العنف ضرب مرة أخرى قلب العاصمة الفرنسية باريس رمز الحياة الغربية غير أن ردود الفعل لم تختلف كثيرًا عن الحالات السابقة إذ نقف دومًا أمام طيف واسع من المستنكرين للعنف والداعين للتضامن الخصوصي مع الدولة المستهدفة في إقرار ضمني لحالة التمييز بين الدماء البشرية .. دماء غالية إذا سالت وأخرى منحطة لا يأبه أحد إذا ما سالت أو حقنت، كما نجد فرقة من الشامتين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى التفكير بمنطقهم البسيط  القائل بضرورة أن نشمت بالآخر مثلما يهيننا ويتدخل في شؤوننا، وفي أقصى طرف يتموضع المرحبون بالعنف والمهللون له لأسباب عقائدية أو نفسية وأحيانًا لأنه استهدف الآخر وحسب دون موقف مبدئي بدعم العنف كأسلوب أو سياسة قائمة بحد ذاتها لأنه يتعرض للإدانة منهم حينما يصيبهم.

بالمختصر لم نتوقف ولو لمرة واحدة لنفكر بعقل خالص حول ما حدث، لنحاول أن نحلل هذا المشهد المعقد بأدوات عقلانية غير منحازة لجنون اللحظة، وعندما يتبنى تنظيم الدولة عملية ما تتحول ردود الأفعال الى محاولات لتجيير الحادث لصالح النسق الذي يفكر فيه طرف ضد آخر ضمن ثنائيات تقليدية كثنائية الغرب المتحضر ضد الشرق الهمجي المتخلف أو ثنائية التقدمي والأصولي أو ثنائية الوطني والخائن. لن نصل للحقيقة يومًا بهذا المسار كما أن الأنساق المعتبرة لن ينتصر بعضها على بعض، سنظل في دائرة عقيمة تسمى الفوضى التي أصبح تنظيم الدولة عنوانًا لمركزية انتشارها حول العالم كما لن تفيد نظرية المؤامرة سوى في إحراق الخلايا الدماغية في التفكير بين ثنايا الأحداث المعروضة للبحث عن الجهة المعينة المحددة ببساطة التي تقف خلف هذا التنظيم مع أن محرك  المآسي لن يتوقف لتحية هذا الشخص الذي يؤمن بالمؤامرة قائلًا له: سنعترف لك أيها الشجاع لقد كشفتنا .. بل سيواصل الدوران لإصابة الأهداف ويواصل هو الغرق في مستنقع اليأس بعيدًا عن الفاعلية.

هل جلس أحدهم بهدوء ليراجع الأحداث فينتبه أن تنظيم الدولة أعلن أنه قام بكل الأعمال التالية دون تفريق:

يقتل عالم آثار سوري، يعدم جنديًّا مواليًا للأسد، يقتل معارضًأ ثائرًا سوريًا، يفجر مقرًّا لجبهة النصرة، يقتل جنديًّا عراقيًّا، يقتل ابن عشيرة سنية عراقية، يفجر في سوق شيعية عراقية، يفجر في ضاحية بيروت الجنوبية، يفجر في عرسال تجمعا سلفيًّا، يختطف جنديًّا لبنانيًّا، يفجر ويقتل في باريس، يقتل سائحًا فرنسيًّا في الجزائر، يقتل جنديًّا مصريًّا، يحطم طائرة روسية، يحرق طيارًا أردنيًّا، يعدم رهينة أمريكية ويابانية، يفجر في السعودية والكويت، يفجر مسجدًا للحوثيين في صنعاء، يفجر في أنقرة، يقتل عنصرًا كرديًّا وشرطيًّا تركيًّا، يعدم عمال في ليبيا، يقتل مسلحًا ليبيًّا من هذا الطرف أو ذاك، يقتل عنصرًا من طالبان أفغانستان.

لا يوجد رابط  معين  بين هذه الأحداث ولا تنتمي إلى نسق من الأنساق الشائعة في التعامل مع التطورات السياسية، لا يجمعها سوى أنها عناوين للفوضى المتسربة التي لا يمكن التوقع بها إلا أنها ستتمدد عندما تتاح لها الفرصة وستبقى ما بقيت الثغرة المصدرة لها قائمة، ليس لها عقل مميز يرتبط بالمفاهيم السائدة، أنها  تشكل  ما يمكن أن نسميه مركزية الفوضى.

تنظيم الدولة ولد من الكارثة السياسية والاجتماعية في العراق بعد ٢٠٠٣ ثم وجد أراضٍ جاهزة في سوريا ومناطق أخرى كسيناء وليبيا ليقيم عليها الخلية التي توفر له التمويل والشرعية ولقد تبنى أقصى درجات العنف للبقاء والتمدد على قاعدة المواقف مما يجري في خليته الأساسية بين العراق وسوريا حيث الاحتقان الطائفي والبيئة المساعدة على التطرف وحيث يتقدم ويتراجع بين الحين والآخر.

هذا النموذج الوهمي لكسر قيم النظام الدولي وتدمير الحدود وباختصار مركزية الفوضى (وهمي لأنه قد لا يوجد تنسيق مباشرة بين عملياته) يضع المتلقي لنشاطه في جو الخوف والتهديد الدائم (لا غرابة أن الهدف من هذه العمليات هو الصدى المعنوي الذي تحدثه أكثر من الضرر المادي) وحينها تستدعي غريزة البحث عن الاستقرار والحفاظ على المكسب المحقق وتلجم غريزة البحث عن عالم أفضل أيًّا كانت التفاصيل، ولذلك أثر عميق في السياسة والعلاقات الدولية، فالسعي للاستقرار ودفع الخطر والحفاظ على مبادئ النظام أولى عند الأغلبية من محاربة الظلم. وإحقاق العدل وتحسين شروط الحياة، إن المنتمي لتنظيم الدولة كفرد (المستوى المجهري) يرى في وصول هذا النموذج لأهدافه النهائية فرصة لإحقاق مثله الأيديولوجية أو الحياتية بشكل عام، فتزداد الجاذبية للانضمام له أي القابلية لترسب الفوضى إلى مناطق هشة جديدة.

اما على المستوى العياني والدولي فيظهر المستفيدون من آثار النموذج  وهم على درجات بطبيعة الحال، فالقوة العظمى ليست في نفس المرتبة مع نظام استبدادي وحشي، الأولى لديها مصالح ومعززة بتماسك داخلي والثاني لديه هدف قذر هو الاستمرار في السلطة على حساب الحقائق في بلده.

النظام الاستبدادي قد يجير نموذج الفوضى ليمنحه الحياة ولكنه يلعب بمصيره. أي خطأ ستكون عواقبه وخيمة (تنظيم الدولة لن يعفي الأسد في قلب دمشق إذا سمحت الفرصة).

القوة العظمى تسعى للتحكم بنموذج الفوضى حتى لا يصبح خطرًا حقيقيًّا وجوديًّا وفي الطريق تستطيع التوقف (الخضوع للاستقرار = الحل الخاطئ) أو الاستمرار (إبقاء الأزمات دون حل) تماشيًا مع تحقق مصالحها من عدمه.

لديها القوة المادية والهامش في العلاقة بين السلطة والشعب للمناورة غير أن ذلك لا يعني أنها في مأمن بشكل مطلق، اللعب عند الحافة خطير دائمًا ونحو ذلك انهارت أكبر الإمبراطوريات عبر التاريخ.

إن الحل مع ظاهرة مركزية الفوضى الآن ومستقبلا لن يخرج عن أمرين:

الأول: سد الثغرات وحل الأزمات بطريقة صائبة وإشاعة نموذج يزاوج بين العدل والاستقرار (مركزية الحكم الراشد) لمنع التسرب.

الثاني: امتلاك القوة المادية والسياسية لمواجهة آثار التسرب والتحكم بها في كل لحظة ونقل التسرب بعيدًا عن نطاق الأمن القومي.

وكلاهما لن يتحقق في سياق المنطقة العربية إلا بالتغيير الشامل الذي عبرت عنه ثورات الربيع العربي، ما عدا ذلك قد تنجح كائنات الاستقرار وقواها الاستبدادية وقيمها العقيمة في سد ثغرة أو اثنين فقط لتفتح ثغرات أشد منها بعد سنوات قليلة فقد كانت هناك القاعدة والآن تنظيم الدولة ولا ندري ماذا سيكون بعده.

علينا أن ندرك بأن مفاهيم الطائفية والاستبداد والديموقراطية والوطنية والمقاومة والتحرر لا تنتمي لقاموس تنظيم الدولة رمز مركزية الفوضى في الوقت الحالي، ولكنها تحدد البيئة التي ينشط بها وتنبئ عن مدى نفاذيتها لتسربه، فعلى الباحثين عن حلول دائمة فرز المفاهيم بأن يتبنوا ما يخدم نهضة المنطقة وأن يتخلصوا مما لا يصلح وإن على حساب مصلحتهم الذاتية إن كانت شعاراتهم الرنانة صادقة فعلا، والتجربة تتحدث عن نفسها بما لا يدع مجالًا للشك أن الديموقراطية والتحرر في قائمة الأولويات لمن يريد أوطانًا قوية مزهرة تطرق أبوابها الفوضى وعندما لا تجد من يستقبلها تعود أدراجها خائبة .. ذلك التحدي الحقيقي لمن يدركه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

باريس, داعش, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد