يقول ابن خلدون: “أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس”. ويقول أيضا: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها, فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة, ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم”.

هكذا كان حال المسلمين الأوائل في الأندلس؛ تأرجح موقفهم بين القوة والضعف وفقًا لمقدار تمسكهم بالصفات والخلال الحميدة, وكانت الدولة الأموية بالأندلس قوية ما دامت متمسكة بتلك القيم, وحينما تخاذلت عنها؛ فقدت ملكها بالتدريج وأفل نجمها ليخرج من رحمها عصر جديد هو عصر ملوك الطوائف.

وغلب على ملوك الطوائف حب الدنيا والسعي للمصالح الذاتية وإشباع الغرائز, فضلا عن حياة اللهو والترف.

ولعل أبرز أسبابها هو الضعف الذي بدأ يطرأ على الوازع الديني لملوك الطوائف والذي أوجزه ابن حزم في كلماته الرائعة:

“اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم, وبعمارة قصور يتركونها عما قريب, عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم, وبجمع أموال ربما كانت سببًا في انقراض أعمارهم, وعونًا لأعدائنا عليهم عن حاجة ملتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة, وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك…”.

وانشغل أهل الأندلس وملوك الطوائف بشرب الخمر وارتكاب المعاصي وسماع العيدان, وبدلًا من المنافسة في مجالات مفيدة تنافسوا في شراء الذخائر الملكية.

وفى ذلك يذكر ابن الكرديوس:

“مشغلون بشرب الخمر, واقتناء القيان, وركوب المعاصي, وسماع العيدان, وكل واحد منهم يتنافس في شراء الذخائر الملكية”.

إلى جانب ذلك أصيب حكام الطوائف بالضعف المعنوي “الهزيمة النفسية”؛ فهذا هو المعتصم صاحب ألمرية أقام مجلسًا للهو والخمر ليخفف من حزنه على وفاة إحدى حظاياه, هكذا كانت قمة المهزلة؛ ملك من أشهر ملوك المسلمين في الأندلس! يخفف حزنه على وفاة والده بشرب الخمر وما يصاحبه من فواحش أخرى ترتب عليها فبدلا من بذل الخير لوالده والدعاء له نراه ينغمس في ملذات الحياة وينسى أو يتناسى أنه به لحق.

ولعب التكاثر المادي دورًا كبيرًا في التعجيل بزوال دولة الإسلام في الأندلس, فالكثير من ملوك الطوائف كانوا لا يتورعون عن أي وسيلة يرون أنها تزيد من كسبهم أو تعينهم على تحقيق مصالحهم الشخصية.

قام المعتضد بن عباد “صاحب إشبيلية” بعد أن تولى الحكم بعد أبيه بتصفية رجال الدولة؛ لينفرد بالحكم ويستبد بالأمر “فمنهم من أماته صبرًا – ومنهم من نفاه خارج البلاد – ومنهم من أماته خمولًا وفقرًا إلى أن تم له ما أراد من الاستبداد بالأمر”.

واستولى على أموال الناس بالباطل، ونال بطشه وطمعه الجميع بما فيهم العميان! فيروى أنه استولى على أموال رجل أعمى, وحينما علم أن الأعمى يدعو عليه؛ غضب من ذلك وأرسل إليه من يقتله.

وقتل كذلك رجلًا من المؤذنين من أهل إشبيلية – كان يكثر من الدعاء عليه – فتعقبه ولكن المؤذن فر منه إلى طليطلة, فأرسل إليه من يقتله. إلى هذا الحد من الغرور والتعجرف وصل الحال بهذا الملك! فهو يخاف من دعاء الأعمى ويخاف من دعاء البصير على الرغم من قلة حيلتهم وعدم امتلاكهم شيئًا سوى التضرع إلى الله بالدعاء.

ويروى أن حاكم الثغر الأعلى بالأندلس “المقتدر بالله”أجبر رعيته على دفع المال له، فلما اعترض عليه أحد الصالحين قتله.

وأدت كثرة الظلم في جمع الأموال من الرعية وتحصيلها بأي وسيلة ممكنة إلى قول أحد المعاصرين:

“إنه ليس في الأندلس في ذلك الوقت درهم حلال ولا دينار طيب يمكن القطع بأنه حلال عدا ما يستخرج من وادي لاردة من ذهب”.

وكان طبيعيًا مع التصارع في جمع الأموال دون وجه حق, ومعاقبة كل من يجرؤ على معارضة الحاكم أو الدعاء عليه, كان من الطبيعي أن تكون سمة هذا العصر التنازع بين ملوك الطوائف مع بعضهم البعض, وذلك للأسف في الوقت الذي كانوا فيه بحاجة شديدة إلى الوحدة, ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك! بل لجأ بعضهم إلى التنازل عن جزء معين من أرضه مقابل مال معين يحصلون عليه, فقد تنازل حاكم مدينة (شليطش) عن مدينة للمعتضد بن عباد نظير مبلغ من المال.

هكذا كان حال ملوك الطوائف؛ فالراضي منهم كان يضمر التوسع, والساخط ينوي الثأر والانتقام, وقد كان الواحد منهم حينما يحشد الحشود لمحاربة أحد جيرانه من ملوك الطوائف يبالغ في ذلك؛ حتى أن كل واحد من ملوك الطوائف حينما يسمع بتلك الحشود يتوقع أنه توجه نحوه ويظن أنه لا يريد سواه.

والداء العضال لهذا العصر هو الترف والإسراف, يا ليت ملوك الطوائف أنفقوا الأموال التي أخذوها في أشياء مفيدة تنقذ الأمة من محنتها؟ ولكن كيف ذلك فمن يأخذ الأموال بدون وجه حق لابد أن يصرفها في غير وجه الحق وهذا ما حدث, فمن أباح لنفسه أخذ المال بوجه الباطل كيف له أن ينفقها في الحق أو يفكر في وجه من وجوه الخير؟

فيذكر أن زوجة “المعتمد بن عباد” صاحب إشبيلية رأت ذات يوم نساء يلعبن في الطين, وهن رافعات عن سوقهن فقالت له: “أشتهي أنا أفعل أنا وجواري مثل هذه النسوة”.

فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد وجعل منهم طينًا في القصر وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين.

ويذكر أنه حينما يتشاجران تقول له: “ما رأيت منك خيرًا قط” وكان يقول لها: “ولا يوم الطين؟” تذكيرًا لها بهذا اليوم الذي أنفق فيه من الأموال ما لا يعلمه إلا الله.

ومن أجل صور الضعف في القيم الأخلاقية الخلاعة والمجون, واتضح ذلك الأمر في التعلق بالجواري والشغف بهن وما صاحب ذلك من خلاعة ومجون, والاسترسال في هذا الأمر دون مبالاة بتعاليم الدين, ويذكر ابن حيان: “أن قرطبة – عاصمة المسلمين – كانت مرتعًا خصبًا لمزاولة تلك الراذائل”.

وكان ملوك الطوائف إذا احتاجوا شيئًا من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة للبحث والتنقيب عن الأوصاف التى يريدونها من الجواري.

وليس أدل على ذلك من أنه ورد على “أبي الوليد بن جهور” بقرطبة في يوم واحد: كتاب من “ابن صمادج” صاحب ألمرية يطلب فيه جارية بصفات محددة، وكتاب من ابن عباد يطلب فيه جارية رائعة الجمال.

ويقول ابن حيان: “أما هذيل بن خلف بن رزين – صاحب شنتمريه – فقد كان من أرفع ملوك الطوائف همة في اقتناء القنيات حيث اشترى جارية بثلاثة آلاف دينار”.

وكان طبيعيًا أن يرتبط بظاهرة حب القنيات شرب الخمر وانتشاره بين الناس عامتهم وخاصتهم, حيث يذكر ابن حزم: “أن بيع الخمر في بلاد المسلمين – آنذاك – أصبح أمرًا مباحًا”.

ومع شرب الخمر والإعجاب بالقنيات والجواري؛ كان لابد أن تقل النخوة وتنعدم الغيرة أو بالأحرى تنعدم الرجولة, يقول ابن حزم: “رأيت بين الحاضرين أمرًا أنكرته, وغمزًا استبشعته, وخلوات الحين بعد الحين, وصاحب المجلس كالغائب أو النائم, فنبهته بالتعريض فلم ينتبه, وحركته بالتصريح فلم يتحرك, فجعلت أكرر عليه بيتين لعله يفطن وهما هذان:

إن إخوانه المقيمين بالأمن                أتوا للزنا لا للغناء

قطعوا أمرهم وأنت حمار                 موقر في بلادة وغباء

وبدلًا من أن تتحرك النخوة في صاحب المنزل, أنكر على ابن حزم ذلك القول فترك ابن حزم المجلس متحسرًا على ما وصل إليه حال المسلمين بالأندلس.

وهكذا أصبحت الفرصة سانحة لهزيمة المسلمين بالأندلس وطردهم خارجها, فالكاتب الجزائري “مالك بن نبي” كان بارعًا حينما أسس لنظرية “القابلية للاستعمار”, التي يرى فيها أن الاستعمار لابد وأن يكون له تربة مهيأة وممهدة في الداخل حتى يستطيع أن يرمي بذوره فيها بنجاح, وهذا ما حدث بالأندلس وظهر تفسيره جليًا في أقاويل الطرف الآخر الذي كان يتربص بالمسلمين بالأندلس ويتحين الفرصة المناسبة لدحرهم وطردهم منها.

فهذا ألفونسو السادس – ملك قشتالة – يقول لرسول “المعتمد بن عباد” حينما قدم إليه: “كيف أترك أقوامًا مجانين تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وكل واحد منهم لا يسلّ في الذب عن نفسه سيفًا ولا يرفع عن رعيته ضيمًا, وقد أظهروا الفسوق والعصيان واعتكفوا على المغاني والعيدان, وكيف يحل لبشر أن يقر منهم على رعيته أحدًا وأن يدعها في أيديهم سدى”.

وخلاصة الأمر ما قاله أحد قادة النصارى بعد إحدى المعارك التي خاضها مع المسلمين:

“كنا نظن أن الدين والشجاعة والحق عند أهل قرطبة, فإذا القوم لا دين لهم, ولا شجاعة فيهم, ولا عقول معهم”.

لقد قامت دولة الإسلام في الأندلس على أساس الدين والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد، والبعد عن العادات الذميمة وشرب الخمر والإعجاب بالجواري, وما أن تسللت هذه الجرثومة في جسد دولة الإسلام بالأندلس حتى عم الضعف في الدولة, وأخذت هذه الجرثومة تتمكن من الجسد حتى غلبته, فكان ذلك إيذانًا بأفول دولة الإسلام بالأندلس.

وخير قول أتذكره هنا للإمام الغزالي: “إن الأمم قد تصاب بمرض فقدان المناعة الأخلاقية كما تصاب الأجسام بمرض فقدان المناعة الصحية”.

فالجسم حين يصاب بفقدان المناعة الصحية يكون عرضة للأمراض التي تتمكن منه, وتؤدي بالضرورة إلى ضعفه تمهيدًا لوفاته, وكذالك حال الأمم فنقص المناعة عندها ليست صحية كالأجسام ولكنها نقص مناعة الأخلاق التي إذا فقدت ضاع معها كل شيء.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد