«كيف تتحملين جلوسك الدائم في المنزل من أجل طفلك، اتركيه واخرجي، ولا تضحي اليوم؛ فتندمي غدًا».

هكذا قالت إحداهن، وهي جالسة بجواري لمحدثتها في الهاتف، وأكملت حديثها عن تضحيتها المفرطة التي لا يجب أن تكون لهذا الحد، فطفلها قد بلغ الستة أشهر، فيمكنها وضعه في أي حضانة، والخروج للعمل، أو أي شيء آخر ترغبه، ولا تكبل نفسها به، ولا تفني نفسها من أجله.

وجدت رأسي يكاد ينفجر من زخم الأفكار المتلاحقة في عقلي، من كلام هذه الفتاة التي تبدو أنها ما زالت آنسة، ولم تدخل دائرة الزواج والأمومة ومسئولياتهم، ووجدتني في حالة من الغضب والنفور، لمثل هذا الجهل.

فكيف تجعلوا أمًا تكره صغيرها وحياتها؟ ومن ثَمَّ تحنق على حياتها، وربما تستطيع الخروج من القيود التي بدأت تظنها، وربما لا، فتبدأ في حالة من الاكتئاب، وتنغيص العيش على زوجها وطفلها.

عليكم بالآتي:

أولًا: تدخلوا في حياتها من كل زاوية، حدثوها عن الأيام السوداء التي تنتظرها بعد الإنجاب، وقلة النوم، وعدم التمتع بالحياة، والفناء الذي سيبدأ في حياتها، حينما تضع، وأنها لم تر شيئًا بعد، وكلما دخلت مرحلة أخبروها أنها لم تر شيئًا بعد، فالسواد الأكبر، والمعاناة الأكثر تنتظرها، فلا تتركوها تتمتع بطفلها، وبنموه، وتطوره، ولا تفرح؛ لأنها في حالة خوف، وترقب مستمر.

ثانيًا: حدثوها عن عدم التخلي عن طموحاتها، من أجل هذا الرضيع، وأن لا تترك أحلامها من أجله، وأن لا تعتني به العناية الكاملة، فلتتركه لمربية، أو لأقاربه، أو في حضانة للرضع -وليلق ما يلقى من معاملة غير ملائمة، ومفاهيم وتربية غير صحيحة فقط؛ لأنك أنجبته وصرت أنتِ نقمته لا هو- ولكن المهم أن تخرجي وتعيشي حياتك.

ثالثًا: ازرعوا بداخلها أن لا تتفانى من أجل أطفالها، وأن لا أحد يقدر، وأنهم حينما يكبرون سيعقونها، أو ينكرون ما فعلته، وأنه لا أحد يقدّر، فكوني في حدود الطبيعي أو أقله -والطبيعي الذي يقصدونه وهو في حقيقة الأمر اللاتربية وأن تطعم وتسقي وتكسي فقط، ماذا يحتاجون بعد ذلك؟ فتربيهم تبرئة ذمة، وتأدية واجب، وتظل تذلهم في كل لحظة وكل كلمة، فلا تدري شيئًا عن مشاعرهم وأنفسهم وأحلامهم؛ لأنها وضعتهم في قالب الناكرين العاقين-.

رابعًا: حدثوها أنها يجب أن تخرج لسوق العمل، ولا تنتظر حتى يكبر طفلها، فلا تدري ما يحدث في الأيام التالية، ولا تدري ما يصيب زوجها -فالرجال لا أمان لهم- فإن لم تستطعي العمل بصغيرك، فلا تتقيدي به واتركيه، أهم شيء في حياة المرأة العمل -وكأنها خلقت لسوق العمل، لا أنها في الأصل خلقت لتعمر في الأرض بذرية صالحة، تربيهم وتحسن إليهم، فيكونون عبادًا صالحين- فجردوها من ذاتها.

خامسًا: حين تشتكي من أعباء ما تلقاه، كرهوها في اليوم الذي قررت أن تنجب فيه، حدثوها أنها مَنْ فعلت هذا بنفسها، وأنها تعجلت، وأنها كان يجب أن تنتظر فتحقق ذاتها -وتحقيق الذات لا ينتهي حتى يموت الإنسان- ومن ثَمَّ تنجب ولكن هي من قررت أن تحيا هذا العذاب فلتتحمل -وكأنها ارتكبت جريمة، لا أنها في أسمى وأعظم مكانة، وفعلت أجمل شيء في الوجود- فزيدوا في ضيقها، حتى تكره حياتها وصغيرها.

سادسًا: حدثوها كثيرًا إذا قررت أن تكتفي بالبيت وصغيرها، وأن تتفرغ له كي تنشئه بطريقة صحيحة، وتعلمه بطريقة صحيحة، بعيدًا عن عقم المدارس والسلوكيات القاتلة، والمعاملة غير الآدمية، إنها قد قتلت نفسها، وأصبحت بلا قيمة -بالرغم أنها تتعلم وتتثقف عن كل مرحلة يبدؤها صغارها، وعلى وعي بكل شيء-لكن ضعوها على كل حال في خانة اللاقيمة!

سابعًا: لا توفروا لها سبل الراحة إذا رغبت في التعلم، أو العمل بصغيرها، ارفضوا أن تحضر صغيرها للعمل أو للمحاضرة، جردوها من حقوقها؛ لأنها أصبحت أمًا، وتريد أن تحقق ما تريد بصحبة صغيرها، فلا تقصر في حقه، ارفضوا حضور الصغير، أغلقوا في وجهها السبل ما استطعتم، وإذا خرجت به فإنها تلقى مرار المواصلات وفضول الناس، وتكون دائمًا في حالة ترقب وخوف على صغيرها، فاستهينوا بمحاولاتها دائمًا، وقللوا مما تعانيه في الطرق والمواصلات، ومن الناس.

ثامنًا: أيها الزوج لا تقدر تعبها، ومشقة حملها ووضعها، ورعايتها للرضيع، ومن ثمَّ حينما يكبر هو وإخوته، لا تقدر مجهودها معهم، وفي البيت، زد عليها الأعباء، فمن المفترض أن تكون عونها وسندها لكنك لا تكون، جادلها عندما تسترخي، لا تقدر حقها في وقت من الراحة مثلك، لا تمرر ولا تتغافل وزد همومها كثيرًا.

تاسعًا: زايدوا على أمومتها، واسلبوها إياها إذا رغبت في التفسيح عن نفسها، أو تجديد طاقتها واستعادة عافيتها النفسية بترك صغيرها مرة أو اثنين مع والدتها مثلًا، فهي من الثقات لقضاء بعض الوقت مع زوجها، أو مع نفسها كي تستطيع أن تكمل الطريق، أنبوها إذا أرادت أن تأخذ فسحة من الوقت والزمن لها، كأي كائن بشري من حقه بعض التوقف عن العمل والجهد المستمر، لا تتركوها تهنأ بلحظة متعة!

وأخيرًا: دائمًا استهزئوا بها لأمومتها؛ ولأنها أصبحت أمًا، وأنها تتصرف مثل الأمهات -لا أدري كيف المفترض أن تتصرف حين تصبح أمًا-! ودائمًا استهزئوا أنها قد قضت على عمرها، وأنها درجة ثانية، واستعيذوا من أن تصبحوا مثلها وفي خانتها، وانشروا هذه الفلسفة العقيمة على مواقع التواصل الاجتماعي بكل طرق الاستهزاء والاستعاذة مما هي فيه.

مبارك لقد نجحتم في أن تكرهوها في أمومتها وحياتها، وأفضل نعمة، وهو صغيرها وجعلتموها آلة بمشاعر حنقٍ وضيق وخوف، فتخرج بشرًا غير أسوياء، مليء بالعقد التي زرعتموها في أمهم، فحبًا في الله اتركوها! اتركوها تخوض تجربتها بفرح وبهجة وترقب وانتظار المحب لا الخائف، لا تقولبوها لا تصنفوها، اتركوها تحيا كيفما تشاء أن تكمل، أو تتوقف وقتما تشاء، هي أدرى بذاتها، لا تسمموا عقلها، إن استطعتم أن تكونوا داعمين فكونوا، وإن لم تستطيعوا فاتركوها وحياتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد