بالنسبة للسعودية ينبغي تقدير تأخرها في تأكيد احترامها للشرعية التركية المنتخبة ديمقراطيا لسبب يتعلق بطبيعة السياسة السعودية التي تتسم بالبطء والواقعية الشديدة والحذر، فكان عليها وفقا لحسابات خاصة الانتظار أو التأخر لتتأكد من طبيعة اتجاه الأحداث فهي أرادت أن تحتفظ بخيط علاقة طفيفة مع سلطة الانقلاب فيما لو نجح كواقع يفرض نفسه خصوصا وأن السعودية تدرك جيدا أن الانقلاب تقف وراءه دول كبرى كأمريكا ودول أوروبا، لكن الانقلاب فشل وهذا أشعر السعودية بالارتياح وإن لم تبدِ ارتياحها بشكل كبير لكنها تستبطنه إدراكا منها أن الانقلاب لو نجح لن يخدم سوى عدوها الأول إيران إلى جانب منح حليفتها أمريكا المزيد من السيطرة على قراراتها وتوجهاتها السياسية وإجراءاتها الأمنية العسكرية في اليمن كما سيتيح لأمريكا وروسيا وأوروبا فرصا أكبر لتقسيم سوريا كمدخل لسيناريوهات تقسيم أكبر في المنطقة تشمل السعودية ودول الخليج ذاتها والسيطرة على منابع الطاقة .

قد لا تشعر السعودية بارتياح إزاء الحكومة التركية الجديدة كونها إسلامية التوجه وبالتحديد ذات اتجاه إخواني تصنفه السعودية كتيار خطير بإشعار من الإمارات التي تسيطر على مراكز نفوذ ونخب داخل المملكة كالنخب الليبرالية والعلمانية القليلة والمؤثرة في صياغة التوجهات السياسية للمملكة بحكم ارتباطها بأمريكا اقتصاديا، ليس لأنه – أي تيارالاخوان – يتبنى رؤية متطرفة ولكنه يتبنى مفاهيم إسلامية أكثر خصوصية في حداثتها واعتدالا وتأكيدا على حق شعوب الأمة في امتلاك حريتها وقوتها وتحقيق نهضتها وفق قيم دينها مع الانفتاح الواعي على بقية الأمم وفقا لمشتركات ومبادئ إنسانية سوية مجمع عليها .

لكن تظل تركيا مهمة بالنسبة لدول المنطقة وخصوصًا الخليج المستهدف كمنبع للطاقة في هذا الصراع المشتعل، يقول جوب كُوب الابن «مسيحي»:«من الواضح أنه يتحتم على الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على نفط العالم حتى يتسنى لها الحفاظ على المستوى المعيشي داخلها وتحقيق هيمنة تامة على العالم، ومع ندرة النفط مقابل الطلب العالمي تزداد أهمية تلك السياسة وتعد موارد المملكة السعودية فضلا عن تلك الموارد التي تتوافر في العراق وحوض بحر قزوين وإيران من الموارد الأساسية التي يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية تأمينها».

لم يعد الأمر شراكة وتحالفًا إذا بقدر ما هو مسعى أمريكي للهيمنة، والهيمنة لا تتخذ بعدا اقتصاديا فحسب بل تغييرا شاملا يصيغ المنطقة وفقا لما يحقق طموح تلك الهيمنة وأبرزها التخلي عن الإسلام كخزان حيوية روحية متجددة للمواجهة ومقاومة الاستعمار الجديد بمختلف أدواته ووسائله واتجاهاته، فما لم يدركه العرب جيدا أن التحديات كبيرة وخطيرة وتستوجب تحالفا وثيقا مع تركيا كأهم بلد إسلامي سني فإن تقسيمها وتفكيكها حتمية جيوسياسية وتاريخية لا بد منها إذ أن تركيا ستظل على الدوام ركنا أساسيا فاعلا ومؤثرا في أية محاولة لبناء نظام أمني واسع في الخليج.

فمنطقة الخليج والمنطقة برمتها ستظل تمثل أهمية استراتيجية كبرى في أجندة البناء الاستراتيجي العالمي، فهي لم تعد مجرد منتج مورد يوفر بمدده المقومات القابضة على عَصَب الحياة الاقتصادية العالمية بمختلف اتجاهاتها تخطيطا وأداءً حاضرًا ومآلًا، بل أصبحت مكانا تقاس فيه وعليه حيوية البناء المتصور لهيكلية النظام الدولي المتوقعة وذلك انطلاقا من أهمية هذه المنطقة ذات الأبعاد الثلاثية الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية.

لقد عمل الأتراك الجدد الذين يحكمون تركيا الحديثة والقوية اليوم على تجديد الفكرة العثمانية على أساس الأخوة الإسلامية وهدموا بذكاء سياسي منقطع النظيرالأسوار الثقافية التي أقامها الغرب عبر بعث النزعة القومية لدى عملائه من الترك والعرب لتعميق التجزئة في المجال الحضاري والتاريخي الواحد وهذا يتطلب من جانب العرب وخصوصا السعودية كمنبع للإسلام أن تدخل في عملية شراكة استراتيجية متكاملة مع تركيا كي يتقوى دور البلدين الإسلاميين الشقيقين في مواجهة أخطر المؤامرات التي تحاك ضد أمتنا وشعوبها ووجودها ومصالحها وقبل ذلك دينها وقيمها .

إذ لو كان نجح الانقلاب في تركيا لفتح أكبر المخاطر في المنطقة بل وضاعفها بشكل خطير .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العرب, تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد