سبق الجمعة الماضية «جمعة الأرض» جدل وشد وجذب، بعد إصدار بعض الكيانات والجماعات بيانات رسمية؛ تؤكد مشاركتهم في تظاهرات جمعة الأرض.

وخلافًا لحالة الجدل السابقة لها جاءت جمعة الأرض ناسفة لكل مزاعم «المتشدقين»، وخرجت بتوحد ثوري مفقود منذ الأيام الأولى لثورة يناير.

المتشدقون لم يكونوا المتشددين من كل الأطراف فقط، بل حتى مستقلين، من أكاديميين ونشطاء أيضا، كل هؤلاء شاركوا في افتعال حالة الشد والجذب حول إعلان كيانات كبيرة عن المشاركة في جمعة الأرض، وحول تحديد من له الحق في النزول والمشاركة من عدمه.

مع الاعتراف بصعوبة إعادة بناء الكيانات الحالية أو إنشاء كيانات جديدة؛ بسبب الأوضاع الأمنية، والسياسية، وبسبب النخب السياسية، يصبح أمر إعادة بناء قيادة الكيانات بتغييرهم أفرادها أمرًا هامًا، وضروريًا؛ فمن يقف بخلفياته وأيديولوجياته ومواقفه السابقة عقبة أمام أية محاولة للتوحد أو حتى مزاملة ومشاركة في تظاهرات وحركات، فهؤلاء يجب أن يُنحوا من الصدارة والقيادة في كل الكيانات، حتى ولو جبرًا؛ فاستمرار القيادات في نفس مواقعهم مع احتفاظهم بمواقفهم الأيديولوجية وخلافاتهم السابقة معناه: أننا لن نبرح مكاننا، وأننا ندور في حلقة مفرغة.

أما المستقلون المختلفون أيديولوجيًا وفكريًا، أو حتى تنظيميًا مع أي كيان، فعليهم البعد عن التنظير السيئ، والتصدر للمواقف، ودفع الناس نحو اتجاه معين من بنات تحليلاتهم الألمعية، فالمواقف الفكرية لا يجوز إخراجها للناس في صورة تحذيرات وانتقادات وتوعدات لكيانات، لمجرد إعلان نيتهم المشاركة عبر بيان رسمي.

الغريب أن هؤلاء وأمثالهم كثيرًا ما صدعونا بالبحث في النوايا، وأن السياسة لا تقبل به، ثم تجدهم بكل بساطة يبحثون في النوايا، ويحللون وفق رغباتهم، ثم يصوغون ذلك في صور إرشادات سياسية ورؤى صائبة لا تحتمل المناقشة.

نسألهم: من يملك حق محاسبة أو منع الناس، والكيانات، والجماعات من إصدار بيانات، أو المشاركة في تظاهرات، ومناسبات وطنية؟
ولماذا الاحتفاء ببيانات ومواقف كيانات صغيرة، ورفض ومعاداة بيانات كيانات كبيرة، رغم أن مضامين البيانات واحدة، وتتعلق بشأن وطني صرف؟

ما نحتاجه الآن وبشدة ـ على الأقل ـ تجميد خلافات الماضي ـ لا نسيانها أو إهمال المحاسبة عليها ـ خصوصًا  في المواقف والحراكات والمناسبات، التي يتوجب فيها التوحد من الجميع على أرضية وطنية، بدون لافتات أو أيدلوجيات، كجمعة الأرض أو كل ما يشبهها.

قضايا بيع الأرض، وترسيم الحدود، والتفريط في حصص مصر في مياه النيل، وغيرها، تحتاج إلى الجميع  من كل الاتجاهات؛ لإضافة زخم للشارع، وحتى يكون الرفض شعبيًا صرفًا وجامعًا، ولمحاولة البناء على حالة التوحد هذه، وخصوصًا أن الكل يعلن رفضه للنظام الانقلابي الحاكم في مصر الآن.

فبعد تجاوز النظام الحاكم، من كونه عسكري ديكتاتوري، إلى متؤاطئ ضد الشعب، وحقوقه، يفرض على الجميع التوحد، فماذا بعد التفريط في الأرض والثروات والمياه؟ نظام لا مانع لديه من أن يميت الشعب قتلًا واعتقالًا أو عطشًا وجوعًا، أن نتركه يمر بجرائمه، ونتفتت أمامه في قضايا مصيرية لحياة هذا الشعب، وبقاء الدولة نفسها.

نعيد ونكرر، سواء وُجد اصطفاف وطني أم لا، عند فترة معينة، فالأمر يتعلق هنا بالقوى السياسية الموجودة في تلك الفترة، أكثر منه بالظروف والأحداث والخلافات.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد