– يقف الأستاذ ناظر المدرسة متنبهًا ملتزمًا بتطبيق القواعد والروتينيات اليومية المفروضة كل صباح، ومن أهمها: “الطابور”، وهو من أهم مميزات مدارسنا التي تمتلك دون سواها نظامًا تعليميًا رفيع المستوى على أعلى درجات الكفاءة والانضباط، حيث يلتزم الجميع من الوزير إلى غفير المدرسة بنظريات منظومتهم البيروقراطية المتحدثة المحافظة على أسس التعليم التي بنينا عليها أمجاد السنوات السابقة ليصعدوا ببلدنا إلى مصاف الدول الزاهدة علميًا ممهدين لعصر من القرارات المفرقعة والزيارات المفاجئة التي تنشد مراقبة عدسات المصورين دون مراقبة المؤسسة ذاتها، مؤسسين لأجيال من الدراويش السكارى عن طريق العلم، واضعين نصب أعينهم الوصول لأعلى مركز، ذلك الذي نقبع تحته مباشرة ويبدو أننا لم نكتف به فقد تعودنا المثابرة وسنظل عاملين مجتهدين من أجل الوصول للمركز140 والأخير على مستوى العالم في مستوى جودة التعليم.

كل صباح لابد للأستاذ الناظر وفريق الجهابذة من الموظفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة أن يثقلوا كاهل التلاميذ بالوقوف لما يقرب من النصف ساعة أو يزيد بفناء المدرسة (الحوش)، هؤلاء المساكين أبناء جموع الشعب العامل أو أبناء جميع الطبقات، وإن كان قطاع التعليم الحكومي الذي نتحدث عنه يكتظ بأبناء الجموع تلك. يقفون مؤدين تمارين لا تمت للرياضة بصلة، ولا أدري حقـًا من أي قاموس خرج بها هؤلاء، فيبدو أنهم جاءوا بها من الألعاب الأوليمبية بالعصور القديمة حيث وقف إله الحكمة المصري “تحوت” على قمة جبل الأوليمب بعد دعوة  اختصته بها “آثينا” إلهة الحكمة والتخطيط دونـًا عن باقي الآلهة المجاورة لمجلسه، وقف يسجل أحدث ما وصلت إليه أساليب التنشئة الجماعية وما صارت إليه التمارين البدنية، عائدًا به إلى مصر مطبقـًا إياه كطوابير للصباح بالمعابد ودور العلم.

– السؤال هو: لماذا تصر المنظومة التعليمية على التمسك بعادات و”تقليعات” مضت عليها الأزمان وثارت عليها الأفكار والنظريات العلمية والتربوية؟، وقد كان الطابور في صغرى عندما كنت تلميذًا بالمدرسة- خصوصًا الابتدائية – من أشد ما يصيبني بالحنق واستنكار واستحقار واستحمار العملية التعليمية بأكملها. فما هي الإضافة التي يجنيها الطالب جراء وقوفه مسلمًا رأسه للشمس مصغيًا لتلك الأصوات الصاخبة الصادرة من الميكروفون الـ “wireless” والذي يتنافس عليه المدرسون فتروح آذان الصغار ضحية لأصواتهم المنكرة.

يقف التلميذ منفذًا مجموعة من الحركات المملة الرتيبة التي تضفي على اليوم رتابة ومللاً لا داعي لجمعه إلى جانب رتابته الطبيعية غير المكتسبة، وما تلك الفائدة من أستاذ تربية بدنية أو كما نسميه “مدرس الألعاب” والذي تلتهب حنجرته كل صباح مشددًا على ضرورة الانضباط في الوقوف والحركة وعدم الكلام؟ ذلك الأستاذ الذي يتهرب فيما بعد من صميم وظيفته وهي حصة التربية البدنية “الألعاب” ذاتها والتي من المفترض أن يتقاضى عليها راتبه، ويؤثر الراحة من الصداع و”وجع الدماغ” على أن يسمح للتلاميذ بممارسة حقهم في التربية البدنية والرياضية المحرومين منها، وما الفائدة من إذاعة مدرسية مملة ومعادة ومكررة ولا طائل منها؟ اللهم إلا تناوب السخرية بين التلاميذ بعضهم بعضًا؟ وما العائد من الانضباط العسكري الرتيب الذي يُملى على الأطفال كل صباح وما الغرض منه؟ وماذا يرسخ بذهن الصغار؟

 

بل ما الغرض أساسًا من مدرسة تحتل المركز 139 من 140 على مستوى العالم؟ وتظل تنادي “الجودة الجودة”، وتلقن تلاميذها رسالة المدرسة “تعليم عالي الجودة في ظل اللامركزية، …..” هل تضاف تلك الرسالة إلى قاموس المحفوظات التي لم نستوعب إحداها ولم ننفذها يومًا.

– عندما تبحث عن التعليم بدول كأمريكا، فرنسا، بريطانيا، ماليزيا، أو اليابان، تجد مدرسة بلا أسوار باعتبارها ليست سجنًا، وبلا طابور لأنها ليست ثكنة عسكرية، تتزين فيها المعامل بأحدث الميكروسكوبات والأجهزة، وتزخر فيها المكتبات بأفضل الكتب في جميع المجالات وتكتظ بالتلاميذ المطالعين، تجد ملاعب السلة والكرة وأحيانا حمامات السباحة، هناك تجد عالمًا حاز نوبل وقد تخرج من قبل في ثانوية حكومية دفعته إلى الأمام ودعَّمت عقله وإبداعه، ولاعبًا شهيرًا بدوري- “NBA”  لمحترفي كرة السلة – قد بدأ مسيرته بفريق المدرسة حيث اكتشفه أستاذ التربية البدنية وساعده وأهَّله.

وأخيرًا فإن المدرسة ليست سجنًا ولا ثكنة عسكرية، ولا ساحة لكبت الحركة، منع الكلام، قتل الإبداع، إخماد الموهبة، بل من المفترض أن تكون الصرح المتكفل بتنمية ذلك كله، و”طابور الصباح” ما هو إلا مثال بسيط لعقيدة وعقلية تعليمية احتل نتاجها المركز  139 من ضمن 140 دولة في تقرير التنافسية العالمية لعام 2015، عقيدة يرفض كل من ساهم في فرضها علينا أي تعديل عليها أو تغيير فيها، رفض ٌ لصالحنا كما يزعمون، وكأن المركز 139 يزعج المتآمرين علينا مثلاً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد