بالإحالة إلى نبوءة ألدوس هكسلي في (عالم جديد شجاع)، يمكن وضع حلقة 15 Million Merits ثاني حلقات الموسم الأول من المسلسل البريطانى Black Mirror في سياقها الصحيح، وهو مسلسل درامي يناقش المآلات المأساوية للتقدم التكنولوجي وكيف يمكنه محو إنسانيتنا التي نعتقد أننا نحميها بالتمادي في كل المحاولات التقنية المُتاحة، وأعتبر هذه الحلقة من أقسى الحلقات، حيث تنتهى بهزيمة فجّة للغاية لبطلها!

1- النظام / عالم جديد شجاع!

تستيقظ، يتم تسجيل دخولك على النظام كشخصية افتراضية تعيش بها، لها رصيد من المال (الافتراضي) تجنيه من (التبديل) على دراجة من أجل توليد الطاقة، وأيضًا من لعبة اصطياد العمال السمينين ذوى الملابس الصفراء (السمينون غير قادرين على بذل جهد مثل الآخرين من أجل توليد الطاقة، من يعجز عن ممارسة هذه المهمة يهبط إلى درجة عامل يرتدى بزة صفراء يجمع القمامة وينظف المكان)، من مشاهدة القنوات التى يبثها النظام، الإعلانات المكررة، لو تجاوزت الإعلان سيُخصَم من رصيدك، توجد قناة إباحية، وأخرى لبرنامج Hot Shot وهو برنامج مسابقات، وقنوات أخرى، ترتدي الرمادي دائمًا، الجميع يرتدون الرمادي، الحياة بلا لون أو طعم، الحياة بلا معنى.

لا تستطيع إغماض عينك أو تغطية وجهك إذا لم ترد رؤية الشاشات التي تحيط بك في غرفتك، أنت مراقب، مثل (وينستون) في رواية 1984، تخطَّ الإعلانات التي يقدمها النظام وستخسر رصيدًا، عليك أن تُشاهد، ألا تفكّر، أن تعمل وتستمتع بالوسائل التي يوفرها لك النظام، الإباحية، الأحلام بأن تكون نجمًا، الألعاب، شراء مظهر افتراضي جديد.

(بينج) بطل الحلقة يشعر بخواء المنظومة التي يعيش فيها، يؤدي الدور المفروض عليه بلا شغف، تقع فتاة في حبه، لا يُعيرها اهتمامًا، لا مجال للحب هنا، لا مجال للمشاعر، كل فرد يقبع وحيدًا في غرفة/زنزانة محاطة بشاشات بحجم الجدران، تستطيع أن تستبدل بالحب المواد الإباحية المعروضة، أكثر من ذلك لا تحلم، ومع ذلك يقع (بينج) في حب فتاة أخرى، لأنها لديها شيئًا حقيقيًا في عالمهم المزيف الرمادي، لديها صوت جميل.

2- «حقيقي أكثر من أي شيء آخر»

يحب (بينج) آبي ويخبرها بأن صوتها كان جميلًا حقًا، وحقيقيًا أكثر من أي شيء آخر في هذه المنظومة، يعرض عليها أن تنافس بصوتها في برنامج المسابقات Hot shot، لا تملك (آبي) ثمن تذكرة الدخول، ولا تؤمن أنها قادرة على المنافسة، يؤمن بها (بينج) إيمانًا عنيفًا ويشترى لها تذكرة دخول بكل ما يملك من رصيد وهي تساوى 15 مليون وحدة نقدية (15 million merits)،ومن هنا يأتي اسم الحلقة، أنفق (بينج) كل رصيده على ثمن التذكرة.

أراد (بينج) أن يرى شيئًا حقيقيًا يحدث.

3- لا مجال للحقيقي هنا

يرافق بينج آبي إلى المسابقة ،تدخل “آبي” قبل آخرين، وتغنّي، تقنع الجمهور ولجنة التحكيم، ولكن يقنع المحكم (هوب-Hope) (آبي) بأن صوتها ليس أجمل الأصوات وأن الجمهور قد يحتاج جسدها أكثر من صوتها، لا حاجة لمزيد من المغنيين، يشجع الجمهور ولجنة التحكيم آبي على أن تُريهم جسدها، سوف تعمل في إحدى القنوات الإباحية المسئول عنها المحكِّم “رايث-Wraith”، يتم إبعاد “بينج” وهو يحاول إنقاذ آبي من هذا المصير المهين، تقبل “آبي” باكيةً العرض بعد أن أغروها بأنها لن “تبدّل” لتوليد الطاقة بعد الآن، وأن الجميع يتمنون أن يكونوا مكانها، ستصعد إلى الطبقة المُقدّمة للمتعة، وليس مستهلكيها،الطبقة الأعلى بالطبع، وهذه هى الفرصة الوحيدة لذلك، يتم “تسليع” آبي – أى تحويلها إلى سلعة إباحية – بدعم من الجمهور – المُستوعَب في المنظومة المادية البحتة.

الحصار

هنا، من وجهة نظرى، المشهد المفصلى في الحلقة أو الذروة الدرامية، يضطر “بينج” أن يرى “آبي” في أول ظهور إباحى لها، حيث لم يعد لديه رصيد ليتخطى الإعلان، يرى إيمانه بأن أمرًا حقيقيًا قد يحدث، التضحية من أجله، انقلب إلى سخرية قذرة، المنظومة ابتلعت “آبي” الجميلة وتقدّمها كسلعة ترفيهية للجمهور، “بينج” مضطرٌ أن يشاهد خيبته الفادحة، لا مفرّ من مشاهدة “آبي” الممسوخة، لا مفرّ من الامتثال للنظام، يهتاج “بينج” المُحاصَر تمامًا، ينهار.

الهزيمة

يقرر “بينج” أن ينتقم من النظام كله بطريقة مختلفة، يستميت في العمل من أجل الحصول على ثمن تذكرة دخول برنامج المسابقات، يحصل عليها،يخفي قطعة زجاج وهو يدخل البرنامج، يقدم عرضًا ترفيهيًا للجمهور ثم يضع قطعة الزجاج على رقبته مهددًا بقتل نفسه إن لم يسمعه الجمهور، يضع “شارلى بروكر” مؤلف المسلسل نقده لتلك المنظومة على لسان “بينج”، ينفجر “بينج” في نقدٍ ارتجالى للمنظومة التى قتلته وقتلت “آبي” قبله، ينتقد تخلية الواقع من أي مجال حقيقي، ترشيد أى روعة بشرية مُحتملة إلى سلعة محددة يتم توزيعها بالتساوى على الجمهور، الجمهور الذى لا يحضر هذا البرنامج بجسده، وإنما يتحول إلى كائنات افتراضية تمثل كل من يشاهد البرنامج وتنفعل كما ينفعل الشخص الحقيقى، الترشيد طال كل شىء حتى هيئة الإنسان، المنظومة التى نعيشها ليست سوى أشخاص غير حقيقين يشترون الخراء!

المشهد تمثيليًا ممتاز ومؤثّر ويجعلك تندمج تمامًا، ثم بعد لحظات هدوء، تظن فيها أن “بينج” عرَّاهم تمامًا، يُحيِّى المحكم “هوب- Hope” “بينج” على أداءه المتميز ويخبره بعبارات أنيقة أن ما يقوله حقيقة بلا شك، والجمهور بحاجة إلى سماعها فعلًا! ويعرض عليه أن يقدم فقرته الانفعالية الفذة الأصيلة تلك مرتين أسبوعيًا على إحدى قنواته، مقنعًا أياه بتلك العبارة – كلمة حق يراد بها باطل – “الأصالة سلعة نادرة للأسف!”، قاصدًا قدرة “بينج” على الكلام عن مثل تلك الحقائق والانفعال بهذا الصدق البطولى النادر، وتفتح العبارة أعيننا على مدى هيمنة وشمولية منظومة الإعلام على الجمهور حتى إنّها تستوعب كل نقد محتمل لها باعتباره سلعة تقدمها أيضًا. وقد نعتبر فكرة هذا المسلسل (Black Mirror)، الذى يعرض على التلفزيون (أكبر منظومات الإعلام) تجليًا واضحًا لهذه الهيمنة، التي تقدم نقدًا من داخلها احتواءً لأى محاولات نقدية عنيفة محتملة من خارجها، لقد تم احتواء تلك الطاقة النقدية الجبارة وذلك الكبت المحتمل لدى أي إنسان متمرد بنجاح!

الهزيمة ليست في سقوط “آبي” الجميلة وتحوّلها إلى سلعة إباحية ترفيهية، الهزيمة هى أن نكون محاصرين تمامًا، حتى الموت ليس خيارًا متاحًا، فبسبب التقدم سيجدون وسيلة ينعشون بها جسد “بينج” الميت ويعيدون إدماجه مرة أخرى لو حاول الانتحار، الهزيمة هى عدم وجود خيار آخر سوى الامتثال التام ، بكل ما يحمله من (تشيّؤ) و(اغتراب) وغياب تام للتفرّد!

لمن يريد نقدًا عميقًا لهذه الحلقة يقرأ هذا المقال لأستاذة الفلسفة (تيري موراي)،و هي تفسّر أطروحات (هربرت مركوزه)،أحد أقطاب مدرسة فرانكفورت النقدية، من خلال هذه الحلقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد