من الأخطاء الشائعة التي أراها شديدة السطحية في طرحها أن انقلاب العسكر حدث بسبب: أخطاء الدكتور مرسي السياسية وإخفاق حكومة هشام قنديل!

ويتضح ذلك من إجابة السؤال التالي: لو لم يخطئ الدكتور مرسي (وهو المستحيل في حق أي ممارس للحكم سيما لأول مرة) ولو لم يكن لحكومة هشام قنديل أية إخفاقات (وهو المستحيل أيضًا في حق حكومة تواجه أزمات متراكمة عبر ستة عقود)، فهل كان العسكر سيعودون إلى ثكناتهم ويكتفون بمشاهدة المدنيين وهم يحكمون؟!!!

قطعًا الإجابة: لا، وهو ما سأوضحه من خلال السطور التالية.

* * * * *

تقديري الشخصي أن انقلاب 3 يوليو كان أحد سلسلة طويلة من محاولات الانقلاب على مكتسبات ثورة 25 يناير، وهو الوحيد الذي نجح – مؤقتا – في تحقيق هذا الهدف من خلال إزاحة أول رئيس منتخب في تاريخ مصر منذ آلاف السنين، وهو أعظم مكتسبات الثورة على الإطلاق، هذه المحاولات كان العسكر خلالها حريصين على البقاء خلف الستار والعمل من خلال أدوات غير واضحة الانتساب إليهم، ولكنهم لم يجدوا – بعد كل هذا الفشل – مفرًا من الخروج إلى العلن بوجوههم القبيحة الحقيقية، واستخدام المدفع والدبابة من قبيل (يا روح ما بعدك روح)؛ فانظر معي:

1- الاحتشاد والتخندق المسيحي/ الليبروعلماني / الفلولي ساعة استفتاء 19 مارس لاختيار كتابة الدستور بلجنة معينة من المجلس العسكري قبل أن يأتي نواب من الشعب: كان محاولة انقلاب فاشلة.

2- “وثيقة الجمل” صاحبة بدعة المواد فوق الدستورية التي تعطي العسكر قداسة من المس والمساءلة: كانت محاولة انقلاب فاشلة.

3- “وثيقة السِّلمي” التي لا تختلف عن سابقتها، مع مطالبات جنونية من البرادعي (وشركاه) للعسكر بأن يمدوا الفترة الانتقالية إلى 3 سنوات: كانت محاولة انقلاب فاشلة.

4- مذبحة محمد محمود التي تم فيها استفزاز شباب ملتهب الحماسة قصير النظر لتقوم معركة دموية يتم على إثرها تأجيل الانتخابات البرلمانية، وهي أول استحقاق شعبي حقيقي يجعل للمواطن – أي مواطن – رأيًا في مصير بلده لأول مرة منذ مئات آلاف السنين: كانت محاولة انقلاب فاشلة.

5- حل مجلس الشعب المنتخب عن طريق قانون مفخخ تبناه العسكر استنادًا لضغط القوى الليبروعلمانية: كان محاولة انقلاب فاشلة.

6- الدفع بشفيق (ممثل النظام السابق) إلى سباق الرئاسة وإعادة الاحتشاد والتخندق المسيحي/ الليبروعلماني / الفلولي وراءه (والذي أفشله الجهد والتنظيم فوق الطبيعي للإخوان): كان محاولة انقلاب فاشلة.

7- الاحتشاد والتخندق المسيحي/ الليبروعلماني / الفلولي لحل اللجنة الأولى لكتابة الدستور ذات الأغلبية الإسلامية (وفق استفتاء مارس): كان محاولة انقلاب فاشلة.

8- الإعلان الدستوري المكمل الذي انفجر قبل مجيء الرئيس المنتخب للقصر بأيام لينزع عنه صلاحياته ويمنحها للعسكر: كان محاولة انقلاب فاشلة.

9- الطعن في قانونية اللجنة الثانية لكتابة الدستور ومجلس الشورى المنتخبين (الذي أفشله الإعلان الدستوري للدكتور مرسي): كان محاولة انقلاب فاشلة.

10- الحشد لمليونية إسقاط الرئيس يوم 24 أغسطس 2012م مع تحريض للعسكر على دعمه (الذي أفشلته سلسلة إقالات قام بها الدكتور مرسي وعلى رأسها إقالة طنطاوي وعنان): كان محاولة انقلاب فاشلة.

11- مذبحة الاتحادية واقتحام قصر الرئيس لقتله مع التواطؤ المباشر من الحرس الجمهوري والداخلية الخائنة: كان محاولة انقلاب فاشلة.

12- خيانة 3 يوليو 2013م التي تم التمهيد لها طويلاً بحرق المقرات واستمارات تمرد المدعومة إعلاميًّا، والدعاية السوداء عن الرئيس وحكومته والإخوان: كان المحاولة الانقلابية الناجحة الوحيدة وإن كان انقلاب هذا النجاح إلى فشل ما زال واردًا، وإن حدث فستكون هزيمة حقيقية لدولة الجنرالات!

* * * * *

إذن فآلة الانقلابات بدأت هديرها منذ بدء الثورة، وقبل أن يطفو اسم محمد مرسي أو هشام قنديل إلى سطح الأحداث أصلاً، كما كانت دائرة من قبل دخول محمد مرسي إلى القصر بساعات ومن بعد توليه السلطة بقرابة الشهر (أي قبل أن يظهر له أية إخفاقات!).

وأهمية توضيح خطأ هذه الفرية أنها تُعَرِّي بعض الذين تخلوا عن الثورة من أبنائها السابقين أمام أنفسهم وأمام من يخدعونهم عندما يبررون تقاعسهم بـ”أخطاء مرسي والإخوان وحكومة قنديل”، بينما الحقيقة أن قعودهم وتخاذلهم إنما نتج عن خوف أو غباء أو خيانة:

خوف من مواجهة الخصم الذي يقتل معارضيه بلا رحمة وليس لديه تسامح الإخوان أو شرفهم في الخصومة!

أو غباء بتعجل الإنجاز من أول رئيس منتخب وحكومته بعد أقل من عام واحد فقط في الحكم!

أو خيانة بالتحالف مع العسكر لصنع (حالة كاذبة) تدعى 30 يونيو!

أخيرًا، عدم حدوث انقلاب في تونس هو في حد ذاته ما يؤكد ما سبق؛ ذلك أن قوى الثورة لم تصل إلى المرحلة التي وصلوا إليها في مصر، ولو فعلوا لكان سيناريو الانقلاب هو الأقرب للتوقع، وهو ما دفع حزب النهضة (إخوان تونس) استباق ذلك بعدم الدفع بمرشح إخوانيظ.

بل دَفَعَ الشيخ راشد الغنوشي إلى الدعوة إلى عدم دعم المرزوقي خشية أن ينجح فتنقلب الأحداث إلى مسار كابوسي وتصير تونس مصر أخرى!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد