فى البداية نوضح أولا من هو المثقف؟ والذي يوجه له علي شريعتي نصائحه, مبينا له مسئوليته تجاه المجتمع.

يرى علي شريعتي أن المجتمع ينقسم إلى فئتين: الأولى تزاول أعمالا عقلية, والأخرى أعمالا بدنية، وبالطبع توجد تداخلات فيما بينهما, ولكن هناك جانب يطغى على جانب آخر, فمثلا أغلب الحاصلين على الشهادات الجامعية من أطباء ومهندسين ومدرسين وحقوقيين وفلاسفة وعلماء, يزاولون أعمالا عقلية, بينما العمال والفنيين أعمالهم البدنية تكون أبرز.

الطائفة الأولى هم أهل عمل يغلب عليه الفكر, والثانية هم أهل عمل يغلب عليه البدن. لكن أين هم أهل الثقافة؟! وللإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى مقياس أو معيار, هذا المعيار يضعنا أمام الظواهر الاجتماعية, حيث يكون التحديد على أساس نظرة المثقف للمجتمع الذي يحيط به.

تفحص وضعك الحالي جيدا, لتجد نمطا يحلو لي تسميته النمذجة؛ نمط متكرر ينتشر داخل المجتمع الشرقي عامة. حالة كهذه قد نصفها بالتشوه الثقافي؛ شيء لا هو ينتمي إلى ثقافة الشرق ولا إلى ثقافة الغرب. الشباب لهم اهتمامات متقاربة تصب في قوالب تافهة غالبا, القليل ممن يهتم حاليا بالقضية الفلسطينية كاهتمام أحدهم اليوم بلقاء القمة بين الريال مدريد وبرشلونة مثلا. هناك الكثير من شريحة أهل الفكر من الأطباء والمهندسين, بل ومن الأدباء والمفكرين, ممن لا يهتمون لشأن الأوضاع الاجتماعية بالرغم من أعمالهم العقلية, بل إنهم لا يستوعبونها عند الحديث عنها أصلا, فهم قد تلقوا الشهادات وتقلدوا المناصب الرفيعة, ولا يعرفون شيئا عما يدور حولهم في المجتمع. هؤلاء ليسوا بمثقفين أبدا، وهذا ليس إلا لأنهم غير مستنيرين على حد وصف شريعتي. في المقابل قد تجد عاملا مستنيرا صاحب وعي وذكاء يتعدى حدود عمله, ليصل إلى فهم المجتمع ذاته وفهم حاجياته.

حسنا, يبدو أن هذا المعيار يعتمد كما ظهر مما سبق ذكره على أساس “الاستنارة”. وما هي إلا معيار يحدد المثقف على أساس من قدر اتصافه وتحليه به، وفى هذا يقول شريعتي: إن كلمة المثقف هي “صفة لعمل إنسان ما”, أما المفكر فاصطلاحا هو وصف لفكر الإنسان فحسب.

باختصار ما دمت تتعلم وتتلقى الشهادات, وتحسن حل المسائل الرياضية ووضع القواعد الفلسفية, ولكنك محدود التأثير, لا تدرك ما يحتاجه المجتمع منك وما هي مشكلاته, فأنت لست مثقفا, بل أنت مفكر. إن كنت ممن يتجاوز ذكاؤهم وأفكارهم حدودهم المعرفية لتصب داخل أعماق المجتمع فحتما أنت مثقف, نقول لك أهلا ومرحبا بك, الدكتور علي شريعتي يقدم لك سلسلة من النصائح, تعال فاطلع عليها معنا.

1- كن على وعي دائما بمسئوليتك العظيمة داخل المجتمع

هنا يذكرنا علي شريعتي بأنبياء الله في أرضه, فهم قوم بعثهم الله -عز وجل- ليمحوا ظلام الجاهلية وضلالها, ويقرون عدل الحكمة ونورها.

والمثقف وريث لهم, وهو من يكمل طريقهم, ويحمل دائما معه الوديعة الإلهية الكبرى, وهي المعرفة والوعي.

2- على المثقف أن يجد السبب الأساسي لانحطاط المجتمع

إن أعظم المسئوليات التي تقع على عاتق المثقف هو أن يجد السبب الحقيقي لانحطاط المجتمع.

إن التناقضات الاجتماعية, كالفقر والغنى مثلا, لن تحرك الشعوب إلا إذا حُملت تلك التناقضات من داخل النظام الاجتماعي, ووضعت في ضمائر الناس ووعيهم. وحده الفقر لن يحرك أحدا, وإنما الإحساس به.

3- كن على وعي بالتناقضات الاجتماعية

المجتمع ليس مفعولا به نسقط عليه أفكارنا, ونجرب فيه أساليب تعسفية تناقض الفطرة السوية غالبا ولا تقود إلا إلى انهيار. عامل المجتمع كفاعل به, لكنه فاعل مريض ينطق بأسباب مرضه. كن كالطبيب, خذ احتياطاتك وقم بتفحصاتك وابحث عن التناقضات الموجودة, واعلمها جيدا قبل أي خطوة عملية تقوم بها على الأرض.

4- أن ندري نحن المسلمين في أي مرحلة من مراحل التاريخ نعيش

من وجهة نظري الشخصية فهذه من أهم النقاط الرئيسية التي مال لها علي شريعتي, وهي عندي بمثابة العلم التجريبى الذي إن دخل الفرد مداره وابتدأ فيه من الصفر تحامق, وإنما العلم يكون مبنيا على أساس من قبله وعلى أساس نتائج توصل لها السابقون، فهكذا التاريخ وهكذا الحضارات.

هناك من ضحوا من أجل الأفكار وماتوا دونها، وبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس. تتبع طرقهم واعلم إلى أين وصلوا, وواصل من حيث انتهوا. اعرف مرحلة التاريخ التى أنت فيها الآن, وكيف تشكلت؟ ومتى برزت؟ ويرى علي شريعتي أننا نعيش في بداية عصر نهضة, ونهاية عصر القرون الوسطى.

5- اعلم نمطك الثقافي

يعرف علي شريعتي النمط الثقافي, على أنه الروح الغالبة على مجموعة معارف مجتمع ما. إنها ثقافة المجتمع التي على المثقف الواعي أن يكون متواجدا في عمقها. متفهما لضمير السواد الأعظم من شعبه. كن على دراية بروحه الغالبة, وإياك إياك الانفصال. ويرى شريعتي أن الروح التى تميز مجتمعاتنا هي الروح الإسلامية.

6- احذر الاعتقاد بأن ما يجري اليوم في المجتمع الإسلامي هو الدين الحقيقي لتاريخ المجتمع وثقافته

إذا كنت من هؤلا الذين يعتقدون بأن المجتمع الحالي وما عليه = الدين الإسلامي فحتما سينتهي بك المطاف إلى تبني سياسات إصلاحية اجتماعية جديدة لا تصلح للمجتمع الذي تعيش فيه؛ لأنها لا بد وستعادي الدين؛ ونتاجا لذلك يصبح المثقف مكروها تماما كحال نخبنا اليوم, الذين يتشدقون ويتصايحون في سبيل إرساء القيم العلمانية -وهي سياسات اجتماعية مستوحاة من الغرب- على الاجتماعات الإسلامية, هربا من جهل الدين وتخلف ثقافته.

هم نخب تناسوا للأسف أن النبتة لا تصلح إلا لبيئة محددة, وهكذا النظريات الاجتماعية, فما صلح للمجتمع الأوربي بعد تخلصهم من براثن الكنيسة, لن يصلح للاجتماعات الإسلامية.

قلنا إن هؤلاء سيُكرهون, فماذا سيحدث بعد ذلك؟! سيلجأ الناس إلى مزيد من الرجعية، وتستغل القوى الرجعية ذلك, وتصرف الناس عن المصائر الحالية وتبدل المشكلات الواقعية إلى أخرى ذهنية, فيجذب الاهتمام باسم الدين من مرحلة ما قبل الموت, إلى ما بعده, فظهر لنا ما مفاده “اقتل ولك الجنة!”.

فاحذر التقليد والنظر السطحي إلى الأمور. وأعلم أن تجربة اللادينية لا تصلح لمجتمعاتنا.

7- كن عالما بالإسلام

يرى علي شريعتي أن المشكلة الكامنة في مثقفي العصر، أنهم لا يعلمون الإسلام ولا يدرون ما احتياجاته، ولهذا لم يأت الوعي بعد عن طريقهم.

الخلاصة

عندي أن تلك نصائح لا شك ممتازة, ولكن الأهم منها والأكثر نفعا وقابلية للتطبيق، هي النصائح الثانية والثالثة والرابعة, وتعنى اختصارا ما مفاده أن المثقف وظيفته هي: نقل التناقضات الاجتماعية من تيار المجتمع إلى أحاسيس المجتمع، وأن أدوات عمله ومواده الخام لن يجدها إلا في صلب الحياة الاجتماعيه لمجتمعه وعصره.

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد