في العام الماضي تعرض والدي لحادث سيارة على الطريق الزراعي الذي يربط أسيوط بمراكزها، وبالمنيا، نتج عن الحادث كسر مُضاعف في عظام الكتف، وكذلك في الحوض، وللأسف هذا الحادث لم يكن خطأ السائق، بل كان خطأ الحكومة المتراخية، وإدارة الطرق، التي تستهين بحياة البشر، ولا يهمها سوى الأموال التي تسرقها من مناقصات ومشروعات رصف الطرق وتحسينها، إذا كان ما يقومون به يسمى تحسينًا، لم يكتفِ المسئولون عن الطرق بعمل مطبات عشوائية، بمواصفات غير قياسية فقط، بل قاموا أيضًا بصب قاعدة خرسانية وسط المطب، ووضعوا علامة عليها لتنبيه القادمين.

هذه القواعد الخرسانية المنتشرة بطول الطريق السريع تؤدي كل يوم إلى حوادث بالجملة، وإذا سرت من المنيا حتى أسيوط، فأنت عرضه للاصطدام بأي منها؛ بسبب ضيق الطريق، أو للسقوط في ترعة الإبراهيمية، بعد قفزة بهلوانية بسياراتك من مطب مرتفع، وأنت بكامل سرعتك، أو لصدم أحد المصليين، وهو في طريقه من أو إلى المسجد، «معظم المساجد توجد بطول ترعة الإبراهيمية، على الناحية المقابلة من القرى والمراكز»، وكما يقولون «كل الطرق تؤدي إلى روما»، إذا ـ لا قدر الله ـ حدثت لك إحدى هذه المصائب، فسينتهي بك المطاف إلى وجهة واحدة فقط، لا ثاني لها، وهو مستشفى جامعة أسيوط!

مستشفى القصر العيني الجامعي في أسيوط، هو أكبر وأقدم مستشفى جامعي في صعيد مصر؛ إذ يضم أكثر من 2500 سرير، وبه 94 سرير للعناية المركزة، وبه 46 غرفة عمليات، وتجرى به حوالي 250 عملية جراحية في اليوم الواحد، ووفقًا لإحدى التقديرات القديمة قدم المستشفى الخدمة الطبية لحوالي مليون مريض عن طريق أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية، والعدد في تزايد واضح.

لا أنكر فضل المستشفى في علاج الكثير من أهل الصعيد؛ فالأرقام تتحدث عنها، ولكن تجربة العلاج أو زيارة أو دخول المستشفى فقط، هي من أسوأ التجارب التي قد تمر بها في حياتك، ومعظم أهل الصعيد من المنيا إلى قنا الذين يلجأون إليها للعلاج، قد مروا بهذه التجربة القاسية.

ستقابل في المستشفى خمسة أنواع من البشر: الآمن ورجال الشرطة والأطباء والموظفين والتمريض، نبدأ برجال الآمن الذين يقفون على بعد أمتار من البوابة، ويقسمون أنفسهم مجموعتين؛ حتى لا يفلت منهم المارة، يأخذون 10 جنيهات من الزائرين، ويفتشون عن تذاكر العائدين، وهم يؤدون عملهم على أكمل وجه، فيما عدا إجبارهم للمطحونين من الناس بدفع أكثر من تذكرة، وهو ما لا يطيقه البعض، فيضطرون إلى الجلوس على الباب؛ حتى تحين لهم الفرصة، ويدخلوا خفية؛ ليطمئنوا على ذويهم الممددين في الداخل.

وهناك رجال الآمن على الأقسام؛ ووظيفة هؤلاء إخلاء الأقسام من الناس، عند مرور الأطباء العظام الكبار الأجلاء، الذين لا ينكشفون على بشر، ولا يصح أن يراهم العامة، ولا أن يختلطوا بالدهماء من البشر، ولكن إذا دفعت لرجال الأمن، فسوف تدخل القسم في حضرة الأطباء، دون أي ضرر أو مكروه، قد يصيبك بعض الدوار أو «الزغللة»؛ بعد رؤية الأستاذ الدكتور الفلاني أو العلاني، ولكنها تذهب سريعًا فلا تقلق!

كما ذكرت، مهمة رجال الأمن قطع التذاكر، وإخلاء الدور، مهمة رجال الشرطة هي إخلاء المستشفى بالكامل من الزوار، إذا مر أحد القادة أو المديرين الكبار، ولم يعجبه الوضع، فقط بإشارة منه تنهال الشرطة بالضرب والسباب وملاحقة الأوباش إلى الخارج، ومن يتجرأ منهم على الاعتراض يؤخذ إلى قسم الشرطة الموجود بداخل المستشفى، ويقوموا معه بالواجب على مرأى ومسمع من أهله.

نأتي للأطباء، الأساتذة الكبار، وهم جنس فوق البشر؛ لا يتحدثون مع المرضى، ولا يراهم الزائرون، ولا يخطر ببالك أن تشاهدهم، ولو خلسة، أما الأطباء النواب، فهم يتساوون مع الأساتذة في الهيبة، وقلة الكلام، وعدم الرد، وعدم الالتفات إلى أي شخص، ولكنهم مع الأسف يبيتون في الطابق نفسه، وفي الأقسام، لذلك يمرون على المرضى من حين لآخر، ولكن مع حفظ القاعدة الأهم للأطباء، وهي: التعامل مع المرضى على أنهم حالات، فلا يردون على استفساراتهم، ولا يعيرونهم أدنى انتباه، ولقد شاهدت بعيني كيف يتجاهلون استفسارات المرضى، وكيف يشيحون بوجوههم عني، وكأنني لم أستحم منذ أسابيع!

أما الموظفون، فهم خلاصة البيروقراطية العفنة، يطبقون أمر الورق بكل حذافيره، يكفيك أن تعرف أنني كنت، وعلى مدار أسبوع كامل ألف وأدور من الصباح، وحتى قبيل المغرب؛ لكي أنهي أوراق التأمين الخاصة بأبي، ومع ذلك لم تنتهِ على النحو المطلوب، وشككوا في صحة أوراق التأمين، ودفعنا تكلفة العملية بالكامل، ناهيك عن الوقت والمجهود الذي تشاركت أنا وأخي وبن عمي وزوج أختي وزوج عمتي وبقية العائلة فيه لاستخراج هذا الورق!

أما التمريض، فهم على عكس ذلك؛ رأيت فيهم العطف والمعاملة الحسنة وتطييب خاطر المرضى، والتعامل معهم بالحسنى، حتى ولو أساءوا لهم، ولديهم سرعة استجابة وأخلاقهم تختلف عن الفكرة السائدة عن التمريض في المستشفيات في مصر.

ختامًا، أحب أن أقول «إن أهل الصعيد هم فخر مصر، وهم رجالها الأشداء، الذين تعتمد عليهم في شتى الصعاب والأزمات»، فنظرة إلى أهل الصعيد، لن تضر الحكومة في شيء، مع العلم أن ما يطلبونه ليس بالشيء الكثير، ومع أن أغلبهم يعيشون على الكفاف، لكن شكواهم قليلة، وأصواتهم غير مسموعة، مثلهم مثل الصديق الوفي الذي تنسى ذكره في فرحك، وتجده أول الحاضرين حين تشتد عليك مصائب الزمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد