر، يبدو أن الجزائر ترى في إيران دولة ذات خبرة تاريخية، وذات وزن إقليمي، قادرة على الوصول بتأثيرها إلى كبرى دوائر صنع القرار الدولية، وعامل توازن في علاقتها مع الخليج القوي عربيا، وشريكا محتملا في حرب الجزائر ضد الجماعات الإرهابية التي تنشط في الفلك الجيوبولتيكي للجزائر، إذن تظهر علاقة الجزائر بإيران، وكأنها نظام من تبادل المنافع والموارد، ولا تظهر أية بوادر لتبعية الجزائر لإيران كحال سوريا والعراق، وبعض الجماعات النافذة داخل لبنان.

لكن ماذا عن المملكة العربية  السعودية؟ وكيف يمكننا تشريح الإدراك الجزائري  لصعود الفاعل السعودي، وجيرانه الخليجيين، سيما قطر والإمارات؟ هل الجزائر ترى في تعاظم نفوذ السعودية ومن معها خطرا؟ أم تراه مكسبا قد يساهم في انفراج أزمات الداخل العربي؟ أي: هل ترى الجزائر في الخليج ككل قوى يستفاد منها أم قوى يجب الحذر منها؟ من الصعب الوصول إلى إجابات يقينية بشأن هذه المواضيع بفعل الطابع الهادئ والصامت الذي  تسلكه دبلوماسية الجزائر، لكن ما يبدو واضحا هو وجود موطن اختلاف واضح بين الأطروحات التي تقودها السعودية، وبين المبادئ التي تعتنقها الجزائر، مع الإشارة إلى أن الفواعل الخليجية، تقف بمسافة أقرب من الأطروحات المغربية فيما يتعلق بقضايا شمال إفريقيا المصيرية، اليقيني هو أن السعودية تتوجس من مستقبل العلاقات الجزائرية الإيرانية وتتخوف من تحول الجزائر إلى موطئ قدم لها في المغرب العربي على مرمى حجر من شريكها الاستراتيجي المملكة المغربية.

لا يبدو الأمر جديا، لوم الجزائر على واقعيتها، ولا لوم المملكة العربية السعودية على قيادة مشاريع تخدم أمنها واستقراها، فكلاهما دولتان تسبحان في واقع وستفالي فوضوي، اتفق العرب برعاية أجنبية لتكريسه وتقنينه ضمن جامعة عربية، لم يبق منها سوى اسم تتداوله وسائل الإعلام ويستخف به الشارع العربي العام، إذن، ما ينبغي أن يلام هو الإرادة العربية الجامعة التي هندست لنفسها كيانا يرضي غرورها السيادوي، ويجعل عدم اتفاقها قانونا تتوارثه الأنظمة والحكومات، مما فتح ثغورا تسللت منها قوى أجنبية عن البيت العربي كتركيا، وإيران، وإسرائيل، منتجة بهذا واقعا يجعل من القوى غير العربية تملك مقاعد لها في الجامعة العربية برايات وأسماء ولغات أخرى، لا تلام الجزائر إذا تقربت من إيران، ولا تلام المملكة العربية السعودية إذا تحالفت مع تركيا، فكلتاهما محكومتان بأنانية الدولة الوطنية، وكلتاهما مدركتان أن البيت العربي لم يبق موجودا، إلا في الأدبيات التاريخية، وأنه لا تكتل عربي اليوم قادر على جمع المواقف العربية حول طاولة واحدة بحياد عن تأثيرات قوى دولية وإقليمية، بما فيهم البيت الخليجي، فلم يبق سوى حل الجامعة العربية لتصبح الحسابات الوطنية الضيقة عملا مكشوفا، وليستريح الإعلام من التنظير لمصلحة عربية غير مفعلة في أرض الواقع، فأما أن تكون الجامعة العربية كما يجب أن تكون، فتلتزم كل دولة عربية تجاه الدول العربية الأخرى، أو تحل لتقود كل  دولة سياستها الخارجية دون أدنى التزام؛ لأن الجامعة العربية اليوم هي مجسد لانفصام شخصية الدول العربية، فلن يتغير الواقع العربي إذا تبنت الجزائر الخطة السعودية، ولن يتغير كذلك إذا فعل الخليج نفس الشيء مع الجزائر، لأن المشكلة هي مشكلة منطقة تبحث عن نفسها، ودول تورطت في تراكم من العلاقات على حساب علاقاتها العربية ، والقضية بعيدة عن أن تكون مجرد خلاف بين دولتين يجمعهما  نفس البيت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد