“يمكنك أن ترى المشهد 1000 مرة قبل أن تنتبه إلى أبعاد جديدة فيه. فقط، لأنك لم تجهد نفسك في محاولة رؤيته من زاوية أخرى من قبل”! هذه باختصار الرسالة القيمة التي يقدمها فيلم “1000 مبروك” للفنان (أحمد حلمي) والمخرج (أحمد جلال) والمؤلف (محمد دياب)؛ فتلك الزاوية – أو الزوايا – الجديدة ستمنحك بالضرورة رؤية أكثر اتساعا وشمولا من تلك التي تحصرك فيها أنانيتك التي توهمك أن (أنت) هو المحور الوحيد الذي يستحق أن تدور حوله حياتك!

الفيلم يدور في إطار فانتازي حول ظاهرة – أو لعنة ما – يتعرض لها البطل تسبب تكرارَ يومٍ واحدٍ من حياته (هو يوم زفافه)؛ حيث يبدأ هذا اليوم بالاستيقاظ على زغرودة أمه وهي تقول له (مبروك) على الحدث السعيد المنتظر، ثم مرور البطل بسلسلة عادية من الأحداث (قد تحدث لأي منا)، ثم الانتهاء بموته؛ ليفاجأ بأنه يستيقظ من جديد على زغرودة أمه هاتفة: (مبروك)! وهكذا. تتكرر أحداث نفس اليوم عشرات المرات. ربما تتغير بعض التفاصيل، لكن اليوم دائما يبدأ بكلمة “مبروك”، وينتهي بموت البطل مهما اتخذ من احتياطات؛ فيما يشير بوضوح إلى أسطورة سيزيف الإغريقية!

أعتقد أن (محمد دياب) قدم – في معالجته المصرية المقتبسة – رؤية أكثر عمقا ورسالة أكثر فائدة من تلك التي قدمها الفيلم الأمريكي Groundhog Day؛ ففي هذا الأخير أراد الكاتب الأمريكي الدعوة إلى عدم إضاعة الحياة في محاولة تفسيرها ومعرفة كنهها والاستغراق في تفاصيلها بقدر الاهتمام بمحاولة عيشها والاستمتاع بها. وهو هدف جميل وإيجابي – فقط – في بعض جوانب الحياة وأجزائها؛ لأنه قد يتناغم مع الرؤية السطحية غير المتديـنة وغير المعنية بما وراء هذه الحياة الدنيا، لكنه لا يستقيم مع الرؤية المتديـنة التي تدعو الإنسان إلى مزيد من الفهم لطبيعة الحياة المحدودة التي نعيشها لأنها – في الحقيقة التي لا مناص منها – مجرد خطوة لمرحلة تالية أبدية سيحصد فيها كل منا (هناك) ما زرعه (هنا).

هذا من حيث الرسالة والمحتوى. أما على مستوى الأدوات، فالسيناريو المصري محكم للغاية – رغم صعوبة تركيبته – وممتع في الوقت ذاته. ظهرت من خلاله قدرة المؤلف – بمشاركة المخرج – على الإمساك باقتدار بزمام الأحداث لئلا تخرج عن منطقيتها. ذلك أنه حتى الفانتازيا – عندما تُطرح في إطار ما – لها قوانينها ومنطقها.

 

فعلى الرغم من أن الفيلم تقوم فكرته على سرد قصة يوم واحد للبطل – قد لا تستغرق على الشاشة أكثر من 15 دقيقة -، ثم تكرار هذا اليوم عددا لا نهائيا من المرات، إلا أن المؤلف استطاع تقديم هذا التكرار بتنوع كبير من حيث الوقت والمحتوى وزاوية الرؤية والتركيز المختلف في كل مرة على بعض الأحداث دون غيرها؛ فنجح بذلك في التغلب على التحدي الأكبر للفيلم: الملل.

 

ولا ننسى – في هذا السياق – أن المونتير كان أحد أبطال هذا الفيلم وصانعي نجاحه بلا جدال.

استطاع المؤلفُ أن يحمي المشاهدَ من الشعور بذلك الملل المتوقع، بأن دفعه لإعمال عقله أثناء المشاهدة والاستغراق في تأمل القصة من زاوية جديدة في كل مرة، بل والاستمتاع بمشاركة البطل في تجميع أجزاء الصورة الكلية تدريجيا؛ حيث قام في كل مرة بإعادة عرض الأحداث في قفزات سريعة موجزة مع التبطيء وتسليط الضوء على بعض المشاهد لعرض فكرة جزئية محددة. ولم يرتبط – في سبيل ذلك – بعرض تلك المشاهد (المخصوصة) وفق ترتيبها الزمني في تسلسل الأحداث بقدر ارتباطه بالترتيب التراكمي المطلوب للأفكار الجزئية التي ستكوّن الفكرة الكاملة في النهاية. وبهذا يصبح التكرار الظاهري – في حقيقة الأمر – ليس تكرارا بالمرة.

 

وفي ظني هذه التقنية تشبه إلى حد بعيد – وربما هذا هو سر نجاحها – تقنية السرد القرآني لقصة سيدنا (موسى) – عليه السلام – وبني إسرائيل التي وضحها صاحب الظلال الشهيد (سيد قطب) في كتابه “التصوير الفني في القرآن”.

نلاحظ أيضا أن تطور الشخصية ونموها كان متدرجا ومنطقيا جدا مع تطور الأحداث. وهو ما دعمه بجدارة أداء (أحمد حلمي) الذي كان متميزا جدا وغير تقليدي حينما لم يتخل عن روح فكاهته (وقفشاته المعروفة) في سبيل التراجيدية الشديدة للدور؛ فتجاوز بذلك ما وقع فيه سابقا في دور تراجيدي شهير.

 

فأمكنك – كمشاهد – من خلال هذا التطور أن تتذوق متعة نضوج شخصية البطل الذي يوازيه نضوج توعوي لك شخصيًا:

1- فمن صدمة واندهاش: في بداية اكتشاف الظاهرة الغريبة التي يتعرض لها.

2- إلى حيرة وارتباك: عند محاولة فهم ما يحدث والانشغال المبدئي به.

 

3- إلى غضب ومعاندة: عند اكتشاف أن كل محاولات تغيير المصير السيزيفية لكسر الحصار هي بلا جدوى على الإطلاق!

 

4- إلى ثورة وهياج: عند التفاجؤ باكتشاف مساحات مجهولة وربما مظلمة في حياة الأسرة اللصيقة والمعارف القريبة للبطل.

 

5- إلى صدمة لحظة التنوير: عند اكتشاف أن هذه الظلامية في حياة الآخرين هي – في الحقيقة – ليست إلا نتاج نظارة الأنانية السوداء على عيني البطل نفسه.

 

6- إلى هدوء وتفكير فيما وراء الأحداث لا في الأحداث ذاتها.

 

7- إلى فهم واستيعاب للحكمة الحقيقية والمغزى العميق من وراء كل ذلك.

8- إلى تسليم بالمصير.. ثم السير معه بتجاوب – لا السير ضده بمعاندة – للوصول إلى الهدف المنشود، وهو حياةٌ ذات غاية وقيمة يرضى عنها صاحبها ويَسعد بها الآخرون. وكأن المؤلف يدعونا إلى التوقف – ولو يوما واحدا في حياتنا – عن الركض اللاهث المحموم؛ لنعيد تأملها من جديد.

وبعد، من خلال هذا التصور، ألا يعد هذا الفيلم – مع التغاضي عن بعض المخالفات الشرعية غير المؤثرة في مسار الفيلم – نموذجا لما يطلق عليه البعض: فنا إسلاميا؟!

 

فالفن الإسلامي – كما أورد الدكتور (محمد قطب) في كتابه “منهج الفن الإسلامي” – ليس بالضرورة هو الفن الذي يتحدث عن الإسلام؛ إنما هو الفن الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود. وهو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان، من خلال تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان.

 

أردت أن أشير إلى ذلك؛ لأبين أن هناك العديد من الأعمال الدرامية الرائعة والمتقنة الحالية والسابقة (سينما – مسرح – تلفزيون) تصلح – مع بعض المعالجات الطفيفة – لتقديم ما يمكن أن نسميه “فنا هادفا” أو “فنا راقيا”، وهما المصطلحان اللذان أفضِّل تبني أحدهما للخروج من دائرة مصطلح “الفن الإسلامي” غير الدقيق والذي يشكل – في نفس الوقت – حاجزا نفسيا أمام الكثيرين ويمنعهم من قبول فكرة أن التصور الإسلامي لا يناقض الفن كمبدأ. فلا مشاحة في الاصطلاح خاصة إذا كنا ندرك أن كل فن هادف (في رسالته) وراقٍ (في مضمونه) ونظيف (في شكله) بما لا يخالف المحرمات قطعية الثبوت والدلالة في الشريعة الإسلامية هو بالتأكيد: فن إسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد