“الاستعمار لا يتكون إلا بقابلية الاستعمار” مالك بن نبي.

إن الإجابة عن السؤال حول بقاء الاستعمار من عدمه في اللحظة الراهنة وخاصة في دول العالم الثالث يفرض التعرض إلى ثلاث جوانب مهمة على الأقل وهي:

بداية التوسع الاستعماري ونهايته وإمكانية عودته من جديد.

تاريخ التوسع الاستعماري:

بدأ التوسع الاستعماري الحديث منذ القرن التاسع عشر ولم يكن سوى نتيجة حتمية للتطور الكبير الذي بلغته الرأسمالية في مرحلتها الصناعية وما فرضه ذلك التطور من حاجة لأسواق جديدة لتسويق منتجاتها ومواد أولية جديدة لمواصلة التصنيع.

هذا ما دفع الدول الأوروبية الكبرى إلى الخروج من أوروبا بحثـًا لها عن مستعمرات مقتسمة بذلك بقية العالم بينها مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبلجيكيا ثم ألمانيا في مرحلة متأخرة.

إن الظاهرة الاستعمارية كانت مرتبطة بتحولات كبرى شهدها النظام الرأسمالي الذي دفع الرأسمالية إلى أن تتحول إلى إمبريالية توسعية تحمل في داخلها أهدافـًا متعددة منها السياسي والاقتصادي.

وتتمثل الأهداف السياسية في تحسين مركز الدولة الاستعمارية في التنافس على المراكز المتقدمة على سلم القوى الدولي، ما يجعلها أكثر قدرة على التحكم في القرارات الدولية وتوجيهها لصالحها، ويمكن اعتبار مؤتمر برلين عام 1884 مؤشرًا على ذلك، فقد عقد هذا المؤتمر بسبب الصراع بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ.

أما الأهداف الاقتصادية فتتمثل في الحصول على المواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات الجديدة كالفطن في مصر والماس والذهب في جنوب القارة الإفريقية والأراضي الزراعية في الشمال الإفريقي.

تحمل كذلك الظاهرة الاستعمارية أهدافـًا دينية وثقافية تجسدت في الجهود المبذولة آنذاك لإعادة تشكيل المنظومة الثقافية والدينية وجعله أكثر ارتباطـًا بالدولة المستعمرة وهو ما تجسد في تونس بالمؤتمر الأفخارستي وحملات التبشير بالمسيحية.

كما حلت لغة المستعمر كلغة رسمية في المستعمرات حتى بعد رحيل الاستعمار كاللغة الإسبانية في أمريكا اللاتينية والإنجليزية في المستعمرات البريطانية والفرنسية في التشاد والسنغال، والبرتغالية في الموزمبيق، أو كلغة ثانية كالإنجليزية في مصر والعراق والأردن والفرنسية في المغرب العربي.

وقد أدى التنافس الاستعماري إلى قيام حروب إقليمية وعالمية لعل أخطرها وأكثرها كارثية من حيث النتائج هي الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

وقد كانت هذه الحروب مساهمًا كبيرًا في تحول البنية الاقتصادية والسياسية للدول المستعمرة ما جعلها تنتقل إلى مرحلة جديدة في إنهاء الاستعمار خاصة مع بروز حركات التحرر الوطني.

 

نهاية الاستعمار بين إرادة المستعمر وإرادة الشعوب وحركات التحرير:

منذ القرن العشرين أصبحت الرأسمالية رأسمالية احتكارية بعد أن كانت تنافسية وعرفت تحولاً بنيويًا كبيرًا بظهور البنوك والبورصات، ولم تعد الدول الاستعمارية بحاجة إلى بسط نفوذها الميداني بالجيوش والعتاد بعد أن جعلت شعوب المستعمرات شعوب استهلاكية في حاجة دائمة لها، ما دفعها إلى تغيير سيطرتها العسكرية باهظة التكلفة إلى سيطرة اقتصادية وسياسية واستعمار جديد بالقروض والاستثمارات في الوقت الذي رافق هذا التغير صعود الفكر الاشتراكي في أوروبا وما ينادي به من قيم التحرر والتطور الفكري والسياسي والعمالي والعدالة الاجتماعية.

يبدو وفق ما سبق أن الاستعمار كان بإرادة المستعمر واختياراته الاستراتيجية لكن هذا لا ينفي الدور الكبير الذي قامت به الحركات الوطنية التحريرية من خلال نضالها السياسي وكفاحها المسلح التي قاومت الاحتلال.

وقد اعتمدت الشعوب في نضالها أساليب متنوعة بين المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة ومن أبرز رواد المقاومة السلمية أو اللاعنف هو المهاتما غاندي زعيم الحركة الوطنية الهندية وحزب المؤتمر الوطني الذي تأسس سنة 1885 الذي انتهج سياسة العصيان المدني ومقاطعة البضائع البريطانية والإضراب على العمل.

وقد استقلت الدول الأسيوية والإفريقية بعد عبر ثلاثة مراحل:

  1. مرحلة بين 1946 و1960: تميزت باستقلال معظم دول جنوب شرق آسيا، إضافة إلى بعض دول إفريقيا مثل ليبيا في 1952، المغرب وتونس1956، غانا 1957 وغينيا 1958.
  2. مرحلة 1960: حظيت فيها بلدان إفريقيا الوسطى والغربية بالاستقلال من وطأة الاستعمار الفرنسي.
  3. مرحلة ما بعد 1960: تحقق فيها استقلال الجزائر 1961، الموزمبيق، وبقية دول جنوب إفريقيا واليمن، البحرين، سلطنة عمان، الإمارات، الكويت وغينيا الجديدة بجنوب شرق آسيا في 1975.

وبعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال مازالت دول العالم الثالث تعاني من وطأة الاستعمار.

 

ما بعد الاستعمار: استعمار جديد وسقوط متواصل:

تشعر أغلب الشعوب بعد مرور أكثر من نصف قرن من “الاستقلال”، بأن لا شيء تغيّر في ظروفها المعاشية وأحوالها الاقتصادية وأوضاعها السياسية هذا إن لم تزداد سوءًا على ما كانت عليه في عهد الاستعمار المباشر.

يتحدث بعضهم من المفكرين والمحللين عن الاستعمار الجديد كظاهرة مختلفة عن الاستعمار التقليدي العسكري يتجلى في العولمة كنظام عالمي بقيت فيه مشاكل العالم الثالث وتدعمت فيه سيطرة الدول المتقدمة التي إن أزعجتها أية دولة تعود إلى الحل العسكري كما حدث في العراق وغيرها.

إن العولمة تقوم على اجتياح للثقافات الأخرى ومحوها، وإذا كان لهذه الثقافات من بقاء فسيكون بقاء فلكوريًا لمجرد الاستمتاع وليس لتنمية وإخصاب الذات الإنسانية، إنها سيطرة القوى الكبرى والغالبة، وهي إلى جانب السيطرة الاقتصادية والسياسية تمارس السيطرة الثقافية وتستخدم كل تنوع ثقافي في سبيل التنكيل بالآخرين وإرهابهم لأجل استتباعهم ثقافيًا.

إن العولمة تمثل غزوًا، فهي مشروع يتسلح بواقع الهيمنة على السياسة والاقتصاد من جهة، وبالقدرة غير المسبوقة في توجيه الإعلام من جهة أخرى، كما أنها تتسلح أيضًا بالقدرة على التشريع على المستوى الدولي.

“الاستعمار لا يتكون إلا بقابلية الاستعمار” مالك بن نبي.

إن الإجابة عن السؤال حول بقاء الاستعمار من عدمه في اللحظة الراهنة وخاصة في دول العالم الثالث يفرض التعرض إلى ثلاث جوانب مهمة على الأقل وهي:

بداية التوسع الاستعماري ونهايته وإمكانية عودته من جديد.

 

تاريخ التوسع الاستعماري:

بدأ التوسع الاستعماري الحديث منذ القرن التاسع عشر ولم يكن سوى نتيجة حتمية للتطور الكبير الذي بلغته الرأسمالية في مرحلتها الصناعية وما فرضه ذلك التطور من حاجة لأسواق جديدة لتسويق منتجاتها ومواد أولية جديدة لمواصلة التصنيع.

هذا ما دفع الدول الأوروبية الكبرى إلى الخروج من أوروبا بحثـًا لها عن مستعمرات مقتسمة بذلك بقية العالم بينها مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبلجيكيا ثم ألمانيا في مرحلة متأخرة.

إن الظاهرة الاستعمارية كانت مرتبطة بتحولات كبرى شهدها النظام الرأسمالي الذي دفع الرأسمالية إلى أن تتحول إلى إمبريالية توسعية تحمل في داخلها أهدافـًا متعددة منها السياسي والاقتصادي.

وتتمثل الأهداف السياسية في تحسين مركز الدولة الاستعمارية في التنافس على المراكز المتقدمة على سلم القوى الدولي، ما يجعلها أكثر قدرة على التحكم في القرارات الدولية وتوجيهها لصالحها، ويمكن اعتبار مؤتمر برلين عام 1884 مؤشرًا على ذلك، فقد عقد هذا المؤتمر بسبب الصراع بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ.

أما الأهداف الاقتصادية فتتمثل في الحصول على المواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات الجديدة كالفطن في مصر والماس والذهب في جنوب القارة الإفريقية والأراضي الزراعية في الشمال الإفريقي.

تحمل كذلك الظاهرة الاستعمارية أهدافـًا دينية وثقافية تجسدت في الجهود المبذولة آنذاك لإعادة تشكيل المنظومة الثقافية والدينية وجعله أكثر ارتباطـًا بالدولة المستعمرة وهو ما تجسد في تونس بالمؤتمر الأفخارستي وحملات التبشير بالمسيحية.

كما حلت لغة المستعمر كلغة رسمية في المستعمرات حتى بعد رحيل الاستعمار كاللغة الإسبانية في أمريكا اللاتينية والإنجليزية في المستعمرات البريطانية والفرنسية في التشاد والسنغال، والبرتغالية في الموزمبيق، أو كلغة ثانية كالإنجليزية في مصر والعراق والأردن والفرنسية في المغرب العربي.

وقد أدى التنافس الاستعماري إلى قيام حروب إقليمية وعالمية لعل أخطرها وأكثرها كارثية من حيث النتائج هي الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

وقد كانت هذه الحروب مساهمًا كبيرًا في تحول البنية الاقتصادية والسياسية للدول المستعمرة ما جعلها تنتقل إلى مرحلة جديدة في إنهاء الاستعمار خاصة مع بروز حركات التحرر الوطني.

 

نهاية الاستعمار بين إرادة المستعمر وإرادة الشعوب وحركات التحرير:

منذ القرن العشرين أصبحت الرأسمالية رأسمالية احتكارية بعد أن كانت تنافسية وعرفت تحولاً بنيويًا كبيرًا بظهور البنوك والبورصات، ولم تعد الدول الاستعمارية بحاجة إلى بسط نفوذها الميداني بالجيوش والعتاد بعد أن جعلت شعوب المستعمرات شعوب استهلاكية في حاجة دائمة لها، ما دفعها إلى تغيير سيطرتها العسكرية باهظة التكلفة إلى سيطرة اقتصادية وسياسية واستعمار جديد بالقروض والاستثمارات في الوقت الذي رافق هذا التغير صعود الفكر الاشتراكي في أوروبا وما ينادي به من قيم التحرر والتطور الفكري والسياسي والعمالي والعدالة الاجتماعية.

يبدو وفق ما سبق أن الاستعمار كان بإرادة المستعمر واختياراته الاستراتيجية لكن هذا لا ينفي الدور الكبير الذي قامت به الحركات الوطنية التحريرية من خلال نضالها السياسي وكفاحها المسلح التي قاومت الاحتلال.

وقد اعتمدت الشعوب في نضالها أساليب متنوعة بين المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة ومن أبرز رواد المقاومة السلمية أو اللاعنف هو المهاتما غاندي زعيم الحركة الوطنية الهندية وحزب المؤتمر الوطني الذي تأسس سنة 1885 الذي انتهج سياسة العصيان المدني ومقاطعة البضائع البريطانية والإضراب على العمل.

وقد استقلت الدول الأسيوية والإفريقية بعد عبر ثلاثة مراحل:

مرحلة بين 1946 و1960: تميزت باستقلال معظم دول جنوب شرق آسيا، إضافة إلى بعض دول إفريقيا مثل ليبيا في 1952، المغرب وتونس1956، غانا 1957 وغينيا 1958.

مرحلة 1960: حظيت فيها بلدان إفريقيا الوسطى والغربية بالاستقلال من وطأة الاستعمار الفرنسي.

مرحلة ما بعد 1960: تحقق فيها استقلال الجزائر 1961، الموزمبيق، وبقية دول جنوب إفريقيا واليمن، البحرين، سلطنة عمان، الإمارات، الكويت وغينيا الجديدة بجنوب شرق آسيا في 1975.

وبعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال مازالت دول العالم الثالث تعاني من وطأة الاستعمار.

 

ما بعد الاستعمار: استعمار جديد وسقوط متواصل:

تشعر أغلب الشعوب بعد مرور أكثر من نصف قرن من “الاستقلال”، بأن لا شيء تغيّر في ظروفها المعاشية وأحوالها الاقتصادية وأوضاعها السياسية هذا إن لم تزداد سوءًا على ما كانت عليه في عهد الاستعمار المباشر.

يتحدث بعضهم من المفكرين والمحللين عن الاستعمار الجديد كظاهرة مختلفة عن الاستعمار التقليدي العسكري يتجلى في العولمة كنظام عالمي بقيت فيه مشاكل العالم الثالث وتدعمت فيه سيطرة الدول المتقدمة التي إن أزعجتها أية دولة تعود إلى الحل العسكري كما حدث في العراق وغيرها.

إن العولمة تقوم على اجتياح للثقافات الأخرى ومحوها، وإذا كان لهذه الثقافات من بقاء فسيكون بقاء فلكوريًا لمجرد الاستمتاع وليس لتنمية وإخصاب الذات الإنسانية، إنها سيطرة القوى الكبرى والغالبة، وهي إلى جانب السيطرة الاقتصادية والسياسية تمارس السيطرة الثقافية وتستخدم كل تنوع ثقافي في سبيل التنكيل بالآخرين وإرهابهم لأجل استتباعهم ثقافيًا.

إن العولمة تمثل غزوًا، فهي مشروع يتسلح بواقع الهيمنة على السياسة والاقتصاد من جهة، وبالقدرة غير المسبوقة في توجيه الإعلام من جهة أخرى، كما أنها تتسلح أيضًا بالقدرة على التشريع على المستوى الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاستعمار
عرض التعليقات
تحميل المزيد