منذُ أنْ وجِد الإنسانُ على الأرض، أحسّ نفسه قد دخل في رحلةِ البحث اللا محدودة عن خفايا المحيط وتكويناته وماهية الوجود وحركة الزمن وثنائية التضاد بين الموت والحياة، معتمدًا على عقله وآليته بالملاحظة والقياس والمقارنة والنقد والاستكشاف والاستنتاج، ضمن مجال المنطق الذي لا تختلف به عقول البشرية جميعها، وعلى عواطفه بالتحسّس والتفاعل والاستجمال والاستبشاع ضمن مجال الحس، الذي يكاد يكون واحدًا عند جميع البشر لولا عوارض النفس الناشئة بفعل تأثيرات المحيط، وهو في كلّ ذلك  «أي الإنسان» يحاولُ تفسير ماهية الخلق ومغزى وجوده فضلًا عن موجدِه، لذلك هو دائمًا بحاجة إلى بُعدٍ ثالثٍ غير العقل والعاطفة ألا وهو البُعد الناموسي الذي لا غنى للإنسان عنه، ليدفع عنه إحساس العجز أمام بحر المعرفة اللا محدود، فضلًا عن تخفيف الضغط عن الذات المتعطشة للمعرفة، التي فطرت على لزوم التجربة والاكتشاف، لذلك عندما ذكرت كلّ الكتب السماوية قصة خلق آدم وإدخاله الجنة بأمر من الله وأنْ يتبوأ منها حيث يشاء وكيفما شاء ما عدا شجرة واحدة، جاء الأمر بالتحذير والنذير من أكلِ ثمارها، ما كان من آدم إلّا أن أكل منها واقتحَم ومزّقَ ستائر هذا اللغز المُحاط بأشدّ عبارات التحذير من الله تعالى صاحبِ العلم المسبق، ومن ثم جاء أمرُ الله ببدء رحلة الإنسان في الأرض حاملًا معه ذاتية أبيه الأول الباحثة عن الحقائق وحل الخفايا دون شرط أو قيد، ولو أنّ الله ألزم الإنسان طريقةً واحدة يمشي بها مسلّمًا للبُعد الناموسي دون إعمال العقل، لما كانت هناك حاجة لإرسال الرسل الذين يأتون بتشريعات تخاطب العقل والعاطفة بالأسلوب البرهاني والتفسيري في كل فترة يختلف الناس فيها حولَ القضية الأولى: قضية الموجِد وماهية الوجود.

إن هذه المقدمة جاءت للتدليل على أسباب المشكلة المتعلقة بالإلحاد، وأسباب انتشاره وخصوصًا في المجتمع المسلم. وهذا ما يبينه ويساعد في إظهاره العالم الافتراضي المعروف بمواقع التواصل الاجتماعي، بما لهُ من ميزةٍ  تمنح الفرد الاستقلالية التامة عن سلطة المجتمع والسياسة وخصوصًا أنه بإمكان أي فرد التخفي باسم مستعار لإيصال فكره لمن يشاء.

وبالعودة إلى الإلحاد، فهو ليس أمرًا طارئًا، بل هو مرافق لوجود الإنسان وحركة تفكيره الحر، في محاولة تفسير ماهية الكون وذلك عندما يُراد له التسليم المطلق للناموس دون تفسير منطقي، وهذا ما أتى بخلافهِ الرسل، فهم أتوا بالتفسير الشافي مخاطبين العقل بلغة الإقناع من خلال الأمثال والبراهين وطرح المقدمات ونتائجها. ولا يخفى على أحد ماورد في القرآن الكريم من حوار بين الدهريين والنبي في أكثر من موضع مصوغة بلغة الخطاب العقلي والحثّ على البحث الذاتي والاستنتاج، لكنّ المشكلة تبدأُ بموتِ الأنبياء وتحويل شرعهم الإصلاحي إلى سلطة سياسية من قبل الأتباع بعد تقادم الزمن، فتقوم السلطة الثيوقراطية بتجميد النصوص على فهمها الأول ونقلها كما هي من جيل إلى جيل دون مراعاة تغيرات الزمن ومزاج الأجيال والأغوار المكتشفة التي هي بحاجة أصلًا إلى موافقةِ النص الدينيّ لها من خلال مرونةِ تفسيره واستيعابه لكل زمان ومكان باعتباره وحيًا إلهيًا، من مقتضى كماليته الديمومةُ الموافقة لكل جديد وطارئ، لكن حينما تصرّ السلطة الدينية على تفسير الجديد بفهم قديم يحدثُ التعارضُ والشرخُ بين المنطقِ المدرَك والناموس الغيبي، عندها تزدادُ حركةُ الإلحاد سواءً نتيجةَ بحثٍ ناقصٍ من قبلِ الملحدِ أو ردّةِ فعلٍ عاطفية توهم العقلَ بصحّة نظريّته.

ولقد ورد عن الإمام أبي حنيفة الفقيه قصة عن مناظرة بينه وبين الملحدين، استخدم فيها المحاججة العقلية ثم عرّج على التدليل بالنصوص، مفسرًا ومبرهنًا بأسلوبٍ يوافق المتغيرات التي طرأت بعد عصر النبوة، وغير أبو حنيفة تلك الفرق الإسلامية التي جددت من آلية التعاطي مع النص الديني، كالمعتزلة الذين ساهموا إلى حد كبير في مواجهة الخطاب الإلحادي وردِّ شبهاته بالمنطقِ، بينما في الجانب الآخر ظلت جماعة النقلِ المتزمّت خارج إطار المناظرةِ المساهِمة في تفنيد الخطاب الإلحادي، وعلى العكس من ذلك أصبحت سببًا في انتشار الإلحاد؛ بسبب طرح نفسها كمنهاج وحيد للدين بخطاب ثابت يرفض المرونة والتجديد، ولهذا عندَ تملّكها للسلطة السياسية تلجأ مباشرة لاستخدام القوة أثناء مواجهتها للملاحدةِ دونَ مبالاةٍ  بما يحدثُ من انفجار ناسفٍ للدين كليًا حالما زالت سلطتها السياسية، وليس الأمر مختصًا بالإسلام فحسب، بل حتى في المسيحية، فمثلًا جاء عصر النهضة والثورة العلمية في أوروبا متزامنًا معَ انهيار السلطة الكنسيّـة المتزمتة ممّا شكـّـلَ فهمًا عامًّا بأنّ التحرر من الدين هو سبب تلك النهضة العلمية، وكذلكَ تسرّب هذا الفهم إلى العالم الإسلامي، فبدأ يتطلّعُ إلى الاحتذاء بالتجربة الأوروبية من خلالِ التمرّد الفكري على الدينِ، فوِضعَ الإسلام في موقفِ المتّهم وأمسى ضحيةَ مَن أرادوه أنْ يبقى حبيسَ الفهم الأوّل.

إنّ حركةَ الإلحاد والتمرّدِ في المجتمعِ الإسلامي ستبقى مستمرّةً طالما أنّ السلطة السياسية تشرعن الدينَ بمسارينِ: نقليٍّ جامدٍ وصوفيٍّ غالٍ في التسكّعِ في الغيبيّاتِ والهواجسِ الروحيّةِ، وبينهما تضيعُ بوصلةُ الدينِ المتعقّل لمتغيّراتِ الزمنِ ضمنَ إطارِ المنطقِ الموافقِ لأصلِ النصوصِ الدينية بفهمٍ متجدّدٍ حملَ رايتهُ منظّرون كُثُر أغلبهم نهلوا من مدرسة التيار الإصلاحي، ولقدْ أثبتتْ آثار الربيع العربي ضرورة الرجوع إلى نظريّاتهم بعينٍ فاحصةٍ وناقدةٍ والعمل على تطويرها وصبّ عصارتها في قنوات السياسية والثقافة والاقتصاد لمواجهةِ ظاهرةِ الإلحاد، لأنّ مبدأ الإلحاد يقوم على محاكمة النص الديني محاكمة عقلية تطلبُ منه أنْ يمنطق لها مسيرةَ حياةِ الإنسانِ ومؤسساتهِ الدنيوية ضمن مفهوم الدولة بكل أجهزتها كما تطلب منه أنْ يطمئنُ بالمنطقِ قلقها في التفكير في رحلةِ ما بعدَ الموتِ، وذلكَ يبقى مشروطًا بتجديد الخطابِ الديني بأسلوبٍ يعالجُ الخوفَ المرضي الذي تـُسيّجُ بهِ النصوص والتوضيحِ بأنّ حرمةَ النص تكمن في تقييده وتوقيفه في زمنٍ معيّن وليسَ بالغوصِ في بحارِ تفسيره اللا محدودة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد