كان يوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 يومًا مشهودًا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، فقد غيَّر هذا اليوم وجه الدولة في دقائق حملت وقائع لا تُنسى، لتبقى أمريكا منذ 16 عامًا في حرب جرت فيها مياه كثيرة تحت جسر «الإرهاب».

لكن إحياء الذكرى الـ16 للهجمات التي نتج عنها سقوط الآف الضحايا والجرحى، تختلف هذا العام عن سابقاتها في جوانب عدة، فترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وتلك الذكرى الأولى لصدور قانون «جاستا»، لكن المفاجأة كانت في الأزمة الخليجية.

«11 سبتمبر» بحضور ترامب

تحل ذكرى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) هذا العام في وجود رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية، إنه دونالد ترامب الذي خلط – حين تحدث عن الهجمات – بينها موعدها وبين المغنية الأمريكية الشهيرة بيونسيه، قائلا إنه «يوم قريب من قلبي، لأني كنت هناك وشاهدت الشرطة الأمريكية والإطفاء. يوم 11 يوليو (تمّوز)».

وفي رأي البعض، كان ترامب «النتيجة الحتمية» لإعلان الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب» غداة أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأظهرت السنوات الـ16 الماضية حاجة أمريكا إلى شخصٍ أقرب إلى راعي بقر حقيقي من جورج بوش الابن، وأكثر كثافةً من باراك أوباما في ردود فعله.

وعلى الرغم من المشكلات الإدارية التي تهزّ البيت الأبيض، من استقالات وإقالات، والتحقيقات في شأن التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتظاهرات العنصرية والمضادة، إلا أن ترامب مستمر في موقعه حتى إشعار آخر، فقد فرض نفسه تحت عنوان «الاقتصاد».

وقبل دخوله البيت الأبيض، أثارت علاقة ترامب بالهجمات جدلًا واسعًا، حيث قال على برنامج الراديو «جو بيسكوبو» إنه «بإمكان السعودية بيع أصولها المالية بحال السماح بملاحقتها في أمريكا بسبب هجمات سبتمبر. إنها ستباع بـسعر منخفض بسبب ما اسماه بالبيع بتأثير الهلع»، مضيفًا أن «أمريكا لا تحصل إلا على فتات الأموال مقابل حمايتها للسعودية، بالرغم من أن السعودية لن تصمد لأسبوع من الزمن دون حماية واشنطن»، وفق قوله.

وبعد تغلبه على شكوكه بشأن «الحرب على الإرهاب» في أكتوبر 2001، بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، أكد أن «هذه الهجمات أسوأ ما تعرضت له الولايات المتحدة»، وهو نفسه من قال مرارا خلال الحملة الانتخابية العام الماضي، إن «الحرب مكلفة جدًا فيما يتعلق بالأرواح والأموال».

واليوم، يقف دونالد ترامب للمرة الأولى له كرئيس لأمريكا، إلى جانب زوجته ميلانيا وابنته إيفانكا، دقيقة صمت حدادًا على ضحايا الهجمات، متعهّدًا – كمن سبقوه – بـ«محاربة الإرهاب، وبذل كل ما في وسعه من أجل إبقاء الشعب الأمريكي آمنًا»، ليهلل الأمريكيون له، أكثر مما هلّلوا لسلفيه، أوباما وبوش الابن.

youtube

الأزمة الخليجية.. اتهامات الأشقاء المتبادلة

لعل الإضافة المفاجئة لذكرى أحداث سبتمبر هذا العام كانت في الأزمة الخليجية، التي تندرج زيارة أمير الكويت لواشنطن، منذ أيام، ضمن جهود الوساطة التي يقوم بها في الأزمة، واستمرار حصار قطر من قبل السعودية والبحرين والإمارات ومصر، والتي تتهم قطر بدعم وتمويل الإرهاب.

ويربط البعض بين هجمات سبتمبر والأزمة الخليجية، فقد بات ما تعيشه في الوقت الحالي دوْل التعاون الخليجي من انشقاق لأول مرة منذ إنشاء مجلس التعاون، من إفرازات الحادي عشر من سبتمبر، وأن تأثير هذا الحدث سيستمر إلى أن يطرأ حدث جديد بواسطة عدو جديد قد يكون غير إرهاب الإسلام السياسي.

هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان يفترض – بحسب مراقبين – أن تكون صندوقًا مغلقًا لا يستدعي سوى التعاطف، لكن المؤسسة الأمريكية وأهالي الضحايا كان لهم رأي آخر، فالسعودية التي أرادتها كذلك استقبل ملكها ترامب، وبه احتفى ورقص، وظن أنه ناج، ففتح ملفات، وآثر حليفًا، وخلق عدوًا (قطر)، واتهمه بالإرهاب.

ولم تجد دول الحصار حرجًا في اتهام الدوحة بدعم وتمويل الإرهاب، لكن ما من دليل غير أن هذه الدعاوى ارتدت على مطلقها، فدعاوى ربط السعودية بمنفذي هجمات سبتمبر في ازدياد مستمر أمام المحاكم الأمريكية.

وبينما كان الاتهام بتمويل الإرهاب – القاسم المشترك بين الأزمة الخليجية وهجمات 11 سبتمبر – موجهًا من قبل الولايات المتحدة والغرب نحو العالم الإسلامي السنّي تحديدًا، تقوم الدول الخليجية الآن بهذا الدور، حيث تتهم بعضها بتمويل الإرهاب، لتوفر على أمريكا أي حرج قد تسببه لحلفائها من دول الخليج.

وبالرغم من أن اللجنة التي شُكلت للنظر في أسباب وقوع هجمات سبتمبر وبحث سبل منع وقوع هجمات مماثلة لم تدن أيًا من الدول الإسلامية، كذلك لم تتهم أمريكا نفسها دولة بعينها بأنها مولت هجمات 11 سبتمبر، إلا أن دول خليجية فعلت ذلك.

وقد اتهم فيلم بثته قناة سكاي نيوز المدعومة إماراتيا قطر بالضلوع في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتستر مثلا على أحد زعماء منفذيه في الدوحة، حسب ما جاء في الفيلم، كذلك زعم رئيس لجنة مكافحة الإرهاب السابق، ريتشارد كلارك، إن قطر متورطة وتتحمل جانب كبير من المسؤولية عن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) وغيرها من الهجمات الإرهابية الكبرى، وبذلك تصبح إحدى الإسقاطات الخطيرة للأزمة الخليجية الاتهام بين الضحايا أنفسهم.

وبينما ينفي القطريون هذا الاتهام، يقول السفير القطري لدى الولايات المتحدة الشيخ مشعل بن حمد آل ثاني في مقالة نشرتها له صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أسابيع، «لقد كان إماراتيون، وليس قطريون ضمن خاطفي الطائرات التي ضربت برج التجارة العالمية، وقد خص تقرير لجنة الكونغرس دور الإمارات في تبييض أموال الإرهابيين».

هذا وكانت قطر قد وقعت مذكرة تفاهم لمحاربة الإرهاب مع الولايات المتحدة خلال زيارة وزير خارجيتها ريكس تيلرسون للدوحة خلال شهر يوليو (تموز) الماضي لنزع فتيل الأزمة، بينما تركت المتهِمة تكتوي بنار الإرهاب، فقد قالت السعودية، منذ ساعات، بحسب وسائل إعلام سعودية، إنها أحبطت مخطط إرهابي يستهدف مقرين تابعين لوزارة الدفاع.

sputniknews

جاستا.. «نريد حقوق ضحايانا من السعودية»

الجديد أيضًا هذا العام في الذكرى الـ16 لهجمات سبتمبر أنها تصادف الذكرى السنوية الأولى لصدور «قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب» المعروف اختصارًا في اللغة الإنجليزية بـ«جاستا»، في 28 من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، والذي أقره الكونجرس الأمريكي، ويسمح برفع دعوى في المحاكم الأمريكية ضد دولة أخرى متهمة بالتورط بعمل إرهابي.

القانون الذي لا يشير صراحة إلى السعودية – لكنها أولى الدول المعنية به- دفع الرياض وقتها إلى التحذير من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على إقرار القانون، كما هددت ببيع سندات وأصول لها في الولايات المتحدة بقيمة 750 مليار دولار، لكنها لم تنفذ، كما لا يخفى ما تكشَّف على لسان عضو لجنة الشؤون القضائية في مجلس الشيوخ السناتور جون كورنين أن السعودية دفعت أموالًا طائلة عبر جماعات الضغط والعلاقات العامة الأمريكية لمنع صدور القانون.

ومنذ إقرار القانون، تتناسل الدعاوى القضائية، بشكل متسارع فقد رُفعت العشرات منها ضد المملكة لشبهة تورطها في هجمات سبتمبر، حيث شارك خمسة عشر مواطنًا من مواطنيها في الهجمات، لكن الرياض ترفض الربط بين ما يقوم به أشخاص سعوديون وما تدعمه الحكومة السعودية التي تنفي أن يكون أي مسؤول سعودي على علاقة بالهجمات.

وبالرغم من انفراج العلاقة بين واشنطن والرياض بعد صفقات السلاح، إلا أن قانون «جاستا» وضعها في مأزق مع ترامب الذي دعم القانون بقوة خلال حملته الانتخابية وانتقد بشأنه الرئيس السابق باراك أوباما الذي لم ينجح في منع صدوره، فتح باب مقاضاة الدول المتهمة برعاية الإرهاب أمام المحاكم الأمريكية.

وبينما تفيد تقديرات نيويورك تايمز وبعض مراكز الدراسات بأن خسائر أمريكا هي 3.3 تريليونات دولار، أي ضعف رصيد السعودية في الخزانة الأمريكية 28 مرة، أشارت صحيفة إندبندنت البريطانية إلى أن زيارة ترامب إلى السعودية ستجعل الرياض تدفع تعويضات لعائلات ضحايا هجمات ات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

لكن الـ 460 مليار دولار التي حصل عليها دونالد ترامب من السعوديّة، على شَكل صفقات أسلحة واستثمارات، تعد مبلغًا مُتواضعًا للغاية مقارنة بحجم التعويضات التي قد تدفعها للضحايا والمتضررين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، خاصة في ظل تراجع أسعار النفط، وتآكل الاحتياطات الماليّة في ظِل العُجوزات الضخمة في الميزانيّة.

sputniknews

السعودية متورطة بالهجمات.. أدلة جديدة تتكشف

بعد عام من نفاذ القانون الذي تُرفع بموجبه قضايا بالعشرات ضد السعودية، تقول الرياض إنه ليس باستطاعة مقيمي الدعاوى حتى الآن البرهنة على ضلوعها في الهجمات، لكن تتكشف مؤخرا أدلة جديدة ضد السعودية في الدعوى القضائية الخاصة بـهجمات 11 سبتمبر.

صحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية أشارت إلى احتمال تورط السفارة السعودية بواشنطن في تمويل تجربة مسبقة على عملية خطف الطائرات نفذها موظفان حكوميان متخفيان كطالبين في الولايات المتحدة، ما يعزز بدرجة أكبر الاتهامات بأن موظفين وعملاء تابعين للمملكة أداروا وساعدوا في تنفيذ الهجمات.

وبحسب أدلة جديدة قدمها محامي نحو 1400 من ضحايا سبتمبر، فإن السفارة السعودية دفعت قبل سنتين من الهجمات ثمن تذاكر سفر لاثنين من منتسبي أو عملاء الاستخبارات السعودية، وسافرا من فينيكس إلى واشنطن في مهمة استكشافية لإجراءات الأمن في الطائرات الأمريكية بما فيها مقصورة الطيار. وتم ذلك في إطار ما قالت وسائل الإعلام إنها مرحلة التخطيط، في رحلة تحاكي ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر.

ليس هذا فقط، بل إن الأدلة الجديدة تؤكد أنهما تدربا في معسكر لتنظيم القاعدة في أفغانستان بينما كان بعض منفذي هجمات سبتمبر يتدربون هناك. يعطف على هذا أنهما كانا على اتصال مستمر مع منفذ الهجمات الرئيس، وحافظا على اتصال شبيه مع المسئولين السعوديين أثناء وجودهما في الولايات المتحدة، إضافة إلى تلقيهما التمويل من جهات سعودية حكومية.

وقال شون كارتر المحامي الرئيسي للمدعين في الهجمات إنه تم التأكيد منذ وقت طويل على أن هناك علاقات طويلة الأمد ووثيقة بين تنظيم القاعدة وأشخاص مرتبطين بالحكومة السعودية. وأضاف «هذا دليل آخر على ذلك».

ودفعت الأدلة الجديدة إلى تعديل صياغة الشكاوى المقدمة من عائلات نحو 1400 شخص قـُـتلوا في هجمات 11 سبتمبر، لتصبح الإدارة الأمريكية نفسها في دائرة الاتهام، والسفارة السعودية في واشنطن ربما تكون ضالعة في الهجمات.

رابط صورة

alwaght

من أمريكا إلى بريطانيا.. السعودية أيضًا في المشهد

لم تنته بعد الأدلة التي تضع السعودية في جبهة الدول الضالعة في تمويل ودعم والإرهاب، فمن أمريكا إلى بريطانيا، تلقى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) بظلالها على المشهد الدولي، حيث ناشدت أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر الرئيس ترامب قبل سفره إلى السعودية حيث حضر قمة الرياض الشهيرة بألا يسمح بتعديل قانون «جاستا» بما قد يقوض قدرتهم على مقاضاة الحكومة السعودية، كما قالوا.

هؤلاء أيضا حثوا رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على نشر نتائج التقرير الحكومي الذي كان سلفها ديفيد كاميرون قد أمر بإجرائه حول مصادر تمويل التطرف في بريطانيا، لكن ماي ترفض نشر تلك النتائج حتى الآن، بالرغم من تعرّض بلادها لعدة هجمات في الفترة الأخيرة، إلا أن دوافعها في ذلك مرتبطة بالأمن القومي البريطاني.

ويرد بعض منتقدي ماي أن السبب وراء رفضها نشر نتائج التقرير – وكان مقررًا له أن ينشر في يناير الماضي – يرجع إلى خوفها من أن تلك النتائج قد تشير إلى المملكة العربية السعودية كممول رئيس للأنشطة الإرهابية، ما قد يهدد مصالح بريطانيا الاقتصادية، خاصة أن السعودية أحد أهم المستوردين للأسلحة المصنعة في المملكة المتحدة.

كما لفت تقرير لصحيفة الجارديان البريطانية إلى أنه رغم اعتراف القادة السعوديين بضرورة كبح بعض مصادر تمويل التطرف بما في ذلك إنشاء مركز مكافحة التطرف هذا العام (اعتدال)، فإن مستوى تمويل الوهابية آخذ في الازدياد، حيث أنفقت المملكة على تعزيز الوهابية المتشددة عام 2007 ما لا يقل عن ملياري دولار، تضاعف إلى 4 مليار دولار في عام 2015 .

وفي هذه الأجواء، نشرت جمعية هينري جاكسون البريطانية التي تدعو إلى مبادئ الديمقراطية ودولة القانون واقتصاد السوق تقريرًا يقول: إن دولًا خليجية وعلى رأسها السعودية تمول مساجد ومؤسسات تعليمية في بريطانيا تنشر الفكر المتطرف.

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، باتت مسألة تمويل مساجد ومؤسسات تعليمية مطروحة على الساحة الأمريكية أيضًا، وتبدت تداعياتها على المسلمين حول العالم بما فيه بريطانيا. فمنذ إعصار 11 سبتمبر في الولايات المتحدة عاش مسلمو بريطانيا في عيني أعاصير تكررت مع كل تفجير أو اعتداء هناك.

وانعكس ذلك على المسلمين في أمريكا وأوروبا، فواشنطن ربطت الإرهاب بالدول الإسلامية باعتبار أن منفذي العملية من الدول الإسلامية، وبالتالي منعت دخول مواطني 7 دول إسلامية إلى أراضيها، كذلك تصاعدت حدة العداء ضد المسلمين في أمريكا ومنها إلى أوروبا والدول الغربية.

وفي ذكرى 16 عاما على الهجمات، يقف الأمريكيون يوما واحدا كل عام يتذكرون فيه أحزانهم، بينما يدفع المسلمون فاتورة الأحزان باقي أيام العام، إذ تسببت أحداث هذا اليوم في خلق شرخ عميق بين الدول الإسلامية، والعديد من الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا التي اتخذت من محاربة الإرهاب ذريعة لمعادة المسلمين، وسار على نهجها اليسار المتطرف في أوروبا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد