من أكون أنا؟!

ليس الجواب على هذا السؤال بالشيء السهل أبدًا.. إنّك ما إن تحسب نفسك قد بلغت إجابته، حتى ينفلت منك إنفلات الزئبق، لا تدري بعدها كيف تحتويه فتمسكُه.

هل يختلف الإنسان عمّا كانه باختلاف سنين عمره؟ أو باختلاف ملامح صورته؟ أو باختلاف فكرِه وما يؤمن به؟ هل ابن العشرِين هو ذلك الصبي ابن العاشِرة؟ وهل سيكون هو هو بعد أن ينحنيَ ظهره ويشتعِل رأسه شيبًا؟ هل إذا التقيا ذات مرة سيتعرفان على شيء في كلٍ منهما يشبِه الآخر؟ أم سيتجاوز كل منهما صاحِبه دون أن يعرفه أو يُميّزه من بين تلك النسخ اللامنتهية التي مرت على هذا الكوكب واحتلت فيه أبعادًا للزمان والمكان مختلفة لأبعد حد؟

هل كلّ شيء فينا يتغيّر؟ وهل إذا تغيّر صرنا إلى شيء آخر غير ما كنا عليه؟ أم أنّ هناك في الأعماق جوهرًا ثابتًا لا تمسه سنة التغيير ولا يطَاله مِعول الهدم؟ هل أنا نسخ مختلفة تفترق عن بعضها كلما تحرك رقّاص السّاعة مغادرًا مكانه في مضمَار الزّمن حيث لا رجعة؟ أم أنا كلٌ مركب ونسخ جُمِعت إلى بعضها كعِقد جُمعت حبّاته ونُظمت، فهي معًا عقد يتلألأ لمعانًا وبريقًا، فإذا انفرطَت مِنه حبّة لم يصِر العِقد عقدًا، بل هو حبات منفرطة ليست في مجموعها بشيء.

ثم هل أكُون أنا مجرد صَدى ومرآة عاكسة للسيّاق الذي وجدت فيه؟ هل أكون أنا مجرد كينونة لا وجود لها إلّا وهي مرتهنة لحتميات الواقع الذي شكّلها ويستمر في تشكيلها جسدًا ونفسًا وتاريخًا وكيانًا اجتماعيًا وسياسيًا لا فكاك لها منه؟ هل أكون أنا مجرد عدد أو رقم في سجن أزليّ تعتبر أيّ محاولة للفرار منه محاولة للانتِحار والتَلاشي أو ضربًا من الخيانة والانتكاس على ما تفرضه عليّ سلطة الأخلاق والقيم والأعراف وكل ما من شأنه أن يقوض كل انطلاقة لديّ نحو أن أكون ذاتًا لا قيّد عليها ولا كبَاح لجماحها، ذاتًا ترفض أن تُخترق ولا تنقاد إلا للحريّة على إطلاقها.

هل لا أكون أنا إلا وفق هذا الصراع الذي أخوضه لأُخلص نفسي ممّا أنا عليه؟ لأتحرّر من كل قيد، للأتمرَد على أيّ سلطة لا تجمعني بها إلا فكرة الأمر الواقع، فكرة أني ولدت هُنا وكبرت هنا وصرت ما أنا عليه في حدود هذا الزمكان الآسر بالألقاب (العرق، الجنسية، الطبقة الاجتماعية…)، لكن ألا يكون ذلك في المقابل سوى يوتوبيا حالمة؟ ألا يكون ذلك سوى معنى آخر للتلاشي؟ للّاوجود والعدم. ألّا يكون الانعتاق من كل ذلك، ما هو إلا طريق للهروب منك، لتحطيم ذاتك، سوى محاولة خرقاء للانتحار بحثًا عن الحياة.

ثم ما حقيقة وجود هذا الصراع من الأساس، وهل يستطيع الإنسان أن يعي ذاته المتفرّدة بعيدًا عن هذا العالم، بعيدًا عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أم أنّ هذا المجتمع بتلافيفه المركبة ليس في الحقيقة إلا جزء من هذه الكينونة التي تتشكل شيئًا فشيئًا، يومًا بعد يوم، إلا جزء منا، وأن كل محاولة لنقل صِراعاتنا الداخلية تلك إلى خارج أسوار ذواتنا ما هي إلا محاولة للهرب وتحويل بوصلة الصراع وعناوينه من كونّها أسئلة أخلاقية قيمية إلى أن تكون أسئِلة عن الحريّة في مقابل سلطةٍ نُحاول جاهدين أن نلقي بظّلال صراعاتنا عليها.

هل؟ وهل؟ وهل؟ أراني في كل مرة أحاول أن أجيب، فأعجز وأتيه فِيْ وأجهل من أكون، ولكني أحاول. قد لا أكون أنا إلا عابر سبيل دخل هذه الدنيا ليس له منها إلا حقيبة سفر يصطحبها حيث ما حل، يحمل فيها ذاته. ذكريات اللّحظات العابرة، صور القلوب التي أحبها وأحبته، أسماء الأصدقاء، وعناوين الشوارع، ضحِكات الطفولة وطيش الصبا، وانطلاقة ما بعد العشرين. يحمل فيها الأفكار التي جرب صلاحيتها، والكلِمات التي ملكت عليه مجاميع قلبه وعقله، ويحمل فيها كذلك دروس الحياة الصعبة وتجارب الماضي بأخطائها وصوابها، يحمل فيها سِجل فشله وشهادات نجاحه.

باختصار.. يحمل فيها كل ما لا يُحِبُ أن ينسَاه، وكلّ ما لا يَجِّبُ أن ينسَاه. وينطلق في عالم مليء بالبدايات، مليء بالنهايات، وهو المسافر يرى في كل محطة النهاية والبداية، اليأس والأمل، الخوف والرجاء، الفشل والنجاح، السقوط والنهضة، الظلمة والنور، الكره والمحبّة، الهزيمة والإنتصار. وهو بين كل هذه المتناقضات الباحث دومًا عن شمس مشرقة، وأمل ساطع، وحقيقة كاملة يعرف في ظِلِّها من يكون.

قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162 ﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد