تحديك يبدأ الآن

قبل أيام قليلة انتشر تحد جديد على مواقع التواصل الاجتماعي وهو تحدي العشر سنوات، كانت صور المشاهير والأصدقاء ممتعة جدا وأنا أحاول أن أجد ما خلفته هذه العشر سنين على ملامحهم بعضهم أصبح أجمل وبعضهم أصبح أقوى وبعضهن حصلن على تموجات جسمانية مثيرة وأخريات جمعن تلة من الأطفال، الكل سعيد ومفتخر بأنه استطاع أن يعيش 10 سنوات، وخرج منها بأقل عدد من الخسائر، من حقهم ذلك، فأن تعيش في عالم كهذا تستحق عليه جائزة، أو على الأقل كلمات تشجيع واعتراف بمدى قوتك وجبروتك ونضالك، كل هذا الوقت فمهما حاولت أن تبتعد عن مفرمة الحياة وتعقيدها ستجد نفسك تصارع تيارًا جارفًا لا رحمة داخله، معالم الفرح فيه قليلة، وكل من اكتسب سبلها بخل بها وخبأها وعبر بها لبر الآمان وحده.

لكن هذه العشر سنوات تركت ندوبًا علينا جميعًا، وحروقًا ومجازر جماعية بدءًا من الصراعات الصغيرة إلى أعتى الحروب العالمية، العشر سنوات الأخيرة كشفت لنا عن مدى ضعفنا وصغرنا.

في هذه العشر سنوات هجر أب أبناءه الصغار وتركهم وحيدين، أكبر الأبناء كان عمره 11 سنة، بدأ العمل في هذه السن، ولأن العمل في وطنه لن يسد حتى أصغر حاجاته ركب أحد القوارب وهناك توفي.

في هذه العشر سنوات الأخيرة، فتاة كان كل حلمها أن تنهي دراستها الجامعية، وتلتحق بإحدى الوظائف، رأت أمام عينيها أن كل المناصب تباع كالسلع، ولا مكان لها إلا بالواسطة أو المال، ضاع حلمها، يئست من البحث، ثم انتحرت.

في هذه العشر سنوات أقحم شاب في السجن بتهمة لم يرتكبها، وكلما حاول الدفاع عن نفسه ضرب بالعصا وباللكم، كرامته وإنسانيته قتلت، وبقوة مظلوم قتل بالخطأ ضابط فأعدموه.

في هذه العشر سنوات تم بناء أكبر مستشفى في الوطن بقيمة مالية صعب قراءتها، لكن لن يستطيع بائع الخضر المصاب بالسرطان أن يتلقى علاجه بها لتكلفتها الغالية.

في هذه العشر سنوات دمرت أرض، كانت تتغنى بالياسمين والريحان، وأهلها مدمنون على الجمال والنظافة، وأخرى كانت هادئة، ولا أحد يعلم ما يدور بداخلها، وفي أرض أخرى يقتل شخص آخر لعقيدته المخالفة، ويكفر آخر بسبب لوحة رسمها، وتنبذ ألف مولودة؛ لأن الصدفة جعلتها فتاة.

في هذه العشر سنوات استفحلت التفاهة أخبار الجرائد وتشوه الفن والذوق العام، وأصبح الحياء رجعيةً، والانحلال تحضرًا، فيها أيضًا ارتفعت معدلات البطالة لسقف الجنون والمرض سرق الشاب والرضيع والشائب والجهل فوق العرش ينظر للأحداث بعين الفخور.

تحدي العشر سنين كشف كم أن الناس متلهفون ولو للحظة ليشعروا بنشوة إحساس النجاة والقدرة على البقاء، وأن الغريزة ما زالت تعمل، ومتلهفون ليخبروا أنهم أصبحوا أفضل مما كانوا عليه، أو على الأقل بقيت فيهم ملامح البراءة والأمل.

حاضرنا مؤلم ولا رحمة فيه، والمستقبل غامض، ونتركه للرحمن يختار لنا فيه ما يريد، نحاول جهدًا، ونعض على حبل الصبر، ونعمل حتى تقطع أنفاسنا كي نحقق ما نريد، نصارع زمانًا، أصبح كل شيء فيه محرمًا، أو ممنوعًا، والباقي يستفرد به أشخاص دون آخرين.

كثرت الأمراض النفسية، وقلت فرص الأمل، وننام ونستيقظ طامعين أن يؤتينا الله مخرجًا لا نعود منه لكل هذا الكرب. أوطاننا وضعت تحديات كبرى، ولم تحققها، ونحن بدورنا وضعنا أهدافًا فشلنا في بعضها، وحققنا بكل فخر بعضها الآخر نتغنى كل يوم، ونصبر أنفسنا أن القادم حتمًا سيكون أجمل، وسيكون أجمل، كل من رحل فقد استراح وكل من لم يزل على الأرض فهو مهم لسيرورة الكون، كلنا لنا دور في هذه الحياة، ومن حقنا الافتخار بإنجازاتنا الصغيرة حتى لو أن المناخ غير مناسب نستطيع تكييفه لأجلنا وليخدمنا، فلا شيء صعب إلا ما جعله الله كذلك، والله يقول اعملوا، فلا شيء صعب على من يعمل.

تحد العشر سنوات شارك فيه الملايين وبقيت ملايين أخرى لم تشارك به؛ لأنهم رأوا أنهم لم يحققوا شيئًا يدعوا للمفخرة، وأقول إن مجرد بقائك صامدًا يدعوا للفخر، وإن كنت مصرًا أن تنشر التحدي فبدأه في أي يوم شعرت أنك قد حققت شيئًا ولو بسيطًا، فتحدي العشر سنوات سنبدأه الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد