هذا مفتتح للحديث عن حوادث مفترق التاريخ التي وقعت في عام 1967 تأسيسًا على الهزيمة التي جلبها الرئيس المصري جمال عبد الناصر لكل المسلمين ولكل العرب وللمصريين: وهو حديث يأتي بجديد محجوب، بعد أن سادت روايات مضللة، مارست التضليل العمدي والتلاعب في رواية هذا الحدث التاريخي الفاصل.

في عام 1967 صنع جمال عبد الناصر أكبر هزيمة في تاريخ المصريين على مدار تاريخهم المدون، وواحدة من هزائم المسلمين الكبرى، منذ ظهر اﻹسلام، تتساوى مع طردهم من اﻷندلس وانكسارهم وخروجهم من الهند، وواحدة من هزائم الحروب التي غيرت البشرية فيما بعدها.

وقد أفلت جمال عبد الناصر بما فعل، فلم يحاكم عسكريًا أو جنائيًا أو سياسيًا عما صنع، وقد كان هذا واحدًا من العجائب السياسية التي صنعتها القوى السياسية العالمية المتصارعة، في ذلك الوقت، فقد عملت وحافظت كل القوى التي صنعت من جمال عبد الناصر قائدًا وشخصًا ورئيسًا مهزومًا، على استمراره في الحكم لفترة ما بعد الهزيمة الكبرى في عام 1967، ومن بين هذه القوى التي صنعت هزيمة عبد الناصر، وقد حرصت على استمراره في الحكم وعدم إسقاطه.

 كانت دولة إسرائيل التي بادأها عبد الناصر الحرب بإعلانه إغلاق مضايق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية في ظهر يوم الاثنين 22 مايو (آيار) 1967 في قاعدة أبو صوير الجوية وسط مجموعة من رجال سلطته وصحفيي النظام، ففتح بذلك باب الحرب في الوقت الذي ألزم فيه القوات المسلحة بألا تقوم بالضربة الأولى الوقائية ضد الحشود الإسرائيلية ضد مصر، وفي الوقت الذي لم تكن فيه القوات المسلحة المصرية جاهزة لحرب جديدة تتزامن مع الجبهات المفتوحة في اليمن ومحاولته غزو المملكة العربية السعودية انطلاقًا من أراضي اليمن وإسقاط حكم الملك فيصل لصالح أخيه الملك المخلوع سعود الذي كان يقيم في القاهرة وكان هو الممول والداعم لعملية الغزو المصرية لأراضي المملكة العربية السعودية.

ويبقى هنا أن أشير في هذه السطور التي تتناول بعضًا من دراستي حول عام 1967 وأحداثه، إلا أنه قبل أن يتلقى جمال عبد الناصر الضربة الساحقة والهزيمة الكبرى في هذا العام، فقد وقعت: حوادث غريبة وسلوك مريب من مجموعات الحكم في مصر وفي سوريا وفي العراق والأردن، لن أستبق توصيفه ولكن يجب القول أن عبد الناصر ورجاله كانوا هم الأكثر ريبة من بين الأنظمة العربية الحاكمة في ذلك الوقت، ويجب لفت الانتباه إلى الدور الذي مارسته بعض الشخصيات السياسية في مصر في هذه الفترة، وعلى رأسهم اثنان بالتحديد هما: الرئيس جمال عبد الناصر نفسه ومستشاره الخاص محمد حسنين هيكل فقد كانا شركاء في التدبير الذي حدث لمصر ودورها في هذا العام، وما ترتب عليه من مكانة وأدوار لمصر منذ ذلك التاريخ وحتى نهاية التاريخ.

فقد سبق عام 1967 أن تلقى جمال عبد الناصر مجموعة من رسل التحذير السرية والعلانية، إلى أنه يدبر لمصر شيء كبير وخطير ولقد تجاهل جمال عبد الناصر هذه الرسائل التحذيرية والتي وصلته إحداها مثلا عن طريق يوجين بلاك رئيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير وبدأ منذ يوم السبت 13 مايو 1967 مقامرة استغلال الأنباء المتضاربة والمزعومة عن وجود حشود إسرائيلية تتجمع لمهاجمة سوريا وإسقاط النظام الحاكم بها، وقد دفع عبد الناصر بفرق الجيش المصري إلى سيناء ابتداء من يوم 14 مايو 1967 وفي يوم 16 مايو طلب جمال عبد الناصر عن طريق الفريق أول محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية من الجنرال الهندي إندار جيت ريكي سحب القوات الدولية من أماكن تواجدها داخل الحدود الشرقية المصرية.

 فلما خير الدكتور راف بانش مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الناصر بين الانسحاب الكلي لقوات الطوارئ من كل أماكن تمركزها في سيناء وفي قطاع غزة وفي شرم الشيخ وتيران، وبين بقاء هذه القوات وفق مهمتها المحددة منذ عام 1957. فقد اختار جمال عبد الناصر أن يتصرف مناقضًا لما اضطر إليه من اتفاقات لجأ إليها في 1957 وكان الاتفاق السري في هذا العام قد تم بين: مصر وأمريكا ممثلة لإسرائيل والأمين العام للأمم داج همرشولد والذي أقره الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصري، وقد جرى على أنه: مقابل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء ومن شرم الشيخ وتيران، أن تحصل إسرائيل في المقابل على: حرية الملاحة في خليج العقبة. وفي 18 مايو 1967 فقد واصل عبد الناصر: المقامرة، وطلب سحب القوات الدولية من كل أماكنها، وتمادى في المقامرة وأعلن غلق مضايق تيران في وجه الملاحة البحرية الإسرائيلية، وسط صيحات الطياريين المصريين في مواجهته بأن هذا إعلان حرب على إسرائيل وأن عدم المبادأة بالهجوم في هذه الحالة: يعتبر مقامرة غير مأمونة العواقب، ورغم ذلك فقد تمادى عبد الناصر في المقامرة وأعلن أن الأزمة ستمر بدون حرب.

وحدثت الهزيمة الكبرى، التي غيرت تاريخ البشرية، ليس في الشرق اﻷوسط فقط، بل في العالم أجمع. وقد كان من حرص صناع الهزيمة على مضاعفة أثر الهزيمة ونتائجها في مصير المصريين والعرب والمسلمين، ومن ذلك أن استمر النظام الذي صنع الهزيمة في الحكم، وأن تتولى آلة الدعاية الخاصة بهذا النظام، رواية وقائع هذه الهزيمة وتبريرها. وقد قام بهذه المهمة ممثلًا لكل نظام جمال عبد الناصر ومكلفًا منه ومعبرًا عنه محمد حسنين هيكل مسئول الدعاية في عهد عبد الناصر وقناته السرية للاتصال مع المخابرات المركزية اﻷمريكية منذ أغسطس (آب) 1952 وحتى رحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر (أيلول) 1970. لقد كتب هيكل الرواية غير الصادقة والمحرفة عن وقائع الحياة السياسية في عهد عبد الناصر وقد بالغ هيكل في روايته الكاذبة وخصوصًا ما جاء منها متعلقًا بعام 1967 عام الهزيمة ونهاية دولة عبد الناصر وبداية العهد الجديد من التاريخ.

حقا لقد كان عام 1967 هو عام نهاية حقبة من التاريخ المصري وبدء ما يمكن تسميته بـعهد بداية نهاية التاريخ ففي منتصف هذا العام التحولي فقد جرت وقائع الهزيمة الكبري في حياة المصريين، وتحقق أول انتصار كبير لليهود عليهم منذ الخروج الهارب السارق المصاحب لنزوح النبي موسى عن اﻹقامة في مصر، وبهزيمة يونيو (حزيران) 1967 انكسر الاقتران ما بين الديانة المصرية القديمة التوحيدية وما بين الديانة اﻹسلامية، أمام الديانة اليهودية والمسيحية الصهيونية، وبدأ عهد من اﻹسلام التابع الذي تلجأ فيه دوله اﻹسلامية وحكام هذه الدول، إلى الحماية المباشرة والمعلنة من الدول التي تمثل الفكر والشخصية الصهيو مسيحية. وأصبحت هذه الهزيمة السياسية والعسكرية التي جلبها جمال عبد الناصر هي المؤسسة لكل الوقائع واﻷحداث إلى ما نظن أنه نهاية الحياة البشرية والحضارية في العالم.

لقد تغير العالم ما بعد هذا العام، لم يعد كما كان، لقد أصبح عالم ما بعد عام 1967 مختلفًا تمامًا عما قبله، وحتى عندما استطاعت مصر في مشوارها الذي تلى هذا العام استرداد بعض اﻷرض المفقودة، في أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فإنها كانت بذلك قد كرست ما حدث لا صوبته.

على مدار سنوات طويلة جدًا، تجمع لدي وثائق فضح الرواية العامدة الكاذبة للرئيس جمال عبد الناصر ولرجل الدعاية واﻹرشاد القومي والعلاقات السرية مع اﻷمريكان محمد حسنين هيكل، واللذين انفردا سويًا وبعيدًا عن باقي شخصيات ومؤسسات الدولة المصرية في هذه الفترة، بصنع وتخطيط أخطر القرارات والسياسات التي نفذها الآخرون في الدولة وكأنها وحي وإلهام نزل على الزعيم الخالد. ولقد نشرت بعضًا مما تجمع لدي من وثائق ومذكرات عن صنع القرارات السياسية، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر نشرت بعضًا من هذا، في السنوات الماضية وفي حياة هيكل ولقد آن اﻵوان لاستكمال الرواية اﻷخرى الفاضحة والمعرية للرواية الكاذبة التي راجت على يد رجال سلطة حكم العسكر منذ يوليو اﻷول في 1952 وحتى ما بعد يوليو الثاني في 2013.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, تاريخ, مصر

المصادر

أوراق شمس بدران وزير الحربية في عهد جمال عبد الناصر وحوراته المسجلة مع محمد الصباغ
عرض التعليقات
تحميل المزيد