لا يختلف اثنان على أن الكتابة عمل إبداعي مضن، وله مآس يمر بها الكاتب، ويعاني منها منذ أن تختمر الفكرة في عقل الكاتب، وحتى تتمخض وتخرج هذه الفكرة على شكل كتابة، ولذلك فالمفكر الحقيقي عندما يكتب لا يهتم بالكم، بل بالكيف، لتجد أن أعماله مؤلفاته وكتاباته يقبل عليها النخبة من الأدباء والمثقفين، وهذا على جماله بالمجمل والمضمون، ولكن المعضلة في من يقرأون، حيث إنها لا تصل بذاك المقدار لدى الجمهور

شريعتي وقطب

فإذا أخذنا مثالًا بين اثنين من المفكرين كشريعتي وقطب، نجد أن شريعتي وصلت أفكاره إلى قاعدة كبيرة من الجمهور في حينها؛ لأنه كان يوصلها عن طريق محاضراته مباشرة إلى طبقة الطلاب، وهم جيل الشباب والمعنيين الأساسيين، ومن بيدهم تغيير الأمور، وهم من تقع على عاتقهم مسؤولية تحديد المصير، والأخذ بيد المجتمع إلى مستقبله الجديد، وعلى الجانب الآخر قطب، كانت أحاديثه ولقاءاته محصورة في الجانب النخبوي، وفي أعداد قليلة وتجمعات ضئيلة من بعض رموز الأحزاب وقليل من الأدباء وبعض المثقفين والدعاة.

من هنا نكتشف لم لم تنتشر أفكار قطب على نطاق أوسع، وانحصرت لدى المثقفين والدعاة حينًا من الدهر، والذين مهما حاولوا أن يوصلوا الفكرة التي استقوها من قراءاتهم له، لن يستطيعوا يوصلوها إلى رجل الشارع المعني وغير المكتفي من المعرفة والاطلاع، إن كان في أمور دينه أو دنياه من منظور مختلف عن نظرة السلطة المتغلبة، والتي تفرض عليه طوق ثقافي بأدوات تواصلها إن كانت مقروءة أو مشاهدة ومسموعة من جانب أحادي، والتي تضعه في قالب وكأنه طفلها التي تخاف عليه، وتريد أن تربيه تربيتها، وأن يقتفي أثرها، وأن لا يخرج عن أُطرها، وكأنها تعيش مع هذا الطفل في غربة هي من فرضتها عليه، فتقول له: لا تستمع، أو تتبع الغير؛ فإنهم ليسوا على ديننا الحنيف، ويختلفون عن عاداتنا ومنهجنا القويم، وإن – يا بني – قرأت أو استمعت وشاهدت شيئًا من هذا القبيل، فهو لا ينبع من ديننا، ولا يمت أبدًا لثقافتنا ويهدم ثوابتنا، ولا يستنهض كما صُور لك يا صغيري هممنا، بل يزيد تعاستنا ويفاقم من همومنا، والأب دائم النصح لبنه حتى لا يكتسب أي ثقافة تبتعد بمنظوره عن الدين القويم والمنهج المتين، والابن ما يطرح عليه يصدقه متوقع أن الأب يريد بذلك مصلحته

تسمع مني ليس كما تسمع عني

أعتقد هناك فرق شاسع بين أن تسمع عني  وتسمع مني، ففي حالة شريعتي سمع منه، أما في حالة قطب سمع عنه، وكأنها قصة من التراث لم يكن لها معها تفاعل كما حصل مع شريعتي، لو أخذنا مثال بخطيب يخطب أمام الملأ وعدد من الحضور يتفاعل مع الخطيب فتجد أن خطبته أثرت في نفوس وحواس الجمهور، أما عندما تقرأ له لن يصلك هذا الحس الحماسي والتفاعل الذاتي مع كلمات من ألقاها، وخاصة إن كانت مرت بفترة بعيدة، وليست بقصيرة، وانتفى أو على الأقل اضمحل السبب الذي ألقيت له تلك الخطبة العصماء.

شريعتي، ولأن محاضراته تم تسجيلها وتفريغها، والتي ساعدت التكنولوجيا بها، حيث إنها واكبت ثورة الكاسيت في حينها وبداية انتشارها، فتم تسجيل الكثير منها، لذا أصبح بإمكان كائن من كان أن يوصل صوته إلى كل مكان، فوصلت كما هي إلى الجمهور، دون أن يطالها التفخيم الحرفي والإبداع النخبوي.

التطور التكنولوجي

ولكن ما نشهده الآن وفي ظل التطور التكنولوجي هو التسابق والتهافت على أن تخرج التكنولوجيا عما ابتكرت وصممت له لتجنح إلى أمر بعيد وغير ذي صلة بما كان لها، وكأن البعض لا يريد لهذه التكنولوجيا أن تكون للفكر النير واقتفاء كل ما هو خيّر، لذلك يجب استغلال التكنولوجيا بكل شكل كان، وإبعادها عن الدور السخيف والتافه الذي بدأ ينحو بها، فأغلب البرامج الجديدة والتطبيقات الحديثة بإمكانها أن تفي بالغرض لتثقيف العامة وزيادة وعيهم، فالمعضلة التي تواجه المجتمعات هو عدم الوعي، والاتجاه بهم قصرًا نحو التخلف الحداثي، حيث أصبح كل تطور يتجه به نحو كل سلبي، والذي لا يفيد ولا يؤدي إلى زيادة الوعي، بل الانغماس أكثر في التسطيح الثقافي والبعد غير المتناهي عن كل ما هو مفيد، وباعتقادي هذه مرت وتمر على كل أنواع التكنولوجيا الحديثة، فعندما يخرج أي برنامج يبحث عن الأشياء السلبية من قبل بعض الصبية، وحتى من هم أكبر يعلقون على ما يقدم من أمور سلبيه متغافلين عن الإيجابية والجوانب التوعوية، ومع مرور الوقت يذهب هذا الشيء ويبقى ما هو مفيد.

(كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد