بعد أن تحدثنا في المقالين السابقين عن رحلة سوريا نحو جلاء القوات الفرنسية والتيارات السياسية العاملة فيها:
الجزء الأول، والجزء الثاني.

سنبدأ من خلال هذا المقال بالإجابة عن سؤالنا الذي جعلناه عنوانًا لهذه السلسلة: هل استقلت بلادنا فعلًا؟

إن الأحداث التي شهدتها سوريا ما بعد الاستقلال والانقلابات العسكرية فيها ستنبئنا بحال البلد في تلك الفترة، والتي أثرت على واقعنا الحالي، فما واقعنا الحالي إلا امتداد لذلك الزمان.

قبل الحديث عن الوضع الداخلي لنلقِ نظرة على الوضع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية كي نفهم اللعبة التي أحاطت ببلادنا في تلك الفترة.

تمخضت الحرب الكبرى الثانية عن تأسيس منظمة دولية جديدة عام 1945 بديلة لعصبة الأمم هي الأمم المتحدة، وانبثق عنها مجلس الأمن ومهمته حفظ الأمن والسلم الدوليين، وقد عبرت المنظمة الناشئة عن مصالح الدول المنتصرة, فكانت الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لها حق نقض أي قرار يصدر مخالفًا لمصالحها، وتلك الدول هي الولايات المتحدة الأمريكية, بريطانيا, فرنسا, الاتحاد السوفيتي, الصين.

كانت مصالح كل تلك الدول عدا الصين متشابكة في منطقتنا على النحو التالي:

  • فرنسا: المنتصر الخاسر في الحرب؛ فعلى الرغم من أن فرنسا خرجت بين المنتصرين (الحلفاء) لكن مركزها الدولي تضعضع لصالح الإنكليز والأمريكان وكانت كل محاولاتها في الشرق هو العمل لاستعادة ما يمكن استعادته من نفوذها, وسنلاحظ تداخلًا بالمصالح بينها وبين أمريكا أحيانًا (انقلاب حسني الزعيم) ضد بريطانيا، أو العكس تداخلًا مع بريطانيا كما في العدوان الثلاثي على مصر الذي سيقف الأمريكان والسوفيت ضده.
  • بريطانيا: كانت بريطانيا بوضع أفضل من فرنسا، لكن وضعها المالي المهزوز بعد الحرب جعلها بوضع ضعيف أمام أمريكا مع مشاركة الأمريكان همهم وخوفهم من السوفيت, فكانت متحالفة مع الأمريكان إلا في حالات تماديهم باتجاه مصالحها الإستراتيجية, طبعًا في النهاية ورثت أمريكا الإمبراطورية البريطانية بشكل كامل وجعلتها دولة في محورها وقد استغرق ذلك عقدين من الزمن.
  • الاتحاد السوفيتي: أحد المنتصرين في الحرب ودولة عملاقة تحمل الأيديولوجيا الشيوعية المعادية للرأسمالية الأمريكية والأوروبية، وإن تحالفت معهم ضد النازية في الحرب.

كانت مطامع الاتحاد السوفيتي كبيرة في كل بقعة من العالم، فهو كان يتصرف باعتباره دولة عظمى يجب أن تمد نفوذها على كل الدنيا وسيكون نتيجة تلك الطموحات الحرب الباردة بينهم وبين أمريكا، والتي امتدت خمسين سنة حين انهار الاتحاد السوفيتي في نهاية العقد التاسع من القرن العشرين.

  • الولايات المتحدة الأمريكية: المنتصر الأكبر في الحرب، عملت على وراثة الإمبراطورية البريطانية والعمل على السيطرة على العالم وتجلت سياستها في محورين:

الأول: منع امتداد الخطر الشيوعي خارج نطاق نفوذه ساعة نهاية الحرب.

الثاني: وراثة بريطانيا وفرنسا وتصفية وجودهما قدر المستطاع في العالم واستبدال الوجود الأمريكي بهما.

نتج عن هذه السياسات مشروعان؛ الأول مشروع مارشال 1947 وهو مشروع اقتصادي لإعادة إعمار أوروبا بما فيها ألمانيا المهزومة بالحرب، قطعًا لليد الشيوعية عنها وعن أوروبا, خاصة وأن الشعوب عمومًا وتحديدًا الفقراء من العمال والفلاحين كانوا مسحورين بالفكر الشيوعي. والثاني صيغ في عام 1957 وسمي بمبدأ أيزنهاور، وهو تفويض من الكونغرس للرئيس والحكومة بالتدخل في منطقة الشرق الأوسط في حال طلبت إحدى دِوَلِهِ ذلك في مواجهة أي خطر (والمقصود هو الخطر السوفيتي).(1)

سوريا ما بعد الاستقلال: خرج الفرنسيون من سوريا وتركوها دولة بدائية من الناحية السياسية غير متماسكة مقسمة بشكل طبقي ومناطقي وطائفي, وقد انعكس ذلك على الحياة السياسية إذ إننا نستطيع أن نفهم وضعها بعيد الاستقلال من كلمات النائب في البرلمان السوري حبيب كحالة: «نظرت حولي، وكان ما رأيته فقط… رجالًا لا يوحد بينهم شيء، ولا يشتركون في أية مبادئ، ولا يربطهم تنظيم حزبي، وقد وصلوا إلى البرلمان بأساليب خادعة مقنعة، من انتخابات فوضوية تحت ستار الحرية، فكان بعضهم أميًا، وآخرون أدباء مرموقين، وكانت لغة بعضهم الكردية أو الأرمنية، ولم يعرف آخرون سوى اللغة التركية، ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار».(2)

أما الجيش السوري الذي تشكل في عام 1946 من فلول القوات التي شكلها الفرنسيون، والتي كما أسلفنا في مقالنا السابق غلب عليها أبناء الطوائف، بعكس أبناء المدن الكبرى من السنة الذين أنفوا الذهاب للجيش كونه عدوهم مواليًا للفرنسيين فهو عمل غير وطني, هذا الجيش افتقد الكثير من مقومات الجيوش, سواء الانضباط والتنظيم وحتى التسليح فهو أقرب للميليشيا المسلحة منه للجيش النظامي، وما زاد الطين بلة أنه وجد نفسه في مواجهة حقيقية مبكرة في حرب فلسطين 1948 والتي أحدثت نتيجتها زعزعة في كل الدول العربية المحيطة.

انقلاب حسني الزعيم 30 مارس (آذار) 1949م

فتحت حرب فلسطين 48 الباب للصراع بين العسكر والسياسيين على خلفية الاتهامات التي طالت بعض قيادات الجيش بالفساد، والتراشق في تحميل مسؤولية الهزيمة, خاصة وأن الشارع العربي بعمومه كان يغلي بسبب المصاب الكبير الذي أصاب الأمة.

كان خالد العظم قد قبل تشكيل الوزارة مستقلًّا تحت رئاسة شكري القوتلي, أما في البرلمان فقد بدأ الحديث عن تقليص ميزانية الجيش والفساد داخله، ما رفع وتيرة الاستقطاب بين الضباط ومؤيديهم من السياسيين والحكومة، خاصة النائب فيصل العسلي الذي اتهم حسني الزعيم المدير العام للشرطة تحديدًا بالفساد(3). وفي يوم 30 مارس (آذار) أفاق السوريون على وضع جديد عليهم وعلى المنطقة إذ أذاعت إذاعة دمشق البيان رقم 1 «مدفوعين بغيرتنا الوطنية، ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف ممن يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلُّم زمام الحكم مؤقتًا وسنقوم بكل ما يترتب علينا نحو وطننا العزيز، غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح، يحل محل الحكم الحالي المزيف… هذا وإن كل محاولة ستقمع فورًا وبدون شفقة أو رحمة». (في 30 مارس 1949، القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة)(4).

اعتقل حسني الزعيم الرئيس شكري القوتلي وكذلك رئيس الحكومة خالد العظم، وأصدر في اليوم التالي مرسومًا عسكريًا عين نفسه بموجبه رئيسًا مؤقتًا للجمهورية.

بدأت المظاهرات المؤيدة للانقلاب تنطلق في الشارع، وبرقيات التأييد تأتي للقصر من كل اتجاه، خاصة بعد إظهار بعض السياسيين كأكرم الحوراني (قيل عن الحوراني أنه مع كل انقلاب ثم ضد كل انقلاب) دعمها للزعيم مما يعطينا صورة عن عاطفية الشارع وعدم إدراكه خطورة هذا الفعل على مستقبل البلاد.(5)

ما هي إلا أيام قليلة حتى ظهرت المؤشرات الدالة على المستفيد من الانقلاب والداعم له، فقد وقع الزعيم سريعًا على مشروعين كانا يعانيان من معارضة برلمانية شديدة، الأول في 16 أبريل (نيسان) مع فرنسا تمد من خلاله سوريا بقروض مالية كبيرة، وآخر لتسليح الجيش السوري بسلاح فرنسي. وبعد شهر من ذلك مرر الاتفاق الثاني مع شركة التابلاين الأمريكية لمد خطوط نقل للنفط, كما أن الزعيم أبدى مرونة شديدة تجاه الاجتماع مع بن غوريون وتوقيع اتفاق هدنة مع إسرائيل، وطرح مشروع لتوطين جزء من لاجئي الشعب الفلسطيني في سوريا، وهي مطالب أمريكية بطبيعة الحال.(6)

بالمقابل رمى الزعيم بالمصالح البريطانية جانبًا، وابتعد عن الاتجاه الداعم للوحدة مع التاج العراقي، بل وكانت علاقاته مع العراق والأردن سيئة عمومًا.

من الواضح أن انقلاب الزعيم قد جاء نتيجة الصراع بين القوى الكبرى، مما يكذب فكرة حصول بلادنا على استقلالها الفعلي فبلادنا كانت تعصف بها ريح صراع البترول الأمريكي البريطاني.(7)

كما يظهر لنا أن البلاد كانت تعاني من صراعات داخلية تدعمها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها مستفيدة من التشرذم والضعف السياسي الداخلي.

لم يستطع الزعيم أن يحافظ على كرسيه مدة طويلة، إذ إنه استعجل التغيرات وسرعان ما تفرد بالقرار بعيدًا عن مساعديه المقربين، فقد كان يتخذ من مصطفى كمال أتاتورك مثالًا أعلى (على أنه لم يمتلك أيًا من مواهب أتاتورك) فكان أول من يحارب التدين في سوريا بشكل مباشر حتى على مستوى اللباس العربي القديم، فنشر السفور واللباس الغربي وفرض العلمنة الصريحة في البلاد (سار خلف أتاتورك خطوة بخطوة) كما قام بمحاربة الطبقات التقليدية في المجتمع السوري القديم, أما على مستوى الجيش فقد قدم ضباط الأقليات على حساب أبناء المدن الكبرى، وأدار الأمور بديكتاتورية شديدة أبعدت الأنصار من حوله، وفي آخر المطاف كان الغدر بزعيم الحزب القومي السوري الاجتماعي أنطون سعادة, فبعد أن طلب منه القدوم لدمشق وأمله بالعمل سويًا عاد وسلمه للبنان حيث كان يواجه حكمًا بالإعدام نفذ فيه مباشرة, ما ترك نقمة كبيرة في نفوس الضباط الموالين للحزب في الجيش. كل ما سبق مهد للانقلاب التالي.(8)

لكي نعطي حسني الزعيم حقه فإنه حاول البدء بتحديث البلاد من خلال مشاريع تنموية جديدة، إلا أنه لم يهنأ بالكرسي الذي حلم به كثيرًا لينفذ طموحاته ومشروعاته.

ما هو إلا شهر بعد الاستفتاء الشعبي الذي فاز به الزعيم برئاسة الجمهورية بأغلبية مريحة صوتت بنعم، وتعيينه محسن البرازي رئيسًا للوزارة، إلا وأفاقت دمشق على البيان رقم واحد من جديد.

أعدم الزعيم فور الانقلاب الجديد ورئيس وزرائه البرازي , لتكتب نهاية المغامر الذي قال ذات يوم «ليتني أحكم سوريا يومًا واحدًا، ثم أُقتل في صباح اليوم التالي!».(9)

انقلاب سامي الحنواي 14 أغسطس (آب) 1949م

البيان رقم واحد «قام جيشكم الباسل بالانقلاب لينقذ البلاد من الحالة السيئة التي وصلت إليها، ولكن زعيم ذلك الانقلاب ـ حسني الزعيم أخذ يتطاول هو وحاشيته على أموال الأمة، ويعبث بالقوانين وحرية الأفراد… ولهذا وبعد الاعتماد على الله عزم جيشكم الباسل أن يخلص البلاد من الطاغية ورجاله، فأنقذ شرف البلاد، وآلى على نفسه أن يسلم الأمر إلى الأحرار المخلصين من رجالات سوريا، وسيعود الجيش إلى ثكناته، ويترك السياسة إلى رجالاتها».(10)

كانت الأيدي الخارجية واضحة المعالم في الانقلاب الثاني، إذ إن العراق والأردن المتضررين من توجهات الزعيم أرسلوا برقيات التهنئة في اليوم التالي للانقلاب, كما رحبت الجرائد البريطانية بالانقلاب، أما الصحف الفرنسية فقد رأت فيه مؤامرة على سوريا.(11)

حاول الحناوي الحكم من الخلف دافعًا بحكومة مدنية أمامه كان رئيسها هاشم الأتاسي، شارك فيها حزب الشعب وحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان مهمة الحكومة إنجاز الوحدة مع العراق. ولا شك أن البريطانيين كانوا مرتاحين لهذا التوجه بعكس الفرنسيين الذين كانوا يحاولون الدفاع عن بقية مصالحهم في سوريا، إذ سرعان ما ألغى الحناوي الاتفاقيات الموقعة في عهد الزعيم.

انتُخِبتْ جمعية تأسيسة جديدة أوكل لها العمل على عودة الحكم المدني من جديد في البلاد، واجتمعت في 12 ديسمبر (كانون أول) 1949.

وانتخبت هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية في 14 ديسمبر 1949 ليأتي البيان رقم واحد الجديد الذي تعود السوريون على سماعه في ذلك العام بعد خمسة أيام فقط.

انقلب العقيد أديب الشيشكلي على حكم الحناوي وأعاد البوصلة للاتجاه السابق مع إتقان أكبر، فاستقر الحكم فترة جيدة وقد عنونت الدوائر البريطانية ـ حسبما ورد في برقيات رويتر ـ على الانقلاب السوري الجديد بقولها: «إنه بداية النهاية لمشروع سوريا الكبرى، ومشروع اتحاد سوريا والعراق».(12)

لا شك أن هناك عدة عوامل لم تساعد الحناوي على تنفيذ مشروعه، أولها العرقلة الخارجية الفرنسية كما أسلفنا باعتبارها قوة دولية، والمصرية باعتبارها قوة إقليمية، والتنافس الهاشمي الهاشمي بين العراق والأردن الذي أضعف هذا الاتجاه, أضف إلى ذلك عدم اتفاق مؤيدي الاتحاد مع العراق من السوريين حول شكل هذا الاتحاد فالبعض يريده تحت الملكية العراقية وآخرون يريدون اتحادًا يحافظ على النظام الجمهوري في سوريا.

إن قراءة أحداث ذلك العام تبين لنا أن بلدنا كان وما زال في عين العاصفة، وأن القوى الكبرى سعت دائمًا باتجاه مساعدة الطامحين من العسكر على الوصول للسلطة كي يتجاوزوا أي معارضة قد تأتي من الشعب لمشروعاتهم الاستعمارية, فكان الوضع كالذي طلبه بن غوريون في كتابه أعوام التحدي «إن إسرائيل ستبقى عنصرًا غير مرغوب فيه في المنطقة، إلى أن تسيطر طبقة العسكريين ومفلسفوها، مشيرًا إلى أنّ الهوة ستزول حتمًا بين إسرائيل ودول المنطقة، حالما تسود الاشتراكية والعسكرية حياةَ دول المنطقة».(13)

هذا المطلب الذي غدا واقعًا بعد عقدين من الزمن، فتشكلت طبقة محلية حامية لمصالح الاستعمار وضاربة بمصالح أمتنا عرض الحائط, فكان أن سرنا في ذلك المسار لعدم وجود إجماع يحقق نهضة حقيقية مدركة لمصالح الاستعمار وخطره وطريقة اللعب معه دون تضييع للحقوق، بالإضافة إلى أن أغلب التيارات السياسية كان تفكيرها منحصرًا في مصالح حزبية ضيقة ما جعل بعضها يؤيد مغامرات العسكر بهدف القضاء على المنافسين، ومن ثم الاستفراد بالحكم دونما انتباه لطموحات العسكر وديكتاتوريتهم، في مراهقة سياسية لا تزال آثارها واضحة على مسيرة بلدنا إلى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد