في السبعينيات أصدر أمير شعراء الرفض أمل دنقل قصيدته الخالدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” العرافة التي كانت ترى الأعداء على مسيرة شهر, ولا يصدقها أهلها!  مستخدما التراث العربي لانتقاد الأنظمة العربية وقتها وضيقها من المعارضة وما آلت إليه الأوضاع.

 

“كسندرا” أو “ألكسندرا” هي النموذج الميثولوجي لـ”زرقاء اليمامة” العربية.. ولدسامة الحكي والتفاصيل في الميثولوجيا الإغريقية، اخترت الحديث عنها. تقول الأسطورة الإغريقية القديمة أن “أبوللو” حينما عشق “كسندرا” أهداها منحة “الاستبصار” وطلب منها الزواج منه, فلما رفضت عاقبها بأنه لم يجعل أحدًا يصدقها.

 

بعد فترة قالت “كسندرا” أن ميلاد طفل وهو “باريس” لن يجلب لـ”طروادة” إلا الدمار, ولم يصدقها إلا “هيكتور”.. وقد كان. بعدها قالت أن الحصان سيكون وبالًا على “طروادة” ولم يصدقها شعبها… وقد كان.

لم يعرف قيمة “كسندرا” إلا أعداء “طراودة” من الإغريق فقتلها “أجاممنون” وهي تصلي في مذابح أثينا خوفًا من تكهناتها الوطنية.

 

 

هناك فيلم أمريكي صدرَ في عام 2003 بعنوان IMAGINING OF ARGENTINA  بطولة “أنطوني بانديراس” الذي كان يلعب دور البطل “كارلوس” في حقبة الديكتاتورية العسكرية أو ما سمي بالـ”خونتا ميلتاريا” للأرجنتين.. “كارلوس” الذي اختطفت  زوجته “سيلسيا” الصحفية لأنها كتبت مقالًا يتحدث عن ظاهرة “الاختفاء القسري” التي اجتاحت “الأرجنتين” و”تشيلي” في تلك الحقبة السيئة من تاريخ أمريكا اللاتينية, اكتشفت أنه موهوب بـ”الاستبصار”. لم يكن معارضًا بالمعنى الفعلي للكلمة, إلا أنه في بحثه عن زوجته اكتشف أن هناك مئات الأرجنتين يطوفون شوارع “بيونس أيرس” في منتصف السبعينيات يبحثون عن ذويهم الذين تم اختطافهم بشكل قسري، ورفضت الحكومة الاعتراف بأماكن احتجازهم أو الإدلاء بأي تصريحات عنهم… فقام “كارلوس” بتجمعيهم في حديقة منزله حيث يبدأ في طقوس “الاستبصار” وإخبارهم عما يحدث لهم. “كارلوس” الذي بمفهوم الديكتاتوريات مواطن شريف وصالح, لم يقترف ذنبًا ولم يهاجم الجنرالات يومًا, كل ما يريده هو زوجته فقط!

 

ذهب يومًا لجنرال كبير على درجة وزير اعتقد أنه كان مسئولا عن الأمن القومي للبلاد, بعد مشادة كلامية بينهم – ينكر فيها الجنرال أي مسئولية للدولة عن المختطفين وينسبها لجماعات يسارية تريد أن تلصق التهمة بالدولة لإحراجها – طلب منه الجنرال التوقف عن جلسات الاستبصار تلك، فما كان من “كارلوس” إلا أن قال له قولته الرائعة “تخشى من الاستبصار لأنه سيدمرك”.. بالفعل يتم اختراق جلسات الاستبصار الخاصة بحديقة منزل “كارلوس” من قبل ضابط يدعي أنه فقد أخته التي تعمل في مكتب الجنرال, يكشف “كارلوس” حقيقته ويتركه ينفذ بجلده بعد أن ترك رسالة لطيفة للجنرال على جهاز التسجيل الخاص بالضابط مفادها أنهم لا يريدون خراب البلاد كما يتصور الجنرال وأعوانه بل يريدون ذويهم فقط. تختطف ابنة كارلوس الوحيدة في ذات الليلة وبعدها شريكه في المسرح ويقتلون.. وتنجح زوجته في الهرب وتنتهي أحداث الفيلم تاركة خلفها مرارة الاختفاء القسري في النفوس. بعدها بفترة نعرف أن الحكم العسكري أو “الخونتا” قد انتهى بكارثة في “الأرجنتين”، وهي ضياع قطعة هامة وهي الـ”فوكلاند” والتي تشبه “سيناء” عندنا في مصر، نتيجة لرغبة سكانها الانضمام لبريطانيا بعد اتهام “الخونتا” لهم بالتخابر والعمالة والخيانة وفشل النظام في احتواء الأزمة.

 

أتذكر هذا كله وسط متابعتي لخطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن ثم الحوار الذي أجرته معه مذيعة البي بي سي الذكية، وأخيرًا المؤتمر الصحفي للرجل مع رئيس وزراء بريطانيا الرجل يواجه مشاكل كبيرة في إقناع العالم السياسي والاقتصادي به, وفعليا الرجل لا يملك رؤية اقتصادية أو ظهيرًا سياسيًّا قويًّا, الرجل الذي قال عنه عراب الصحافة السياسية العربية “محمد حسنين هيكل” أنه مرشح الضرورة, والذي نجح وقتيًّا في مخاطبة البسطاء بلهجتهم, أصبح مفلسًا لأنه يواجه تحديات حقيقية تتمثل في التالي:

 

1_تحديات سياسية خارجية: وهو الملف الأكثر أداء للرئيس المصري  صراع للقوى العالمية في إعادة تشكيل المنطقة بعد ثورات الربيع العربي, وبقدر ما يحاول الرجل الإمساك بالعصا دومًا من المنتصف, لا يقبل أصحاب المصالح إلا بالانحيازات  الواضحة, وهو ما ستسفر عنه الأيام المقبلة خصوصًا في قضية الطائرة الروسية ومن ثم إجلاء جميع الرعايا الأجانب في مصر.

 

2_تحديات سياسية داخلية: جماعات المصالح وسيطرة رجال الأعمال على الإعلام والبرلمان القادم، وصراعهم المرتقب مع المؤسسة العسكرية على المكاسب الاقتصادية، بالإضافة للجماعات الحقوقية التي تلاحق النظام المصري يوما فآخر بقضايا نتيجة لانتهاكات حقوقية كالاختفاء القسري والاعتقال وأحكام الإعدام وغيرها, ناهيك عن غضب رجل الشارع نفسه من عدم تحسن أوضاعه المعيشية.

 

وفي مثل تلك المرحلة الراهنة في المنطقة الأكثر سخونة عالميًّا، نجد الرجل لا يقدم أطروحات شفافة لمؤيديه, ولا يطور من خطابه إلا ليصبح أكثر غضبًا وسخطًا من معارضيه ومطالبيه بالمزيد من الإصلاحات, الرجل كل حلوله الاقتصادية تتمثل في “الجيش حيضخ سلع أساسية” والسياسية “الشعب واخد على خاطره من الإخوان”. وللشباب “لو يعرفوا اللي بيحاك بينا حيبقوا قدامي” وتأتي إجابته على سؤال المذيعة حول ظاهرة الاختفاء القسري المنتشرة في المجتمع بأن الشباب “يهربوا وينضموا لداعش”, الرجل حتى لا يملك رؤية لإصلاح الفساد, وكل ما يؤرق نومه ويهز مضجعه هو أن الإعلام يتدخل وينتقده – مع ملاحظة أن الإعلام المنتقد هو أحد أكبر الداعمين له في حملة ترشحه للرئاسة – وينهرهم قائلا “ميصحش كده”.

 

مع استدعاء حالة الوطنية والاصطفاف واستمالة العواطف وخاصة النسائية منها – وكلها من الوسائل التي أجادها الجنرال في السابق – وعلى الفور بدأت حملات للهجوم على أي نقد يمس ساسة الرئيس والحكومة!

 

ومع فشل زيارة بريطانيا في تحقيق المرجو منها، وهو استمرار وتشجيع السياحة الإنجليزية لمصر؛ بدأ المزايدات على كل وطني بحجة أن الغرب يتآمر على الرئيس المؤمن, كما تآمر على الكولونيل ناصر من قبل – الجدير بالذكر أن السيسي نفسه أنكر بوضوح أن يكون امتدادًا لعبدالناصر في المنطقة؟! – خطاب ستيني فج!

 

 

السؤال الذي يفرض نفسه على كاتب المقال.. ألا يتعلم الدكتاتوريون في العالم أجمع ومؤيدوهم أن المعارضة ربما تقرأ ما في المستقبل وتحذر منه؟ إلى متى ستظل المجتمعات تمارس القهر والتهوين على مستبصريها؟ هل لابد وأن يجد العسكريون نفسهم في ورطة ويحاكمون على جرائم ارتكبت ليفيقوا؟

 

الغريب أن الرجل الذي صدر نفسه للعوام على أنه زعيم المستبصرين حينما وصف نفسه “طبيب الفلاسفة”، مستقدمًا ذلك برؤيا من نوعية “حنديلك اللي مديناهوش لحد” و”عبدالفتاح أوميجا”؛ أصبح يضيق ذرعًا بالمستبصرين من شعبه طالما لم يؤمنوا به!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد