أسهل من الصعب وأقرب إلى الإمكان من خيال العرب الذي يراه مستحيلًا

لمعرفة كيف تنهض الأمم، علينا أن نقرأ التأريخ، القديم منه والحديث. ففي التاريخ الغابر هناك أمم مثل الإغريق، الفرس، الرومان، وهناك الأوربييون في عصور الظلام. وفي التاريخ الحديث لديك اليابان، الصين، جنوب كوريا، والدول الآسيوية الأخرى. الخيط المشترك الذي يربط هذه الأمم قديمًا وحديثا (عدا عوامل أخرى خارج هذا المشترك) في ارتقائها في سلّم الحضارة، هو الترجمة ونقل العلوم والمعارف وإتاحتها لأبناء الأمة، والتداول بها إلى أن تصطبغ بصبغة الأمة، بلسانها وهويتها، وكأنها هي التي أنتجت هذه العلوم والمعارف منذ الأساس. فالإغريق نقلوا من البابليين والمصريين. والفرس نقلوا من الميديين. والرومان من الإغريق والقرطاجيين وأمم أخرى. والأوروبييون نقلوا من المسلمين في العصور الوسطى. أما أمم آسيا، فنقلوا سريعًا من أمم الغرب؛ ما أهّل بعضها اليوم أن ينافس الغرب على كل المستويات. ونهوض أمم آسيا، أخذ من الوقت زهاء قرن ونصف لبعضها، مثل اليابان والصين، وأقل من قرن للبعض الآخر مثل جنوب كوريا.

غريب أمر العرب ولا أغرب من العرب في هذا العالم غير العرب أنفسهم!

العرب يعيشون وسط العالم. ويملكون الثروات الطبيعية والمال والثروة البشرية. وأرض العرب تتسم بأنواع التضاريس، وأجواء قد تكون الأكثر امتيازًا في العالم، لكن العرب يصدّرون إلى العالم المحيط بهم، والمعادي لهم، أثمن موجودات حياتهم: البشر ومن ثم الثروات الطبيعية والمال. وفي المقابل يستوردون أسوأ بضاعة في العالم إلى داخل بلدانهم، وهو الأسلحة البالية التي تخلت عنها الأمم المتقدمة التي صنعتها من أجل ما هو أجدد، وهي لا تستعملها إلا ضد أعدائها الخارجيين الغرباء، بينما العرب يستعملون هذه الأسلحة البالية ضد بعضهم البعض، وضد شعوبهم، وهي لا تنفعهم في مقارعة أعدائهم الخارجيين المعادين لهم، وهم الذين يعطون العرب السلاح ويأخذون ثروتهم وأموالهم! فهل هناك أعجب وأغرب من هذا الواقع في هذا العالم؟!

مشاريع لإقليم كُردستان العراق

منذ عام  2006 وإلى اليوم، قدمت ستة مشاريع إلى إقليم كُردستان العراق بغية إقامة نهضة شاملة تنطلق من تلك البقعة، وقد نشرت الصحافة المحلية أحد هذه المشاريع، ولكن كل هذه المشاريع ذهبت هباءا منثورا، بل لم تلق حتى كلمة عرفان أو شكر شفهي! فأرباب هذه الحكومة كانوا قد غرقوا في مجاري الانشغال بالمتع واللهو، وغلبتهم الغفلة في مجاهيلها التي تركتهم عرايا أمام العالم: شعبٌ عاش تحت حكمهم لأكثر من ربع قرن، تجري الحياة فوقه كجري السكين على نحر الذبيحة. وتحت هذا الشعب أرضٌ أهلكتها الكوارث من صنع أيادي هؤلاء الذين يسمون بالحكام، وهم أقل من عبيد أذلاء أمام الأجنبي الغاشم الذي يفرغ على الدوام خزانات البلد من قوت الناس، ويتركهم فرائس مجانية أمام الجوع وتحت النيران التي يهبها للجلادين الصغار داخل شعوبنا، وهم أسخياء في إنزالها فوق رؤوسنا؛ لأنهم على يقين أن الغرب لن يعترض، إلا حين تستدعي المصلحة، ومادام جلادونا (الحكام الأقزام) يحولون أموالنا إلى بنوك الغرب فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون!

مشاريع لقطر وتركيا

بدت تركيا، وكأنها على سكة الصواب، ومعها قطر أو هي مع قطر (لا فرق)، فتوسمنا الخير، وروينا نبتة الحلم في خيالنا بالرجاء، أن دولة تحتضن نهضة الأمة قد ترسخت في الأرض، وأركانها توطدت لنرى طلوعها في أفق بهيج. هل هذا صحيح؟ ربما قلّ العزاء بيننا منذ العمق الغائر في الجرح السوري المثخن كل يوم، وما عادت تركيا بالنسبة للكثيرين ذلك الحلم الذي بدأ جميلًا، ثم أدركته عواصف وتقلبات خيّبت الكثير أو القليل من الرجاء لفئات الناس من أمتنا حسب مشاربهم وألوانهم. فهل هذا يشمل دولة قطر؟ قد يحتار الجواب بين تأكيد أو نفي، لكن الأمر منوط بالعاقبة وعلينا الانتظار!

المشاريع المقترحة للنهضة

في شهر شعبان المبارك في العام الماضي، انتهيت من كتابة مشروع سهرت عليه وعملت له لسنين طويلة، وأفرغته على مراحل في غضون عامين أو أكثر حتى تكونت عندي النسخة النهائية. في العام الماضي بعثت بنسخة منه عن طريق سفارة قطر، إلى أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وبعثت نسخة عبر البريد الإلكتروني إلى شخصيات وجهات إعلامية وأكاديمية عربية. في مطلع هذا العام، زرت قطر وسلمت ثلاث نسخ إلى أمين عام الاتحاد الإسلامي الدكتور علي القرة داغي، نسخة لاتحاد علماء المسلمين، ونسخة لأمير قطر، وأخرى لمركز دراسات وأبحاث في الدوحة. على أنني سلمت في أواخر العام الماضي أربعة مشاريع إلى الحكومة التركية، إلى مكتب الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية (ياسين أقطاي)، وكذلك رئيس الحكومة السابق أحمد داود أوغلو. كتبت خلاصة مستوفية عن هذه المشاريع، وكتبت بالتفصيل عن أحدها، وهو واحد من أهم مشروعين ضمن هذه المشاريع. وبيّنت في الخلاصة التي قدمتها حول هذه المشاريع أنني أقدم ضمانات كاملة لنجاح هذه المشاريع، واحدٌ منها يحتاج إلى أقل من عشر سنوات، وآخر من عشر سنوات إلى عشرين سنة.

في ما يتعلق بالمشروع الأول وهو نهضة الأمة (وهو المشروع الذي قدمته بالتفصيل)، فقد اقترحت شيئين أساسيين:

الأول: البدء في بناء مؤسسة ضخمة للترجمة تحتضن أكبر قدر ممكن من المترجمين العرب الحرفيين في العالم، للشروع في ترجمة العلوم والمعارف من الغرب إلى اللغة العربية بشكل منتظم ومستمر، على أن تتشكل فرق ترجمة مختلفة تتوزع حسب الإختصاص والميول لترجمة فروع العلم والمعرفة. وليس شرطًا أن يجتمع هذا العدد الضخم من المترجمين في قطر، أو في مكان جغرافي معين، بل يقدرون العمل في أماكن معيشتهم. من الجدير بالذكر أن الكتب التي تترجم إلى العربية سنويًا، لا يتجاوز عددها أكثر من ثلاثمائة كتاب، بينما تترجم ألمانيا لوحدها حوالي عشرة آلاف كتاب في كل عام إلى لغتها، وهو ما تفعله اليابان أيضًا للغتها اليابانية. نسخة المشروع موجودة لدى إدارة ساسة بوست وهي تقدر أن تضعها بين يدي القراء إن شاءت.

الثاني: إنشاء مدرسة للترجمة تخرّج المترجمين الحرفيين العرب، لسد حاجة مؤسسة الترجمة للمترجمين. على أن يتخصص كل مترجم، عبر سنين دراسته، في لغة من اللغات الثلاث الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، باعتبار أن هذه اللغات هي التي دوّن بها أغلب العلوم والمعارف في الغرب. يحتاج هذا المشروع إلى أقل من مليار دولار للشروع فيه. وهذا المبلغ ليس كثيرًا بالنسبة لدول الخليج. ففي أقل من 12 شهرًا، دفعت دول الخليج مئات المليارات من الدولارات إلى أمريكا وأوروبا، مقابل الحصول على السلاح! بعض هذه الأموال دُفع كجزية مفروضة على دول الخليج لا أكثر. البحرين وحدها دفعت قبل أربعة أشهر 9 مليارات دولار لأمريكا، مقابل الحصول على الأسلحة!

المشروع الثاني يتعلق بحل الصراع الذي نشأ لأكثر من قرن ونصف في عالمنا الإسلامي والعربي، بين الحركة التي سميت بالعلمانية وبين مكونات أخرى تململت ونمت تحت عنوان الإسلام، فأحدث خرابًا ودمارًا هائلين، مازلنا نعاني نتائجه وآثاره وتراكماته الخطيرة التي أعاقت وتعيق تطورنا واستقرارنا وطرق حياتنا. هذا المشروع قد يكون أهم من المشروع الأول على أصعدة شتى، لكنه أقل كلفة وأقصر وقت لإنجازه. فكل ما نحتاجه هو عمل دؤوب، لمدة تتراوح بين خمسة إلى عشرة أعوام. وكلفة هذا المشروع لا تتجاوز بضع مئات من الملايين من الدولارات. لنرى ما هو هذا المشروع؟

البقية في الحلقتين الثانية والثالثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد