أغمضَ عينيه في ملل منتظرًا سماع صافرة جهاز قياس الضغط التي تعلن انتهاء القياس وكتابة النتيجة على الشاشة، مبعث مَلَلِه هو قيامه بهذا الأمر عدة مرات يوميًّا، والنتيجة السيئة دائمًا: ضغط الدم مرتفع جدًّا.

أخبره أحد الأطباء ذات مرة أن قلبه يعمل بقوةٍ أكثر مما يجب، ولهذه الجملة دلالاتها عنده، بما هو أكثر مما يعنيه الطبيب، وأخبروه كذلك أنه ليس هناك سبب عضوي محدَّد لذلك: لا قلب، ولا كُلى، ولا غُدد، وأكَّدوا عليه مرارًا أن ضغط الدم المرتفع اسمه الشائع بين الأطباء هو القاتل الصامت، وأن له أضرارًا جسيمة لا يمكن توقُّعها بحال، وأن الالتزام بمواعيد الدواء هو — ببساطة ودون مواربة — تحايل على الموت المحقَّق.

دوَّت الصافرة ففتح عينيه ليستقرئَ الشاشة فوجدها 120/84.

«إن الجهاز يحتاج لتغيير بطاريات»، جالت هذه الخاطرة في رأسه بمجرد قراءته للأرقام، ولكن علامة البطاريات الممتلئة على الشاشة سرعان ما كذَّبته، ولكنه متأكد من وجود خطأ ما، فهو لم يتناول دواءه منذ أيام، وضغط دمه لم يصل لهذا المستوى منذ شهور، أطفأ الجهاز وأعاد تشغيله وأعاد القياس، هذه المرة النتيجة 120/80، ضغطُ دمٍ مثاليٌّ أكثر من اللازم، تمامًا كما تخبر الكتب.

ابتهج لذلك وأعلن ذلك لمن حوله، فبادره صديقه المنوفي بقوله إن الجهاز به عَطَب ما على الأرجح، بينما أخبره صديقه الطبيب في مكالمة هاتفية — بصراحة فجَّة — أن مرضى ضغط الدم المرتفع قد يتحسنون بلا سببٍ واضحٍ في أيامهم الأخيرة قبل أن تهاجمهم جلطة في المخ أو سكتة قلبية أو ما إلى ذلك.

لمزيد يقين، عرج إلى الصيدلية في عودته من العمل ليخبره الصيدلي بأن ضغط دمه «ضغط طيارين» كنايةً عن ضغط دم سليم تمامًا، لم يهدأ حتى أعاد قياسه بجهازه المنزلي ليتكرر الرقم 120/80.

تردد في ذهنه كلام صديقه الطبيب عن الأيام الأخيرة لمرضى الضغط المرتفع، ولكنه يدرك أن الأمر ليس كذلك.

كثير من مرضى ضغط الدم المرتفع ليس لمرضهم سبب عضوي معروف، إن كنت من سيِّئِي الحظ هؤلاء، فأنت بحاجة لمراجعة عاداتك في التفكير والشعور والتعامل مع الظروف المحيطة.

حسب الدكتورة لارا كُبزانسكي، الأستاذ المساعد بهارفارد في مقال منشور على موقع WebMD، فإن الغضب المتوسط المعقول الذي يُمكِّن صاحبه من إخبار الناس بأنه غاضب ليس كارثيًّا، إنما تكمن المشكلة في أولئك القابلين للانفجار الذين يصرخون عندما يشعرون بالضغط أو الغضب، وكذلك في الذين يكبتون غضبهم.

تُصرِّح كذلك أن العلماء ليسوا متفقين تمامًا حول ما إذا كان الغضب يلعب دورًا ما في أمراض القلب أم لا، رغم أن دراساتٍ عديدةً أثبتت أن هناك رابطًا جوهريًّا بينهما.

كيف يؤثِّر الغضب في ضغط دمك؟ في مقال نشرَتْه على موقعها، توضِّح جمعية القلب الأمريكية أنك حين تغضب أو تخاف أو تواجه موقفًا مليئًا بالضغوط فإن جسدك — بجانب الانزعاج العاطفي — يفرز هرمونَيِ الأدرينالين والكورتيزول إلى الدم، اللذين بدورهما يُعِدَّان الجسم لمواجهة هذه الضغوط أو الهروب منها على حدٍّ سواء، بجعل القلب ينبض أسرع ضاخًّا دمًا أكثر للجسم، كذلك تتقلص الأوعية الدموية، وهذا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع ضغط الدم الذي يُفترض به أن يكون مؤقتًا وأن يزول بزوال الموقف العارض.

السيِّء أن الحياة مليئة بالمواقف الضاغطة المتوالية بشكل قد يجعل ارتفاع ضغط الدم عادةً مُلازمة.

تنصح جمعية القلب الأمريكية في المقال مريضَ ضغط الدم المرتفع بأن يعالج ضغوطه في الحياةِ والعملِ بشكلٍ لا يتسبَّب في إيذائه، ورغم أنها تؤكد أن العلاقة بين ارتفاع ضغط الدم والشعور بالضغط نتيجة الظروف الحياتية ليست واضحة، إلا أنها تقدِّم حلولًا فعَّالةً جدًّا للتعامل مع الضغوط:

  • لا تتوقع الكثير، خفضُك من سقف توقعاتك يقلِّل من إحساسك بخيبة الأمل في كل مرة لا تتحقق فيها هذه التوقعات.
  • أعطِ نفسك وقتًا كافيًا لإنجاز ما تريد، إدارة الوقت الفعالة تقلل جدًّا من إحساسك بالانضغاط.
  • تعلَّم أن تقول «لا»، لا تَعِدْ بما ليس في مقدورك.
  • لا تخلط بين ما يمكنك التحكُّم فيه وبين ما هو غير قابل لتحكُّمك، أنت لا يمكنك التحكم في كل شيء. تقبُّلك لفكرة أنَّ هناك أشياء خارجة عن سيطرتك سيكون مريحًا لك.
  • حين تواجه مشكلة ما، ركِّز جهودك على ما يمكنك التحكم فيه فقط.
  • ادرُسْ نفسك. اعلم ما يثير غضبك وسخطك وقلِّل منه، إن كان بعض الأشخاص يؤثِّرون على حالتك المزاجية بالسلب، فببساطةٍ لا تقضِ معهم وقتًا طويلًا. لا تفكِّر في مواضيع مزعجة ما دام ذلك غير ضروريٍّ.

بالإضافة لنصائح جمعية القلب الأمريكية، يمكنك أن تتحكَّم في أعصابك — ومن ثَمَّ ضغط دمك المرتفع — بتدريب نفسك على عدم الإفراط في التفكير وإصدار الأحكام. إيمانُك بأنَّ تصنيفَ الناس وتنميطَهم غيرُ ضروريٍّ بالنسبة لك سيكون مريحًا، لا تدفع بمشاعرك — ولا حتى انتباهك — لمعارك خاسرة، وكذلك تجنَّب الجدال عمومًا، وخصوصًا مع الجهلة والأغبياء، دَعْهم يتعلَّموا من التجربة، وأنْ يتعلموا بعد فوات الأوان ليس أزمتك الشخصية.

وأخيرًا، أنا لا أطلب منك أن تتوقف عن تعاطي أدويتك المقترحة من الطبيب، فقط أُخبِرُك بوسائل تساعد في تقوية موقفك في معركتك مع ضغط دمك المرتفع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحة, ضغط الدم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد