بدأت حركة كفاية التي رفعت سقف حرية انتقاد مبارك في مصر قبل ثورة 2011 بأربع سنوات وطالبت بعدم التجديد أو التوريث، لكن رمزية حركة كفاية عند نشأتها كانت في ضمها لقادة من مختلف التوجهات السياسية من اليمين إلى اليسار، رغم عدم خفاء دور مفكرين وقياديين من اليسار في تأسيسها وإدارتها، ولكن الدور الأكبر الذي لعبته الحركة كان كسر حالة اليأس والرضى بحكم مستبد وإنكار حقوق أساسية على المواطنين وساهمت الحركة في التعبير عن وعي جمعي تشكل لدى الشعب المصري بضرورة إنهاء حكم مبارك.

في تونس مهد الربيع العربي كانت المعادلة مختلفة فقد أسهمت أحداث كثيرة في تشكيل وعي جمعي بإنهاء حقبة بن علي، لكن إحراق البوعزيزي لنفسه كانت شرارة إشعال الثورة التي تلقفها الاتحاد التونسي للشغل، وحولها إلى عمل منظم لم يحتج الكثير من الوقت لتحويل الوعي الجمعي إلى فعل ثوري جماعي.

وفي الحالتين المصرية والتونسية تلقف العسكر الفرصة وتخلصوا من الرئيس، لكنهم حافظوا على مكتسباتهم وعلى هيكل النظام السياسي وأركانه.

ولسنا بصدد تتبع الأحداث في الثورتين اللتين شكلتا نواة الربيع العربي، لكننا بصدد التركيز على نقطة أساسية، وهي تشكل الوعي الجمعي المعارض والمؤمن بضرورة «إسقاط النظام».

تونس تخوض حتى الآن مخاضًا عسيرًا لنظام جديد لا زالت فيه معالم تعددية سياسية وديمقراطية ناشئة يتم التلاعب بعدد من محركاتها بأموال ووسائل إعلام لدول لا تخفى على التونسيين وستستغرق عقودًا حتى تنضج.

لكن في مصر وئدت محاولة تغيير النظام في خطواتها الأولى وتحولت إلى حرب ضد الإخوان بعد انتخاب مرسي وتحول الحكم في مصر إلى امتداد لحكم مبارك بأسماء جديدة وأدوات جديدة أوصلت عددًا كبيرًا من المصريين إلى شك في مدى جدوى الثورة من جديد، بمعنى أنه قد يكون هناك بداية تشكل وعي لضرورة رحيل السيسي وإن كان ليس وعيًا جمعيًا بعد، ولكن لا يوجد أي مؤشرات على تشكل أي وعي حول ماهية نظام جديد أو أدواته.

وهو ذاته أحد أهم أسباب فشل ثورة 25 يناير التي قامت لتسقط نظامًا، لكنها أسقطت رأسه دون بناء نظام جديد أو تحديد هويته، وهو ذاته ما قد يصل إليه وعي جمعي يتشكل ضد السيسي وإن طالت فترة بنائه.

لكن السؤال الأهم يبقى ما هو التغيير الذي قد يحدث في مصر في المدى المنظور، أجابت السفيرة الأمريكية في القاهرة عن هذا السؤال بقولها إن العسكر هم من أزالوا مبارك، وهم من يمكنهم إزالة السيسي، لكن إزالة رأس النظام لا تغير النظام، بل إن تغول العسكر على مختلف قطاعات الاقتصاد المصري في عهد السيسي هي أضعاف حصة العسكر من الاقتصاد في عهد مبارك، وهو ما يجعل تغيير النظام في مصر أقرب للمستحيل، فأبسط قواعد المواجهة مع صاحب سلطة هو أن تملك ما تواجهه به، وفي مصر لا يملك الشعب ما يواجه به الجيش الذي لا يملك السلاح والتاريخ فقط، بل يتحكم في الخبز أيضًا، لذلك فإن ادوات الربيع العربي الجديد لن تكون عبر فقدان الشعب المصري ثقته بالعسكر، بل إن الشعب الجائع الأعزل سيكتفي بالأمل بأن يقدم الجيش وجهًا جديدًا يفلح في تقديم الخبز، وقليل من الحرية لشعب لم يعد يطلب الكثير.

ولذلك فإن جل ما يمكن أن يحلم به المصريون هو أن ينعكس طموحهم لنظام سياسي يتيح مساحة من التعددية وشيئًا من الحرية على غرار التجربة التونسية من خلال حث عقلية إدارة البلاد من خلال الميادين من وقت لآخر أو من خلال إقناع العسكر بضرورة تقارب التصور المطلوب شعبيًا لنظام الحكم وأوجه الإنفاق وتصور الجيش لهامش مكتسباته ومدى الفجوة بين ما يحصل عليه الجيش بوصفه نخبة ريعية بالمقارنة مع ما يحصل عليه العامة بوصفهم دافعي ضرائب.

لأن متتبع الحراك الأخير في مصر يدرك بأن تركيز بعض فيديوهات المحفزين على التمرد ضد السيسي كان على الفجوة الضخمة بين مكتسبات الجيش وما ينفق أو يمتنع النظام السياسي عن إنفاقه على ما يعتبره العامة أولويات، وبمجرد إثبات الجيش سواء بتغيير في السياسات تحت قيادة السيسي او من بعده بشكل يشعر به الشعب بأن المال العام ينفق في أوجه أكثر خدمة لغالبيتهم مع وجود مساحة من الحرية للتنفس حتى وإن احتفظ العسكر بهامش الميزات، فإن النظام المصري القائم سيستمر لعقود على الأقل مع تغييرات طفيفة.

لكن خلال هذه العقود يبرز سؤال هام هو هل ستخرج حركة من المفكرين والقياديين السياسيين لتقود حركة على غرار كفاية لتقول لا لاستمرار دور الجيش وقادته في الحياة العامة بما يشابه ما حصل في دول آسيوية وأفريقية سيطر الجيش فيها على مصير الدولة لعقود، هؤلاء المفكرون الذين قد يكون بعضهم على مقاعد الدراسة اليوم هو ما يمكن أن يحدد مستقبل مصر والتي بدورها قد تقود ربيعًا عربيًا جديدًا يتجاوز التظاهر من أجل إسقاط أشخاص لاستبداله بآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد