بعد بضعة أيام سيكون قادة العالم من رؤساء حكومات ووزراء خارجية في إسرائيل باستضافة نتنياهو؛ للاحتفال بمناسبة مرور ١٠٠ عام على ما يُعرف بوعد بلفور المشؤوم الذي أسس لقيام دولة إسرائيل، بعد أن وقع وزير الخارجية آنذاك، اللورد آرثر جيمس بلفور، بتاريخ 2 نوفمبر 1917، على رسالة وجهها للورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يشير بها إلى تأييد حكومة بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

بعد تصريح لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قالت فيه: «إنها ستحتفل بمرور 100 عام على وعد بلفور (بافتخار)»، وفقًا لما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وخلال الجلسة الأسبوعية لمساءلتها أمام البرلمان، أضافت ماي أنها تفتخر بدور بريطانيا في إقامة «دولة إسرائيل»، مؤكدة أنه «من المهم الآن العمل على التوصل لحل الدولتين لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني».

وكانت الحكومة البريطانية قد رفضت في أبريل (نيسان) الماضي، تقديم أي اعتذار يتعلق بوعد بلفور الذي أسس لقيام «إسرائيل».

يأتي ذلك بعد خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يوم الخميس الموافق 22 سبتمبر 2016، دعا فيه المجمتع الدولي إلى اعتماد العام القادم، عامًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي طالب فيه بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن «وعد بلفور».

وقال عباس في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك الأمريكية، إنه «في يونيو (حزيران) عام 2017، يكون قد انقضى نصف قرنٍ على هذا الاحتلال البغيض»، مضيفًا أنه «على المجتمع الدولي مسؤولية جعل عام 2017، عامًا لإنهاء الاحتلال».

كما طالب عباس بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني بسبب المعاناة والعذاب الذي تعرضوا له نتيجة وعد «بلفور» قبل مئة عام، داعيًا إياها إلى تصحيح «هذه الكارثة التاريخية ومعالجة نتائجها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية».

وأردف عباس قائلًا: «لقد مضى مائة عام على صدور وعد بلفور المشؤوم، الذي أعطى بموجبه البريطانيون دون وجه حق، أرض فلسطين لغير شعبها، مؤسسين بذلك لنكبة الشعب الفلسطيني، بفقدانه لأرضه ونزوحه عنها، ولم يكتفوا بذلك، فجاء الانتداب البريطاني ليترجم الوعد إلى إجراءات وسياسيات ساهمت في ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعب آمن ومطمئن في وطنه، لم يعتد على أحد ولم يشارك في حرب ضد أحد».

إلى ذلك، أشار عباس في خطابة إلى أن «الاعتراف الفلسطيني بوجود دولة إسرائيل، الذي صدر في عام 1993 ليس اعترافًا مجانيًا، وأن على إسرائيل أن تقابله باعتراف مماثل بدولة فلسطين».

كما لا ننسى ما قام به السفير الإسرائيلي في المملكة المتحدة العام الماضي، إذ احتفل بالذكرى الـ99 عن طريق إطلاق البالونات في سماء لندن، كما كانت منظمات من ضمنها مجلس ممثلي اليهود البريطانيين، جزءًا من مبادرة تشكر الحكومة البريطانية لاعترافها بحق الشعب اليهودي في إعادة تأسيس وطنه القومي في فلسطين.

يذكر أن الحكومة البريطانية أصدرت «وعد بلفور» بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1917.

وأفادت الحكومة المحافظة في بيان لها، بأن وعد بلفور موضوع تاريخي ولا نية لها بالاعتذار عنه، بل أعربت عن الفخر بدور بريطانيا في إيجاد «دولة إسرائيل».

ووعد بلفور هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي بعثها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر (تشرين ثاني) 1917 إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد، يقول فيها إن الحكومة البريطانية ستبذل جهدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وكانت العصابات الصهيونية، قد أقرّت قيام دولة الاحتلال «إسرائيل» بعد الإعلان عن وثيقة قيام «دولة إسرائيل»، والتي كتبت في 14 مايو (أيار) 1948 بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وإعلان ديفيد بن غوريون الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية، ومدير الوكالة اليهودية، قيام الدولة الإسرائيلية، وعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية.



  • نص وعد بلفور

من المهم اليوم التذكير بنص الرسالة حتى يعرف الجيل الجديد:

«وزارة الخارجية

2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917

عزيزي اللورد روتشيلد:

يسرني جدًا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته.

إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جليًّا أنه لن يؤتي بعمل من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى.

وسأكون شاكرًا لو تكرمتم بإحاطة الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح.

                                                                                                                                                المخلص

                                                                                                                                                         آرثر جميس بلفور»



  • الحقيقة الصهيونية كما عرفت نفسها:

1. مذهب سياسي:

«منذ عام 1896، أصبح مصطلح الصهيونية مرادفًا للحركة السياسية التي أسسها ثيودور هرتزل».

                                                                                                  (المصدر: موسوعة الصهيونية وإسرائيل، دار هرتزل للنشر. نيويورك 1971، المجلد الثاني، ص 1262)

2. مذهب قومي:

لم يولد من رحم الديانة اليهودية، بل من النزعة القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر. فلم يكن مؤسس الصهيونية السياسية هزتزل يعترف بالمرجعية الدينية: «إنني لا أخضع لأي وازع ديني» .

                                                                                                                                                          (المصدر: ثيودور هرتزل، اليوميات، الناشر فيكتور جولاتز 1958)

«فأنا غنوصي».

لم يكن محور اهتمامه هو الأرض المقدسة على وجه الخصوص، فقد كان يقبل أيضًا، من أجل أهدافه القومية، أوغندا، أو طرابلس، أو قبرص، أو الأرجنتين، أو موزمبيق، أو الكونغو.

                                                                                                                                                           (المصدر: ثيودور هرتزل، اليوميات، الناشر فيكتور جولاتز 1958)

3. مذهب استعماري:

وهنا أيضًا لا يخفي ثيودور هرتزل، الواعي تمامًا، حقيقة أهدافه: فالمرحلة الأولى بالنسبة له هي تأسيس «شركة ذات امتيازات»، تحت حماية إنجلترا أو أية قوة أخرى، وذلك إلى حين تحويلها إلى دولة يهودية.

وهذا هو السبب في اتجاهه إلى من أثبت مهارة وحنكة في هذا النوع من الأعمال، ألا وهو التاجر الاستعماري «سيسيل رودس»، الذي استطاع عن طريق شركته «ذات الامتيازات» أن يقيم دولة جنوب إفريقيا، والتي يسمى أحد أجزائها باسمه وهي: روديسيا.

ففي 11 يناير 1902، يكتب إليه هرتزل قائلًا:

«أرجو أن تبعثوا إليّ بخطاب يفيد بأنكم درستم مشروعي، وأنكم توافقون عليه. وقد يثور لديكم تساؤل عن السبب في توجهي إليكم. والإجابة أن مشروعي مشروع استعماري».

                                                                                                                       (المصدر: ثيودور هرتزل، اليوميات، المجلد الثالث، ص 105، الناشر فيكتور جولاتز 1958)

مذهب سياسي وقومي واستعماري: هذه هي الخصائص الثلاث التي تحدد طبيعة الصهيونية السياسية، التي تحقق لها النصر في مؤتمر بازل، الذي عقد في أغسطس 1897، وهو ما أتاح لمؤسسها العبقري الميكيافيلي «ثيودور هرتزل» أن يعلن عن حق في ختام هذا المؤتمر «لقد أسست الدولة اليهودية».

                                                                                                                                                        (المصدر: ثيودور هرتزل، اليوميات، الناشر فيكتور جولاتز 1958)



  • بدعة الصهيونية السياسية من وعد بلفور:

بدعة الصهيونية السياسية، التي تقوم على إحلال دولة إسرائيل محل «آل» إسرائيل. ودولة إسرائيل هذه ليست سوى حاملة طائرات نووية حصينة تابعة لسيدة العالم مؤقتًا –الولايات المتحدة الأمريكية– التي تريد أن تفرض هيمنتها على نفط الشرق الأوسط، الذي يمثل عصب النمو الغربي (وهو نموذج «نمو» يكبد العالم الثالث كل يومين عددًا من الموتى يعادل ضحايا القنبلة الذرية في هيروشيما، وذلك طبقًا لتقديرات «صندوق النقد الدولي»).

ومنذ وعد اللورد بلفور، الذي صرح وهو يمنح الصهاينة بلدًا لا يملكه: «لا تهم كثيرًا طبيعة النظام الذي يتعين علينا إقامته لكي نحتفظ بنفط الشرق الأوسط. فالأمر الأساسي هو أن يظل هذا النفط في متناول يدنا».

وحتى وزير الخارجية الأمريكي «كورديل هال» الذي قال: «علينا أن نعي جيدًا أن نفط السعودية يعد واحدة من أقوى وسائل الحركة في العالم».

كانت هناك على الدوام سياسة واحدة تمتلي على القادة الصهاينة الإسرائيليين تنفيذ مهمة واحدة، هي تلك التي حددها «جوزيف لونز»، أمين عام حلف شمال الأطلنطي الأسبق، وهو يقول: «لقد كانت إسرائيل العميل الأقل تكلفة في عالمنا المعاصر». (نداف شرجاي، صحيفة هآرتس، 13 مارس 1992).

بيد أن هذا العميل يتلقى أجرًا باهظًا. فخلال الفترة من عام 1951 إلى عام 1959، على سبيل المثال، حصل الإسرائيليون البالغ عددهم آنذاك مليوني نسمة على مساعدات بلغ نصيب الفرد منها ما يربو على 100 ضعف، بالمقارنة بما حصل عليه الفرد من سكان العالم الثالث البالغ عددهم ألفي مليون نسمة. بل إن هذا العميل يحظى بحماية تامة: ففي الفترة من عام 1972 إلى عام 1996، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض في الأمم المتحدة ثلاثين مرة، للحيلولة دون صدور أى قرار بإدانة إسرائيل، بينما كان قادتها يواصلون تنفيذ مخططهم في زعزعة استقرار بلدان الشرق الأوسط بأسرها. وقد عرضت مجلة كيفونيم (توجهات) تفاصيل هذا المخطط قبيل غزو لبنان (في عددها رقم 4 الصادر في فبراير 1982، ص 50). وتستند هذه السياسة، التي تنعم بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الفكرة القائلة بأن القانون الدولي هو مجرد «قصاصة ورق» (على حد تعبير بن غوريون)، مما يعني مثلًا أن قراري الأمم المتحدة رقمي 242 و 338، اللذين يطالبان إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية ومرتفعات الجولان، قد حكم عليهما بأن يظلا حبرًا على ورق. وينطبق هذا بالمثل على قرار إدانة ضم القدس، والذي أقرته دول العالم بالإجماع، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان لم ينص على فرض أي عقوبات على إسرائيل.

  • الأخوة الأعداء

لم يجد المؤرخ الكبير أرنولد توينبي مناصًا من غدانة بلاده على تقديم «وعد بلفور» للحركة الصهيونية، معلنًا أنه بصفته إنجليزيًّا يشعر بالخجل والندم الشديدين على ازدواجية المعايير الأخلاقية التي حكمت سلوك حكومة بلاده في الإقدام على هذه الفعلة المنكرة.

فقد قام وزير خارجية إنجلترا أثناء الحرب العالمية الأولى، اللورد آرثر جيمس بلفور، بتقديم الوعد الذي حمل اسمه، نيابةً عن حكومته، والذي تتعهد به العمل على إقامة «وطن قومي» لليهود في فلسطين، وذلك في رسالة وجهها إلى اللورد اليهودي الصهيوني ليونيل روتشيلد، في 2 نوفمبر 1917، طالبًا منه إبلاغ مضمونها إلى قيادة الحركة الصهيونية. وقد جاء الوعد البريطاني تتويجًا لمرحلة طويلة من العمل الصهيوني للحصول على البراءة الدولية للاستيطان في فلسطين، كما كانت فاتحة عهد جديد من الصراع بشأنها، بين دعاة هذا الاستيطان وأعوانه، وبين الشعب الفلسطيني والأمة العربية وأصدقائها، لا يزال مستمرًا في صيغة أو أخرى حتى يومنا هذا، وبعد مرور 100 عام (قرن) على الوعد المشؤوم.

لكن وعد بلفور لم يكن الخديعة المزدوجة الوحيدة التي قامت بها بريطانيا بالنسبة إلى فلسطين والأمة العربية، قبل الحرب العالمية الأولى، وفي أثنائها، وبعدها.

فقد عمدت حكومتها إلى الخداع في محادثات مكماهون، الشريف حسين، وكذلك في اتفاق سايكس بيكو، وإلى المناورة في مؤتمرات السلام التي انعقدت بعد الحرب. ومهما كانت الحجج والذرائع التي ساقتها بريطانيا، فالحقيقة الساطعة تبقى أن الاستيطان الصهيوني ثبت أقدامه في فلسطين تحت انتدابها، وفي حماية جيوشها.

وعلى أي حال، فقد سبق وعد بلفور بالدعوة إلى توطين اليهود في فلسطين وزيران بريطانيان آخران، شافتسبري وبالمرستون، منذ أيام محمد علي. وفي الفترة نفسها، قام رئيس بلدية لندن، اللورد اليهودي مونتفيوري، بزيارة لفلسطين، عرج خلالها على مصر، وطرح على محمد علي «استئجار الجليل»، لإقامة استيطان يهودي فيه، فرفض الوالي الطلب، لكن مونتفيوري قام خلال الأربيعينات والخمسينات من القرن التاسع عشر بزيارات متكررة لفلسطين وإسطنبول للغرض نفسه. وقد نجح في بناء حي مونتفيوري في القدس، أسكن فيه عددًا من العائلات اليهودية التي كانت تقييم داخل أسوار ميئا شعاريم.

وقد صدر هذا الوعد الذي شكل محطة رئيسية في تاريخ الاستيطان الصهيوني، وبالتالي القضية الفلسطينية، في سياق الحرب العالمية الأولى، بأسبابها وأهدافها، وعندما بانت نتائجها، بالانسجام مع المخططات البريطانية إزاء المنطقة.



  • وعد بلفور في لعبة الأمم‏

مع حلول ذكرى القرن على وعد بلفور للصهيوينة العالمية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، تتبادر إلى العقل العديد من التساؤلات:

  1. كيف للمملكة المتحدة أن تقدم وعدًا بوطن قومي على طبق من فضة دون مقابل؟
  2. ما الذي قدمته الصهيوينة العالمية لبريطانيا لتكسب وعد بوطن قومي يشرع الاستيطان؟
  3. هل فعلتها بريطانيا بأهداف استراتيجية؟
  4. هل لعبة الصهيونية العالمية دورًا بطوليًّا في الحرب العالمية الأولى يجعلها تكسب رهانًا بوطن قومي؟

تلك التساؤلات وأكثر، كانت الرد عليها، بأن بريطانيا لم تقدم وعدًا لليهود بمنحهم فلسطين على طبق من فضة إكرامًا لسواد عيونهم، ولكنها فعلت ذلك لأسباب تتعلق بمصالحها الاستراتيجية أساسًا أثناء الحرب العالمية الأولى.

ففي عام 1916، كادت ألمانيا تسجل انتصارات عسكرية على جبهات الدول الأوروبية كافة، فالجيش الروسي بدأ ينسحب من المعركة مخلفًا وراءه عشرات الآلاف من القتلى. والفرنسيون استسلموا بعد أن فقدوا في معركتي «ميوز» و«صم» أكثر من 700 ألف قتيل، وأما بريطانيا فقد فقدت معظم أسطولها البحري، وانعزلت عن العالم، ولم يبق أمامها سوى أحد أمرين، إما قبول شروط ألمانيا لوقف القتال، أو تغيير المعادلة العسكرية بشكل جذري عن طريق تغيير موقف الولايات المتحدة الأمريكية بزجّها في الحرب، ولم تكن شروط ألمانيا المتفوقة مقبولة في لندن، ولم يكن زجّ الولايات المتحدة في الحرب ممكنًا، ثم إنه لم يبق في بريطانيا من المواد الغذائية ما يكفي سوى أسابيع قليلة‏.

وخلال هذه الفترة الحرجة قدم يهودي إيراني يدعى جيمس مالكوم عرضًا باسم المنظمة الصهيونية إلى مارك سايكس أحد نواب وزير الحربية البريطاني‏.

وحمل العرض توقيعات حاييم وايزمن الصهيوني البولندي، وناحوم سوكولوف الصهيوني الروسي، وصموئيل لاندمان الصهيوني البريطاني، بالإضافة إلى جيمس مالكوم نفسه، وبموجب هذا العرض تعهدت المنظمة الصهيونية العالمية بحمل الولايات المتحدة الأمريكية على الدخول في الحرب ضد ألمانيا، مقابل الحصول على وعد من بريطانيا بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين.

وللتأكد من قدرة المنظمة الصهيونية على أداء هذا الدور المهم، قام وزير الخارجية جيمس بلفور في مايو من عام 1916 بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة (وكندا). وهناك فوجئ بلفور بقدرة المفاتيح اليهودية على فتح أبواب البيت الأبيض والكونجرس أمامه، وتعرف لأول مرة على فعالية الإعلام الذي تسيطر عليه الحركة الصهيونية ومدى تأثيره في عملية صناعة القرار الأمريكي‏.

وعاد بلفور من زيارته مطمئنًا إلى أن المنظمة الصهيونية قادرة على الالتزام بما تعهدت به. وبناءً على ذلك وافق مجلس الدفاع البريطاني على العرض «الصفقة».

وفي 16 أبريل 1917، أعلن الرئيس الأمريكي ويلسون دخول أمريكا الحرب بحجة أن ألمانيا أغرقت سفينة شحن أمريكية في بحر المانش تدعى «ساسكس».

وقد قلب اشتراك أمريكا في الحرب الوضع في أوروبا رأسًا على عقب؛ فانهزمت ألمانيا بعد انتصار، وأصدر بلفور وعده المشؤوم‏.

والسؤال الآن هو: كيف أقنعت المنظمة الصهيونية الرئيس الأمريكي بدخول حرب لا علاقة لبلاده بأي شأن من شؤونها؟

الجواب ببساطة هو أنه: في عام 1912 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تخوض انتخابات رئاسة الجمهورية. وكان وودرو ويلسون مرشح الحزب الجمهوري ضعيفًا جدًا، إلى درجة أنه كان فاقدًا كل أمل في النجاح، وكان الحزب الديمقراطي مسيطرًا على الوضع سيطرة تامة. وهنا تدخلت المنظمة الصهيونية، وتعهدت لويلسون بتأمين فوزه إذا ما تعهد هو بدوره بتأييد مطالبها بإعلان الحرب على ألمانيا، وتمت الصفقة، وبموجبها استطاع الصناعي الصهيوني برنارد باروك أن يشق الحزب الديمقراطي إلى حزبين، شعار أحدهما الوعل والثور، وشعار الثاني الحمار. وبذلك فقد الديمقراطيون بانقسامهم سيطرتهم على الموقف فخسروا معركة الانتخابات، وفاز ويلسون بتفوق.

وقد بدّل دخول الولايات المتحدة الحرب موازين القوى، فبدأ التراجع الألماني حتى خسرت ألمانيا الحرب، وربحت الصهيونية العالمية وعد بلفور.

  • المشهد الأخير:

ختامًا لا أرى أن الوعد البلفوري هو من أتى بالصهيوينة إلى فلسطين، فإن من خلق الأسطورة وعمل من أجلها هم اليهود الصهاينة، فالصهيوينة العالمية اليوم أقامت منظومة تؤهلها أن تصطف بين الدول العظمى عالميًّا، فالصهيونية لم تبق ذلك الوضيع الذي يرزح تحت حماية إمبراطوريات خارجة عن نطاقها، فقامت الحركة الصهيونية الممثلة على الأرض بدولة إسرائيل، بالعمل على الاستقلال عن بريطانيا وأمريكا، وانشأت المفاعل النووي كأحد تجليات القوة الغاشمة، وبنت سلاح جو قوي يتفوق على الدول العربية مجتمعة، وتمتلك من البحوث العلمية المرتبة الأولى عالميًّا، لكل هذا لا أرى في وعد بلفور أي قيمة سوى أنها خطيئة تاريخية، نسعى نحن الفلسطينيون بقبول التعويض نظرًا لضعف منظومتنا (منظومة الدولة)، ولكن احتفال بريطانيا بالوعد، لا بد أن يغير من منظورنا للقضايا ولو بأدنى متطلبات العقلانية، بأن الاعتماد على من كانوا سبب مأساتنا إنما هو الغباء المطلق الذي سيبقينا على ذات الدرجة من سلم القضايا ولمئات السنين القادمة.

لا بد أن نعيد قراءتنا لموقفنا السياسية والتاريخي، ولا بد أن نعمل على تبديد تلك الأساطير والخرافات التي قامت عليها الصهيونية السياسية، كتلك التي تبناها اللوب الصهيوني لتأسيس الكيان:

  1. أسطورة/ خرافة «الأرض الموعودة لليهود في فلسطين»!
  2. أسطورة/ خرافة «اليهود شعب الله المختار»!
  3. أسطورة/ خرافة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»!
  4. أسطورة/ خرافة «المحرقة النازية (Holocaust)»!
  5. أسطورة/ خرافة «العقيدة اليهودية والصهيوينة السياسية، والمسافة بين الاثنتين»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد