لماذا يكون قوة غراء وجهك الخشبي أهم بكثير مما تخفيه خلفه من وجهك الحقيقي؟

الكل يريد أن يبقى بصورة الأحسن والأبهى، بصورة الكمال والحقيقة. ولكن لا أحد كامل، لذا يجب علينا نحن البشر أن ننتقص من قدر أشخاص آخرين لنشعر نحن بنشوة الكمال المبتغاة، إنها حقيقة تاريخية مثبتة. إن «13 reason why» لا يتحدث فقط عن فتاة مغتصبة جرت إلى الانتحار، إنه يتحدث عن النقطة الأكثر ريبًا في الطبيعة البشرية والأبعد عن المنطق هو أن تحاسَب الفتاة عن سمعتها أنها اغتصبت ولا يحاسب الفتى عن فجر ما فعل. وإن كنت بعيدًا عن الوسط الأمريكي فعليك أن تعلم أن 1 من أصل 5 فتيات يغتصبن قبل التخرج! فموضوع العمل ليس فنتازيا أو تجسيدًا فلسفيًا للذات الإنسانية، وإنما رصد لواقع ملموس.

فكرة الانتحار لدى هانا بيكر لم تكن وليدة لحظة الاغتصاب، بل هي سلسلة من أحداث أوصلتها لتلك النقطة وقد بدأ العد منذ دخولها المدرسة الثانوية في مدينة مختلفة عنها بناسها وأماكنها. وكان أولهما جاستن فلويد «أول قبلة لها»، وشخص بهذه المكانة الوجدانية لديها بين ليلة وضحاها أثار فيديو لعلاقتها معه ليشعل الفصل حول ذكوريته الفجة، وليفخر بتعدد علاقاته وانبطاح الفتيات له واحدةً تلو الأخرى. وبالطبع فإنها غلطة هانا لماذا فعلت هذا من الأساس؟! فلنكمل وستغير رأيك الشرقي الذي يبدو أن له مثيلاً في الخارج.

الثاني أليكس ستاندل صديق هانا هو وجاسيكا صديقة هانا، والذين باعوا صداقة هانا في مقابل حبهما المتزايد بعضهما لبعض كعاشقين، جيد ولكن ليست العظة الأساسية هنا ألا نخون الصداقة في مقابل الحب، وإنما في التقييم. فكرة أن يقيم المرء على حسب جسده– أو أي شيء آخر مادي – فكرة فظة، العجيب لدى جسيكا أن سبب غضبها كان أن ستاندل – صديقها – قيم مؤخرة هانا بدلاً من أن يقيم مؤخرتها هي – وليس فكرة أنه يضع تلك المواصفات كمصدر تقيم من الأصل – ولذا لطمت هانا وصارت إلى حبيبها!

وبعد ستاندل وجاسيكا يأتي تايلر وكورتينا، وهم من المكروهين اجتماعيًا الذين صارت هانا بعد الإشاعات من ضمنهم لذا أيتركونها؟ لا بالطبع؛ فكورتينا استغلتها لتتظاهر فقط أنها ليست تلك المنبوذة اجتماعيًا ولتصحبها معها إلى الحفلات التي يقوم بها زملاؤها الأغنياء في بيوتهم. ولأن كورتينا تلك أصلاً قبيحة لذا يجب أن تكون صديقة لـ«دعنا نقول فتاة سيئة السمعة»؛ لذا قررت أن تجعل تايلر هذا يصورها معها فضلاً عن أنها ادعت أنها تملك sex toy أي بالأحرى أنها فتاة لعوب وشبقة.

وبعد خمسة فصول خصت تلويث السمعة لم تفكر قط فيهم هانا بيكر بالانتحار، ولكن تلك السمعة يجب أن يصحبها محاولة البعض استغلالها، وهو ماركوس الذي حاول أن يدعها تلمسه على أنها مزحة ليس إلا، بدأت فكرة الانتحار تظهر فعليًا لدى هانا، وساعدتها المدرسة ببعض الكلمات المكتوبة كتشجيع لها. ولما حاول زاك ديمبس أن يصالحها لما فعل ماركوس نفرت منه ونهرته، فلم يفكر ديمبس الغبي بأنه يمكن أنها تكون مضغوطة، لذا تتعامل بفظاظة وحاول مرة أخرى، أو حتى تركها لحالها، بل أراد الانتقام منها لفظاظتها بسرقة أوراقها التي كتبتها المدرسة لترفع من معنوياتها، فما بدر منه ليس شفقة وإنما سخرية. والذي سرق شعرها الجميل راين شافر وإذاعته في الإذاعة لكي تتم التشفي والسخرية من ألم هانا، وهنا تأتي العظة المكتوبة في البداية: الإحساس بالنصر حينما يتألم غيرك يجعلك تشعر بالكمال، والسخرية من رقة وضعف غيرك تجعلك تشعر بالقوة.

ولكن أين بطل الرواية من كل هذا هل يحمل خطيئة هو الآخر؟ كلاي جونسن خطيئته أنه كان خائفًا من أن يحبها كما قال هو بنفسه إنه كلفها حياتها نتيجة هذا الخوف! خاف من أن يرفض أو أن ترهقه علاقتهم، إنه يريد السلام مع ذاته وأن يلزم الحياد، ولكن أحيانًا يكون الحياد شر موضع من الخطأ ذاته.
وأخيرًا والذي زاد الطين بلة اغتصابها من مغتصب صديقتها جسيكا – وهى سكرانة دون وعي.

برايس واكر الفتى الغني المدلل الذي يعيش في منطقة القصور من المدينة، والتي ذهبت إليه جسيكا بقدميها. ويبدو برايس هذا من تعامله مع أصدقائه وكرمه معهم ولطفه أنه ليس ذاك الشخصية المتنمرة الوقحة المغتصبة، ولا حتى الرعديد الشبق أمام مؤخرات النساء، إنه فتى عادي بل إنه فتى لطيف إلى درجة كبيرة، إنه فقط يشعر أن الكل ملكه وأنه على حسب كلامه مع كلاي في النهاية، يقول إنها كانت تتوسل إليه المعاشرة! إنه يفعلها ليتلذذ أو كما قالت المشجعة زميلتها في التحقيقات إنه يرانا مجرد أشياء تشجعه على لعب المباراة وهو من سيأخذ التصفيق في النهاية. إن المجتمع كله وضعهم في قوالب قوية على أنهم مجرد شيء لا روح فيه، وأن برايس واكر بخل حتى أن يبذل مجهود الكذب الذي اجتهده جاستن لينال هانا بيكر، وإنما انقض عليها كالوحش وكأنه لن يحاسب.

هل كان مخطئًا في أمر أنه لن يحاسب؟ من واقع ما قاله مستر بورتر «الموجه»، والذي لجأت إليه هانا، أنه طلب منها أن تغض الطرف عن الموقف، أن تتناسى ما حدث، وأنه بعد شهور قليلة سيخرج هذا الفتى من المدرسة نهائيًا لانتهاء من الدراسة! كانت تريد من يساندها ويقف بجانبها تجاه ذلك العالم المتنكر في ثوب الفضيلة، برايس واكر الكريم فتى الرياضيات المرغوب هو في الواقع مغتصب. أما هي الفتاة طيبة القلب العفيفة قد أثبت برايس عليها العكس عبر الاغتصاب، وأثبت الآخرون عليها الرذيلة وهي في قمة عفتها قبلاً! الآن هي كما يقولون، هي ما زالت تنعت بالعاهرة بالأقلام على جدران الحمامات والأشجار، وهو ما زال يقابل بالتحية كبطل أحرز الأهداف في الرياضات المختلفة، إنها نهاية بيكر، نهاية الفتاة الطيبة، حقًا لم تعلم كيف تدعي الكمال أمام وحوش غير أسوياء علموا كيف يدعون الكمال.

وسريعًا سنعرض المسلسل من منظور تكنيكي؛ فالكادرات واقعية وطبيعية جدًّا، وأغلبها ثابتة حوارية بين متحدثين وكان يمكن للمخرج أن يصور المسلسل بطريقة أفلام الإثارة من الإضاءة الخافتة والألوان المائلة إلى الزرقة إلا أن اختياره للطبيعية والواقعية كان أذكى؛ حيث إن مغزى المسلسل تصوير حدث مأساوي أكثر منه الإثارة والغموض في القصة.

أما المونتاج فيجب أن نلقي الضوء على أن المسلسل كله حدثين متوازيين، الحدث الأول هو سرد هانا للقصة، والثاني هو تتبع كلاي للأماكن وأشخاص القصة، والدمج بينهما كان ذكيًّا جدًّا؛ حيث يمكن أن نرى كلاي في ظهر هانا في لقطة واحدة كأنه يعيش قصتها ويرى مكانًا ما مثلاً منزل برايس، فيفصل إلى الحفلة ويذهب لمكان الحادثة التي وقعت بسبب أن صديقة هانا أوقعت لافتة السير «توقف»، ويصور وكأنه يرى الأحداث. كل هذا كان خيارًا موفقًا أفضل من القطع البارد من قصة للسر دون أن يرتبطوا ببعض.

أما الحوار وطريقة التمثيل، فلهما شكل خاص عندي، فأغلب الممثلين، وإن لم يكونوا فعلا في السادسة عشر، إلا أنهم لم يتخطوا بعد العشرين، وكلهم لم يمثلوا الشر بشكل قالبي، ولم يمثلوا الغضب والغيرة والسخرية بشكل فظ ومكرر، وإنما كان الأقرب لواقع الأمور فكانوا كما يقال يتصرفون على أنهم الشخصية ولا يمثلون الشخصية.

أما الموسيقى المصاحبة؛ فكانت وحدها قصة، فاختيار أغاني مغنيين من الجيل الحالي ليوضعوا في خلفية الأحداث كان عملاً عصريًّا وملائمًا ومعبرًا عن المرحلة العمرية للمراهقة، والتي بدت ملائمة أكثر من موسيقى آلية – أي ليست أغاني بل آلات موسيقية– مصاحبة ولو عززت مواقف كثيرة.

وأخيرًا علاقة الكاتب بالمسلسل قوية للغاية والتعديلات طفيفة – وهذا لقوة العنصر البصري لدى الكاتب حتى في مشهد الانتحار التي أوصل للقارئ بصريًا إلى حالة نفور، ولم يلحظ القارئ سذاجته وهو يرهب من مجرد سطور مكتوبة.

والتقييم العام للمسلسل أن له هدفًا نبيلاً وغاية حسنة وروح مرحة، حتى خلال ما يتناوله من قضية صعبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صفحة المسلسل على imdb
عرض التعليقات
تحميل المزيد