«الحمد لله عدت على خير، بالرغم أنها أخذت منا».

«أخذت الكثير الكثير حقًا».

كانت هذه كلماتي التي قلتها في حديث تكرر مع أكثر من صديقة لي، بعد أن اجتزنا اختبارات العام الثالث من دراستنا الطبية.

هل حقًا أخذت منا كليتنا على الصعيد الأخلاقي، الفكري، العاطفي، الاجتماعي، الديني؟

وهل أخذت ذلك مقابل أن تعطينا شيئًا في البديل!

تقول الإحصائيات إن معدل الاكتئاب بين طلبة الكليات هو الأعلى في كلية الطب، وتقول إن أكثر طلبة الجامعات انعزالًا هم طلبة الطب. لا أعلم هل هي فقط أرقام مبهمة في إحصائيات المعاهد أم أنها انعكاس لنا ولحياتنا.

أيًا كان فقد أخذت مني الكثير ولا أعلم هل كان ذلك طوعًا مني أو كرهًا عني.

يُخبرني بعض أقربائي أنهم لا يرونني كثيرًا هذه الأيام وأني لست أطيل الحديث معهم رغم أن ذلك طبيعتي مع أقربائي بسبب عدم مداومة العلاقات، ولكن هل زادت حدة الصمت والانفصال.

من الذي يعطينا الحق كي نكشف عورات الآخرين، من الذي يعطينا الحق كي نسأل وندقق في السؤال ونطلع على أسرار لهم؟

نعم، نسيت أو تناسيت أننا أطباء الجسم ومداوٍ الروح. هل حقًا نحن جديرون بذلك؟ هل كفل التحاقنا بكلية الطب وحصولنا على لقب طبيب ذلك؟ هل كفل لنا اكتساب مروءة وخلق وأمانة هذه الأجسام؟

يتجرد المريض من إنسانيته أثناء المحاضرات العملية، ويصبح فقط أداة عرض لهذا المحاضر كي يوصل لطلابه النجباء ما الذي يعانيه هذا الجسد، فقط جسد دون روح أو أي تقدير لإنسانيته. بل في بعض الأحيان ينعتونهم بالجهل مستخدمين لغة أجنبية. وهل حقًا لم يفهم المريض ولم يستوعب ذاك؟

نعم أعلم أن الضرورات تبيح المحظورات وأننا يجب أن نتعلم ولكن هل سرقت منا كليتنا الحبيبة بعضًا من الحياء؟ وكذب من قال لا حياء في العلم بل العلم كله حياء يُزين به ولكن على طالبه أن يتحلى إلى جانبه بالجرأة على السؤال مغلفًا بالأدب والحياء.

هل ضاعت منا أعمارنا؟ كلما أقدم أحد منا على أي عمل تطوعي أحجم عنه إلا القليل متعللًا بالكلية، لا مجال لإضاعة أوقاتنا الثمينة نستغلها في المذاكرة أو في الترويح عن أنفسنا كي تكون مستعدة للمذاكرة أما عمل تطوعي فلا.

وكأن أعمارنا أصبحت حبيسة ستة أعوام.

كثيرًا ما كان يقول لي أخي أن لا قلب لي ولست أمتلك أي عواطف وكان يقول هذا على سبيل الدعابة لعدم إظهاري مثلًا بعض العواطف عند الحديث عن موضوع مشترك، وبعد ذلك كنت أذيل هذا بأني «كلي عواطف ومشاعر». ولكن مؤخرًا حينما أسمع نبأ وفاة أو أشاهد مع أمي بعضًا من مشاهد الأسى في الأخبار – وكم هي مشاهد مآسينا المعاصرة – أو نشاهد فيلمًا تتأثر أمي فأقول لها «هذا ليس حقيقيًا» أو أتحدث لها عن شيء ما في علم التشريح أو الطفيليات أضحك وأكثر من المزاح أثناء الحديث فتردف أمي قائلة «أنتي تعودتي من الكلية ولا فقدتي الإحساس». رغم أني أظهر أحاسيس وعواطف جمة ولكن هل اقتصرت على جانب واحد وبلدت حقًا في جوانب أخرى إثر الكلية!

أما من حيث الجانب الفكري فأعتقد أنه هو الوحيد الذي أُثرى، حيث كنت أبحث عن الكتب بديلًا عن المذاكرة، كي أهرب منها. أجد نفسي مستمتعة حقًا في القراءة. أرتب الكتب التي أريد قراءتها بل أُعلم على جمل أثرت بي وأكتب بعضًا منها وحين أنتهي من كتاب ما أسارع إلى كتابة مراجعة عنه وأنشره على موقعي المفضل – جود ريدز -. كل ذلك جعلني أنعزل في عالمي الافتراضي الذي أحسست بألفة أهله: الكُتاب والشخصيات، حتى أني تمنيت حقًا أن أصبح شخصية في هذه الرواية أو تلك كي أشارك الأبطال في أحزانهم وهمومهم وأفراحهم. لكن لا أفتئ أن أتذكر أن امتحانًا أصبح وشيكًا وعلي أن أنهي هذا الكتاب أو أُؤخره إلى أجل مسمى حينما أنتهي من هذا الاختبار وما أن ينتهي واحد حتى يتبعه آخر في تسلسل عجيب حقًا!

جرد العلم من الدين على مدار عقود بمنهجية محكمة. ثم بعد ذلك يأتي المحاضر والدكتور ويحشو المحاضرة بآيات قرآنية وتسابيح تدل على جميل صنع الله وإعجازه في خلقه. قليلٌ من يتجاوب معه وكثيرٌ من يشعر حقًا بذلك أنه علم فقط. نظريات وأطروحات وتفسيرات و…

لأن المنهجية منهجية علمية بحتة. فقد سلب منها الدين. أدركت ذلك حين سمعت خطبة لفارس المنابر الشيخ كشك – رحمه الله – وهو يشرح أطوار خلق الجنين وماهية الحيوان المنوي والبويضة، وأدركت ذلك وأنا أستمع إلى محاضرة دينية لشيخ العمود قد ذُكر على هامشها إبداع الخالق في عملية التنفس وكيفية تشعب هذه الشعب إلى مليارات الشعب الصغيرة كي تمد باقي الجسم بالأكسجين والطاقة، وأدركت ذلك وأنا أشاهد برنامج فسيروا وهو يعرض جميل صنع الله مع ذكر آيات كتابه الحكيم وهو يعرض جيولوجيا وعلم أجنة وأشياء سبق دراستها مجردةً من كل شيء يتعلق بالدين.

فهل بعد ذلك نلام على عدم شعورنا بشيء من الدين في دراستنا. رغم أن كل ما فينا من روح وجسد يشعر بحاجة ملحة إلى ذلك، كل منا قد يشعر بثقل ما يُدرس إليه ويكرر ما أهمية ذلك الذي يُدَرس ولو أننا أدركنا فقط أهمية هذا الجانب: فهْمِنا لإبداع الله لكفى ولأغنانا عن السؤال المُلح ما أهمية ما ندرسه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد