السادس من أكتوبر عام 1973- العاشر من رمضان عام 1393هـ، يوم الملحمة، اليوم الذي أعاد للجيش المصري بل وللمصريين كلهم جزءًا من كرامتهم التي أهدرت في حرب الستة أيام، اليوم الذي استطاع فيه الجنود المصريون أن يثأروا لرفاقهم الذين لقوا حتفهم قبل ستة أعوام وأن يذيقوا جيش الصهاينة ذل الأسر ومهانة الانسحاب الذي ربما صادفه بعضهم في يونيو 1967. السادس من أكتوبر هو يوم العبور الذي اجتازوا فيه جسر التحدي وعبروا من الضفة الغربية لقناة السويس حيث سنوات من اليأس والإحباط إلى الضفة الشرقية حيث الكرامة والعزة. أسبوع كامل تبارى فيه القادة وجنودهم في الجلد والتحمل والالتزام، سبعة أيام من حسن التنظيم وروعة التخطيط اللذَين اقترنا بعظمة التنفيذ، فكان أن اقترب هذا الإنجاز من محو أثر النكبة التي عانى منها المصريون والعرب أجمع في حرب حزيران.

“إن حرب 1973 هي الحدث الأكثر صدمة في تاريخ إسرائيل الحديث، وترتبط الحرب في الذاكرة الجماعية الإسرائيلية بعدم استعداد الجيش الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن الجيش الإسرائيلي أثبت قدرته على تحويل الهزيمة إلى نصر قريب على الجبهتين الشمالية والجنوبية، تتذكر إسرائيل أن حرب أكتوبر هي أصعب امتحان لها منذ حرب الاستقلال” المؤسسة التعاونية الأمريكية الإسرائيلية.

لا يرى العالم حرب أكتوبر كما نراها نحن، ولا يسميها انتصارًا كما ننعتها، صحيح أن الغالبية العظمى تعترف بعبقرية التخطيط وإبداع الهجوم، صحيح أن ملحمة العبور كانت أعظم من أن يتجاهلها حتى الأعداء، لكن التفوق الواضح للقوات المصرية في بداية الحرب لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يغطي على النهاية الحزينة – كما أراها ويراها الكثيرون- لهذه المعركة، تلك النهاية التي لولا الانهيار الفكري الذي أصاب القيادة المصرية – السياسية على وجه الخصوص- لما كانت. سيتبارى مرتزقة التاريخ في تزييفه وطمس الحقائق رافعين شعار الوطنية في وجه من يشكك في كلامهم متهمين إياه بالخيانة على أسوأ الأحوال والجهل وجلد الذات على أفضلها.

فعلى مدار أكثر من أربعين عامًا هي عمر المعركة ظل خطاب النصر المبين هو السائد، توارى إلى جانبه أي حديث عن النتائج النهائية لهذه الحرب، تجاهل الجميع الحديث عن الأسباب التي جعلته نصرًا عسكريًّا من وجهة نظرهم، هذا النصر التي تكبدت مصر في نهايته عددًا من الشهداء يساوي تقريبًا نفس عدد قتلى الجيش الصهيوني (حوالي 8000)، ذلك النصر الذي خسرنا فيه مع سوريا أكثر من ألف دبابة و250 طائرة تمامًا كما خسر أعداؤنا. ترى كتب التاريخ العربية أن مصر انتصرت عسكريًّا وتتجاهل أن القوات الإسرائيلية عبرت إلى الضفة الغربية من قناة السويس وصارت على بعد 100 كم من القاهرة، بل وحاصرت الجيش الثالث في السويس حصارًا تامًا حتى وصل الأمر بالقيادة المصرية أن أفرجت عن جاسوس إسرائيلي بعد عدة أيام من قرار وقف إطلاق النار في أواخر أكتوبر في مقابل السماح بإدخال الطعام للجيش المحاصر!

“وقد ظهر لي أنه ليس من الممكن القيام بهجوم واسع النطاق يهدف إلى تدمير قوات العدو وإرغامه على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة، وأن إمكاناتنا الفعلية قد تمكننا – إن أحسنا تجهيزها- من أن نقوم بعملية هجومية محددة تهدف إلى عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف ثم التحول بعد ذلك للدفاع، وبعد إتمام هذه المرحلة يمكننا التحضير للمرحلة الثانية التي تهدف إلى احتلال المضائق، والتي ستحتاج إلى أنواع أخرى من السلاح وإلى أسلوب آخر في تدريب قواتنا” الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر.

لم يكن السادات راغبًا في تحقيق نصر عسكري كامل، لم يحلم بالمرحلة الثانية، لم يكن طموحه كطموح سعد الدين الشاذلي، ذلك الرجل الذي حلم يومًا بتحرير الأرض في الميدان لا في الغرف المكيفة. سيقول البعض إن ما تحقق في أكتوبر حتى ولو لم يكن نصرًا عسكريًّا كاملًا فهو نصر سياسي لا جدال، لكن نظرة سريعة لكتب التاريخ تخبرنا أن الإسرائيليين كانوا على استعداد تام لإعادة الأراضي المحتلة في يونيو 67 في مقابل اعتراف عربي واتفاقية سلام، وقد ظل هذا العرض ساريًا لفترة لكنه سُحب بعدما أصر عبد الناصر على لاءاته الثلاثة. إذن فقد انتظرنا ستة أعوام كاملة لنستعيد (بالسياسة) ما كان بمقدرونا استعادته (بالسياسة) قبلها ببضعة أعوام، وما كان مرفوضًا تمامًا في عهد (الزعيم) ناصر بدعوى الكرامة هو نفسه ما قبلناه في عهد (البطل) السادات بعد أن أضعنا نصرًا تاريخيًّا فقط لو أطاع الساسة العسكريون ولو استجاب السادات لنصائح الشاذلي بعدم تطوير الهجوم شرقًا لدعم السوريين الذين كانوا قد خسروا بالفعل بعد يومين فقط من بداية الحرب!!

وكما عودنا القادة العرب، أقيل سعد الدين الشاذلي في ديسمبر 1973 – بعد شهرين فقط من وقف إطلاق النار- وخلد التاريخ اسم السادات بل وأحمد إسماعيل كقادة أسطوريين لهذه الحرب، تمامًا كما فعل عبد الناصر في 1956 حين أدعى زورًا أن مصر انتصرت في العدوان الثلاثي، وكما فعل وأقال عبد الحكيم عامر وبقي هو في 1967. وفي الوقت الذي استقال فيه موشيه ديان وجولدا مائير تحت الضغط الشعبي كنتيجة لحرب يوم الغفران التي لم يهزموا فيها كليًّا، لم نرى قائدًا عسكريًّا مصريًّا يعلن فشله في أي من المعارك التي خضناها منذ نكبة 48 وحتى ثغرة الدفرسوار. هكذا تجاهلنا – عن عمد- الفارق الضخم بين عدد الأسرى المصريين (8000 أسير) والأسرى الصهاينة (240 أسيرًا) في حرب نُصرّ على تجاهل الحديث عنها بموضوعية فنطلق عليها نصر أكتوبر بينما هو فقط نصر العبور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد