مات أحمد الجلبي، مهندس أكبر كذبات القرن الحالي حين سوقت أمريكا قوله إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، واحتلت أمريكا العراق بناء على تلك الكذبة ذاتها، لكنها في الحقيقة لم تكن كذبة بمعناها الحقيقي.

 

 

قبل أن يظهر الجلبي لسطح السياسة، كانت أمريكا قد عقدت العزم على احتلال العراق، ومن طرق التسويق تلك كان أحمد الجلبي نفسه الذي يكثر من قوله إن لديه معلومات جازمة أن في العراق أسلحة دمار شامل. من هنا أتت أهمية أحمد الچلبي “الشماعة الأشهر” لاحتلال العراق من أمريكا، والذي وافته المنية اليوم وهو في العقد السابع، وكأنه كرة تلعب بها الدول، لعبت به أمريكا وتركته، ثم لعبت به إيران وتركته، لكنه بقي محافظًا على خطه القديم، خط المال والأعمال، لكنه يتصدر كسياسي.

جمعتني بأحمد الجلبي عدة لقاءات، وهو سياسي يتمتع بدهاء فوق العادة، ذكاء ومعلومات وفهم عام للحياة والرياضيات والروحانيات والتصوف، وبمسحة من العقلية الغربية في إدارة الاقتصاد. قبل ثلاثة عشر عاما، يوم صار أحمد الجلبي رئيسًا لمجلس الحكم الانتقالي الذي شكله بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، وكان تسلسله الثاني في رئاسة المجلس الشهرية بحسب الحروف الأبجدية بعد إبراهيم الجعفري الذي يشغل حاليًا منصب وزير الخارجية.

 

 

 

في ذلك اليوم أجرينا معه حوارًا مباشرًا لقناة الجزيرة كأول قناة في العالم تجري حوارًا مع من صار لتوه رئيسًا لمجلس الحكم، أو الرجل الثاني في العراق بعد الرجل الأمريكي بريمر ولو لمدة شهر، تأخر الجلبي عن موعد البث المباشر عشر دقائق، وكنوع من الودية وكبادرة لطيفة: أتى “ركضًا” لمكان اللقاء وهو حدائق المنطقة الخضراء يسار مقر البرلمان، وأجرى اللقاء معه وضاح خنفر مدير مكتب بغداد حينها. لا أظن أن سياسيًّا آخر كان قادرًا على فعل ذلك، رئيس عراقي يركض للقاء تلفزيوني! لكن عقليته غربية.

منذ البداية كان الچلبي هو الأقوى ثم نزل ونزل حتى أصبح خبر وفاته عاديًّا، حتى هذا المقال كتب لاستذكار ما كان من تاريخه، وليس ما حصل في آخر أيامه. إطلالتنا الأولى عليه كعراقيين في بغداد وكنا ننتظر الاحتلال، كانت في صورته مع قوات له تلبس ثياب المارينز الأمريكي، وهو يلبس قبعة أمريكية، كانت الحرب قد بدأت لتوها. سريعًا دخلت قواته بعد احتلال العراق، وكانت ضمن من أزال تمثال ساحة الفردوس، ثم سيطرت على نادي الصيد وبيوت قربه. كذلك وقعت بأيديهم ملفات المخابرات العامة القريبة من نادي الصيد نسبيًّا، وأطلق الجلبي مع بريمر لاحقًا هيئة اجتثاث البعث وهندس حل الجيش السابق، ليعود من جديد وينتقد الاجتثاث وما وصل إليه.

ومنذ الأيام الأولى كانت تكتب على جدران بغداد بكثرة في يومها عبارة “أحمد الچلبي سارق بنگ البتراء” وهذا البنك أردني اتهم الجلبي بسرقة أمواله وهروبه من الأردن، ورفعت على الجلبي قضايا وصار مطلوبًا للأردن بجنح اقتصادية، كنت أشاهد تلك الكتابات بكثرة، كانت تمسح نهارًا من مليشيا الچلبي وتكتب ليلًا من أعدائه.

مرت الأيام، علم الجميع أن أمريكا استخدمت ورقة أسلحة الدمار الشامل ككذبة للحرب، ثم اختلف معه الأمريكيون، وتحدثوا عن أن الجلبي عميل مزدوج لأمريكا وإيران، وأنه كان يسرب معلومة حساسة لإيران. أواسط ٢٠٠٤ دخل الجنود الأمريكيون لبيته ليعتقلوه: رفع عينه عليهم وقال: هل ستعتقلونني مثل صدام، تركوه وغادروا، بعد أن طوقت عشرات الآليات العسكرية مقره قرب نادي الصيد، كان خبر اعتقاله قد ظهر في معظم وسائل الإعلام، لكن الجلبي ظهر ونفاه بسرعة، بالفعل هو لم يعتقل، لكنه كان على وشك الاعتقال.

 

 

 

واحدة من أشهر صور الچلبي هي تلك التي جمعته مع صدام حسين يوم اعتقاله، وكانا وجهًا لوجه في السجن، الجلبي جلس على منطقة أعلى قليلا من صدام حسين، وكانت الصورة ليست حيادية، وصدام ليس أنيقًا، كان صدام سجينًا بثوب غير مرتب، وشعر مبعثر، ووجه شاحب، ومع ذلك لم يكن في الصورة نوع من التشفي، الصورة ظهرت يومها كمفاجأة لأن ما شاهده العالم من صور صدام، هي الفيديو الذي عرضه بريمر في مؤتمر صحفي فقط. وهكذا مات الچلبي بعد رحلة طويلة، تغير أسلوبه في آخر سنواته، ليظهر منهجًا شيعيًّا غريبًا، وقد أسس ما أطلق عليه “البيت الشيعي”، وهو السياسي العلماني، لكنه على ما يبدو مثل التاجر، يعرض البضاعة بحسب ما هو موجود في السوق، أظهر سياسة شيعية خارجة عما اشتهر عليه من علمانية، وظهرت جلية بعد خسارته في انتخابات عام 2010.

 

 

جلبي

تركته أمريكا بعد سنوات قليلة من احتلالها العراق، ويبدو أنها رفضت تسليمه أي منصب تنفيذي في البلاد، وباءت كل محاولاته بالحصول على أي وزارة في العراق بالفشل، حتى إيران، لم تكن لتكترث به، كان ورقة واحدة في دفتر مليء بالأوراق، ورقة من النوع المتوسط، والتي لا تصلح لأن توضع على الجدران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد