لا يستطيع أحد أن يمنع نفسه من التأثر بما حدث في سيناء يوم الخميس الماضي، خاصة في ظل بكاء أهالي الشهداء وكذلك رسالة الفتاة آية هشام لخطيبها الذي استشهد في الهجوم الإرهابي الغادر، إلى ما هنالك من عشرات المواقف الإنساتية المأساوية للأسف الشديد.

لكن وقبل كتابة هذه السطور، حاولت أن أحافظ على اتزاني وتفكيري بمعزل – قدر المستطاع – عن عاصفة الغضب والبكاء والهيستيريا التي اجتاحت القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي سيطرت عليها دعوات عاطفية وغير منطقية بإبادة الجميع أو بفتح باب التطوع للذهاب لقتال أعداء الوطن، دون أن يعلم المتحدثون أو المطالبون بذلك من سيقاتلون أو أين أو كيف؟

وفي ظل ارتفاع حالة الاستقطاب الموجودة حاليا في مصر، لن يكون من المفيد كتابة مقال للرأي تعبر فيه عن وجهة نظرك الحالية فيما يجري في سيناء، فحالة الاستقطاب في أعلى درجاتها، والغضب يملأ الأنفس والإحباط يتزايد في كل يوم، والعقلاء تبحث عنهم كالإبرة في كوم من قش، وبات مستوى النخبة أكثر انحطاطا من مستوى العامة، فلا تجد آذانا تسمع، ولا عقولا تفكر، إضافة لألسنة لا تنطق إلا بالجهل أو الكذب أو بالاثنين معا، أما العيون فلا ترى إلا ما يرضي أهوائها للأسف الشديد.

لذلك، قررت أن أتراجع خطورة للوراء وألا أتدخل من قريب أو بعيد في فرض وجهة نظري، ولكنني سأعلق على الأحداث من خلال وضع13 سؤال أطرحها على القارئ تاركا إياه يبحث وحده عن إجاباتها للوصول إلى الحقيقة، إذا ما أراد ذلك، أما أن لم يجد إجابة لها، فأنصحه بالوقوف موقف المتفرج بدلا من الانحياز لآراء وأفعال ربما يندم عليها يوم ما.

دعونا لا نكثر الحديث ونبدأ في استعراض الأسئلة واحدا تلو الآخر:

1– جميعنا يعلم أن الجماعات الجهادية في سيناء قد نشأت منذ عهد مبارك وزاد تمددها بمرور الوقت، ولم تستثنِ هجماتها على مدار هذه السنوات الحكومة المصرية بغض النظر عن الجهة الحاكمة سواء كانت منتخبة أو مؤقتة أو غيرها، فنجد أن خمسة حكام حكموا مصرفي السنوات الأخيرة “مبارك – طنطاوي – مرسي – عدلي منصور – السيسي” وجميعهم قد نالهم الأذى من خلال هجمات الجماعات الجهادية في سيناء،
ليكون السؤال الأول:

هل تعتقد أن هذه الجماعات تتبع أي كيان سياسي موجود في مصر حاليا؟

وإذا كان، فلماذا لم تتوقف هذه الهجمات عند وصول أي منهم للسلطة؟

فهل يقف العسكريون أو الإخوان وراءها؟ أم أنها تعمل بصورة مستقلة أو بدعم خارجي؟

وإذا كان الإخوان أو العسكريون يقفون وراءها، فلماذا لم تتوقف هجماتهم عند وصولهم للسلطة بعكس مصلحتهم؟

أما إذا كان هناك طرف خارجي فمن له مصلحة في إثارة القلاقل في سيناء؟ ومن له القدرة على ذلك وهو السؤال الأهم؟

 

2– من المعروف أن من يتحكم في سيناء هم البدو، العارفين بتفاصيل الجبال والممرات والأنفاق، وأن ولائهم لم يكن يوما للدولة المصرية، وأنه في حالة الفوز بولائهم فلن تعيش أي قوة خارج إطار الدولة المصرية يوما واحدا، لذلك دعونا من ما تتناقله وسائل الإعلام بأن قبائل سيناء تفتدي مصر بدمائها، فالجميع يعلم أن الحقيقة على الأرض تختلف تماما عن ما يروج له في وسائل الإعلام للأسف الشديد.

وجميعنا يعلم معاناة أهالي سيناء عبر عشرات السنين من القمع والاضطهاد والاستبعاد من دخول أجهزة الدولة السيادية، فهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية وربما الثالثة، ولم تفكر الحكومة يوما بالتعامل معهم بالطرق السياسية، وإنما استخدمت معهم كل الأساليب القمعية والأمنية، إضافة لعدم قيامها بتطوير البنية التحتية أو التعليم أو المرافق أو إنشاء مشاريع اقتصادية عملاقة تحتويهم على مدار عشرات السنوات.

ولم تترك لهم مفرا غير تجارة السلاح والمخدرات والتهريب بكل صوره، فهل تعتقد حقا أن جميع أهالي سيناء أو معظمهم أو حتى بعضهم على استعداد للتخلي عن مصالحه والإبلاغ عن العناصر الجهادية التي تشتري وتبيع له، من أجل من يهينه ويهدم منازله ويهجره من أراضيه؟

 

3– إذا ما نظرنا للعملية الإرهابية الأخيرة التي بدأت بقصف الكتيبة 101من الجهة الشرقة والغربية بمدافع الهاون، تبعها إطلاق قناصة لنيرانهم على المعسكر، ثم دخول سيارتين مفخختين داخل القاعدة العسكرية وتفجيرهما تحت غطاء ناري كثيف، لتنتهي العملية دون سقوط قتيل واحد في صفوف المهاجمين؟

ألا يجب أن نسمي هذا بالتقصير الأمني الفاضح والساذج؟

لماذا لا تتم محاسبة أيا من المسئولين أو إقصائهم من مناصبهم مثلما يحدث في أي دولة محترمة، فعلى سبيل المثال قامت الولايات المتحدة في يوم 1-10-2013 في أفغانستان بعزل قائدين عسكريين الميجر جنرال تشارلز جورجانوس أكبر قائد لمشاة البحرية في المنطقة في ذلك الوقت والميجر جنرال جريج ستورديفانت، لأنهما فشلا في الدفاع عن قاعدتهما العسكرية التي دمر فيها عدد من الطائرات بقذاف المورتر.

 

لماذا لا نقوم أبدا بمحاسبة قادتنا على الدماء التي أريقت بسبب تقاعسهم وإهمالهم وسذاجتهم؟

 

4– الفشل الأكبر ليس فقط فشلا عسكريا، لكن الفشل الأكبر هو فشل استخباراتي معتاد في الآونة الأخيرة.

فلماذا لا تتم محاسبة المسئولين من المخابارت الحربية والعامة على عدم التنبؤ بوقوع مثل هذه الهجمات؟

وإذا كانت هذه الأجهزة عاجزة عن التنبؤ بهجوم يحدث داخل مصر فكيف سيكون حال أدائها في خارج القطر المصري؟

5– من الواضح أن ما يصلنا من الأحداث على الأرض في سيناء لا يمثل نصف الحقيقة أو ربعها ولا حتى عشرها، فعندما نشاهد فيديوهات تظهر فيها جماعات إرهابية تنصب كمائنها على طريق العريش الدولي في وضح النهار بكل هدوء ولفترة طويلة وتقوم بتفتيش السيارات والبحث في هوياتهم ثم تقوم باختطاف ضابط شرطة وقتله، فإن هذا لا يعني سوى أن الوضع قد أصبح كارثيا، وأن قوات الجيش والشرطة هي من يختبئ في سيناء للأسف الشديد لا الجهاديين كما يظن البعض.

فلماذا تستمر الدولة في تعتيمها وإيهام مواطنيها بعمليات تحت مسميات نسر والثأر وغيرها، دون تحقيق أي نتائج حقيقية على الأرض؟

 

6- بالطبع كلنا متضامنون مع الضحايا من العسكريين، ولكن لماذا يتم دائما التباكي على الضحايا من العسكريين بالرغم من أن معظمهم مدنيين يقضون فترة تجنيدهم لمجرد ارتدائهم الزي العسكري، بينما يتم التشكيك في وطنية ضحايا المدنيين الذي يتساقطون على أيدي الشرطة ليل نهار في شوارع القاهرة؟ هل الدماء المصرية غالية فقط عندما ترتدي ملابس عسكرية أو شرطية؟

7- من أين حصل هؤلاء الإرهابيون على السلاح؟ لكن وقبل اتهام أي طرف دعونا نستعرض حدود مصر :

• حدود مصر الغربية مع ليبيا طولها 1049 كليو متر.

• حدود مصر الجنوبية مع السودان طولها 1280 كيلو متر.

• حدود مصر الشمالية البحر المتوسط طولها 995 كيلو متر.

• حدود مصر الشرقية البحر الأحمر طولها 1941 كيلو متر.

• حدود مصر من ناحية الشمال الشرق مع إسرائيل 265 كيلو متر.

• حدود مصر مع غزة طولها 14 كيلو متر.

فلماذا نعتقد أن الحدود مع غزة التي يبلغ طولها 14 كم والتي تم إخلائها من المنازل وإنشاء منطقة عازلة فيها هي منبع هذه الأسلحة بالرغم من قصر طول الحدود ومراقبتها المكثفة من قبل أجهزة امنية مصرية وإسرائيلية وعالمية إضافة لقوات دولية؟

كما أن عمليات التهريب تكون عبر أنفاق تحت الأرض لقطاع محاصر تماما من إسرائيل يبحث من خلال أنفاقه على توفير طعامه واحتياجاته الأولية إضافة لسلاح لمقاومة إسرائيل، بينما نقوم بتجاهل حدودا ليبية منفلتة وأخرى سودانية لا تقل انفلاتا بطول 1049كم و 1280 كم على الترتيب فمن هي الحدود الأخطر؟

أما السؤال الأهم فهو لماذا لا نهتم بالحدود مع إسرائيل البالغ طولها 265 كم؟ مقارنة بحدود طولها 14 كم مع غزة محاصرة بالكامل؟

8– إذا ما فكرنا في الطرف الذي يناصب العداء لمصر، هل هم الإسرائيليون الذين خاضوا أمامنا 4 حروب قتل فيها الآلاف؟ أم الفلسطينيون الذين يرون في مصر قائدة ومناصرة لقضيتهم؟

 

9– إذا ما نحينا الحب والكره جانبا، من الطرف الذي يمتلك السلاح والمقومات والقدرة على خلخلة الدولة المصرية وإمداد أعدائها بالسلاح، هل هي دولة إسرائيل بكل ما تمتلكه من تكنولوجيا وترسانة وأسلحة متطورة إضافة لأجهزة استخباراتية من أقوى الأجهزة في العالم، أم حركة حماس العاجزة عن حماية القطاع الصغير المحاصر بهجمات الطيران الإسرائيلي إضافة لعدم قدرتها على إيقاف عمليات الاغتيال التي تستهدف قادتها في غزة وخارجها من آونة لأخرى؟

ولماذا ترفض إسرائيل السماح للجيش المصري بدخول قوات ومعدات ثقيلة إلى المناطق أ و ب وفق اتفاقية كامب ديفيد؟
10– إذا افترضنا جدلا أن حماس المحاصرة بين إسرائيل ومصر، قد أصابها الجنون وقررت استعداء الطرف الوحيد الذي يفترض أن يكون حليفا لها، من أجل نصرة الإخوان المسلمين، فلماذا نمت هجمات هذه الجماعات عندما وصل مرسي نفسه للسلطة؟

هل من مصلحة الإخوان وحماس وقتها تهدأة اللعب حتى يتمكن الإخوان من الحكم أم إثارة الغضب الشعبي والقلاقل اللذان كانا من أسباب إسقاطه؟

11– في الوقت الذي قامت فيه دول أوروبا برفع حماس من قائمة المنظمات الإرهابية في نهاية عام 2014، لم يتبقَ سوى إسرائيل والولايات المتحدة من الدول الكبرى التي تضع حماس على قائمة المنظمات الإرهابية، ألا ترى أنه من الغريب وضع حماس كمنظمة إرهابية في مصر في موقف يتوافق مع الموقف الأمريكي والإسرائيلي؟

حسنا، إذا ما افترضنا حسن النية، فكيف تتوافق هذه الرؤية مع الرؤية الزاعمة تورط حماس بما يحدث في سيناء وتنفيذها لمخطط إسرائيلي – أمريكي لتدمير مصر، وفي نفس الوقت تضعها الدولتان على قوائم الإرهاب؟ بل تخوض حروبا مع إسرائيل ويقتلون بعضهم بعضا؟ هل هذا فقط من أجل إقناع الرأي العام في مصر؟

 

12– لماذا لم نسمع على مدار 4 سنوات عن اعتقال أحد عناصر القسام في مصر ممن يتورطون في مثل هذه العمليات؟ هل أصبحت حماس بهذه القوة القادرة على اختراق أقوى جيش عربي دون سقوط ضحية واحدة منها على مدار 4 سنوات؟ ولماذا لم نر اتهامات لأسماء بعينها؟

وجميعنا يعلم أن القوائم التي أعلنتها القاهرة في وقت سابق واتهمتهم بتنفيذ مجزرة رفح الأولى كانت كارثية!! بعدما تبين أن كشوف أسماء المتهمين تضمنت أسماء لقيت حتفها قبل سنوات في حرب 2009 أمام إسرائيل ومنهم من هو معتقل في السجون الإسرائيلية منذ عشرة أعوام؟

 

وإذا كانت هذه القوائم صحيحة، لماذا لم يتم اعتقال أيا من قادة حماس عند دخولهم القاهرة لعشرات المرات؟

 

13– دائما ما نسمع عبارات تؤكد على استقلالية القضاء المصري، ولكن إن كان ذلك صحيحا، لماذا لم يصدر قرار إدراج حماس على قوائم الارهاب إلا بعد يوم واحد من الهجوم الإرهابي على قوات الجيش المصري وليس في أي وقت آخر؟

هل كان القضاء في انتظار مثل هذا الهجوم حتى يثبت بالدليل القاطع لديه أن حماس منظمة إرهابية؟ وحتى إن كان كذلك أليس من المفترض أن تنتظر نتائج التحقيق أولا؟

عزيزي القارئ، قبل أن تهاجم أي طرف سياسي وتتهمه بقتل إخوتك وأشقائك في الوطن، عليك أولا أن تجد إجابات على الأسئلة الماضية، وأن تقنعك إجاباتك قبل أن تقنع أي شخص آخر. أما النصيحة الأهم فهي: إذا كنت تريد مهاجمة عدوك، فعليك أن تتعرف عليه أولا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد