بدا واضحًا على جميع المراقبين للحراك الشعبي الذي يشهده العراق، منذ الأول من أكتوبر (تشرين الثاني) الانحسار التدريجي بعد ظهور أزمة وباء كورونا، والتي اجتاحت العالم وفتكت بالعراق لمجاورته إيران، والتي تشهد حدوده معها تسيبًا أمنيًّا وصحيًّا واضحًا، بدءًا من زرباطية، إلى الشلامجة، فالمنذرية، أما حدود بنجوين وجمجمال فكانت إجراءات الإغلاق متأخرةً بعض الشيء، إلا أنها مبكرة مقارنةً بباقي المنافذ. هذا بغض النظر عن الحدود غير الرسمية التي تستخدمها فصائل مسلحة عراقية موالية لطهران بحسب تقارير.

دفع هذا التسيب إلى أن يكون العراق بؤرة للوباء، وكنسبة وتناسب؛ فهو من أكثر من الدول التي تشهد حالات وفاة بسبب كورونا، هذا ما صرحت به مفوضية حقوق الإنسان على لسان أحد أعضائها الذي قال إن «نسبة الوفيات في العراق هي الأعلى عالميًّا، وبنسبة 10% من الإصابات»، فنسبة الإصابات تعدت الـ200 حالة وهنالك من يعتقد أن نسب الإصابات والوفيات أكثر بكثير مما تصرح به وزارة الصحة العراقية، ويرى البعض أن هذه النسب المرتفعة تعود لتردي الواقع الصحي الذي يشهده العراق منذ 2003 وحتى اليوم، وإهمال الحدود مع دولة تفشى فيها الوباء ودخلت مرحلة حرجة إلى درجة تسلله واستهدافه للعديد من قادتها وشخصيات محسوبة على صناع القرار!

هذه المعطيات الصحية أثّرت وبشكل واضح في واقع الاحتجاج في العراق، وخلقت نوعًا من الانقسام الخفي أو الخجول بين الناشطين، في البداية بين من يطالب المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم بصورة صريحة، وبين من يخشى أن تكون عودة المتظاهرين إلى منازلهم قاتلةً لأحلام وآمال الاحتجاجات فهي – من وجهة نظرهم – الفرصة الوحيدة للبقاء وتحقيق مطالب الشعب. لكن البعض اختار أن يكون بين الطرفين ويمسك العصا من المنتصف فينشر هاشتاغ #خليك_بالبيت ويستمر في الوقت نفسه بنقل أخبار الاحتجاجات وتشجيعها تاركًا القرار للساحات، فالكلمة الأولى والأخيرة تبقى لجماهير الساحات التي حددت البقاء مع تقليل زخمها وتوزعها في خيم متفرقة لا تحتشد بأعداد كبيرة كإجراء احترازي في ظل تفشي الوباء. جديرٌ بالذكر أن الطلبة، أو كما يُطلق عليهم «عصب الثورة» قرروا التوقف المؤقت عن الاستمرار بالمسيرة الطلابية الأسبوعية، والتي تشهدها ساحة التحرير وساحات المحافظات الأخرى أمواجًا طلابية ضخمة في كل يوم أحد.

لكن المشكلة أن هذا الانقسام يتزامن مع انقسام لم يطفُ على السطح بشكل علني حتى الآن، انقسام يتعلق بتكليف رئيس الجمهورية «عدنان الزرفي» لتولي حقيبة رئاسة الوزراء، ويمكن القول إنه انقسام غير مأزوم، والسبب يعود إلى محاولة الناشطين احتواء بعضهم بعضًا، إضافةً إلى السبب الرئيس وهو انشغال الرأي العام بتفشي وباء كورونا، قد نرى هذا الانقسام لاحقًا يتبلور بين طرفين: يمكن تفسيرهما كطرف مبادئي «محافظ» وطرف «براغماتي»، أما الطرف الأول فهو ملتزم بالمبادئ والمعايير التي حددها المتظاهرون في تحديد شخصية الوزراء والتي تنص على أن يكون غير جدلي، وهذا الطرف يرى بأن «الزرفي» شخصية جدلية كونه ابن السلطة، فهو محافظ سابق للنجف وأيضًا نائب في مجلس النواب العراقي، ورئيس كتلة النصر النيابية. أما الطرف الثاني – براغماتي – يريد أنه يحصد ثمرة الاحتجاجات بأسرع وقت، متأملًا أن يقضي «الزرفي» على سطوة الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، والتي يعدها مراقبون المعضلة الأكبر التي تواجهها الاحتجاجات، وتاريخ «الزرفي» يشهد لهذا الطرف عداءه لهذه الفصائل منذ أن كان محافظًا للنجف، كما أنه وبكل الأحوال رئيس حكومة انتقالية مرحلية، وليست دائمة، ما إن تم قبول تكليفه من الأساس!

هذا الانقسام يمكن ملاحظته بين الناشطين، بين من ينقل التجمعات التي حدثت في ساحات التظاهرات، في مختلف المحافظات، والتي رفضها للزرفي، وبين من خفّض مستوى نقده ورفضه للزرفي مقارنة بمستوى الرفض الكبير والصوت العالي الذي واجهه «محمد توفيق علاوي»، وحاول البعض من هذا الطرف – البراغماتي – أن ينقل تصريحات «الزرفي» حول رفضه هيمنة الفصائل المسلحة على الدولة ومفاصلها مقتبسًا من لقاءاته الإعلامية في محاولة لإقناع غير مباشر للرأي العام.

ختامًا فنحن أمام سيناريوهات عديدة تحدد المرحلة المقبلة للاحتجاجات في العراق، في حال لو وافق البرلمان العراقي على تصريح «الزرفي»:

أولها: أن يتعمق الخلاف بين الناشطين المؤثرين على مسار الاحتجاج الموجودين في الساحات، أو على منصات التواصل الاجتماعي – ولا يمكن الاستهانة بآراء أحد فالإعلام الرقمي والسوشال ميديا ​​هما لاعبان أساسيان في الاحتجاجات التي تشهدها المنطقة – وهذا قد يؤثر في مسارها، ويجعل من احتمالية استمرارها موضع شك!

ثانيًا: أن نرى احتواء الناشطين لبعضهم وترك الخيار لمن هم في الساحات وبالتالي استمرار للمظاهرات إلى حين أن يرى المتظاهرون أداء «الزرفي» وبالتالي هم من يقرر استمرارها من عدمها.

ثالثًا: قد نرى تراجعًا للمتظاهرين وتوقفًا لعدة شهور إن تم تمرير «الزرفي» أم لم يتم؛ فنتائج وباء كورونا لا تبشر بخير ومستقبل العراق في ظل استمرار الإهمال الحكومي على كف عفريت. وهذا هو السيناريو الأرجح من وجهة نظري.

أقول قد تتأجل وتتوقف لا أن تنتهي، فما حدث في العراق منذ مطلع أكتوبر حتى اليوم لن ينتهي بسهولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد