لم يغب عن ذهن جميع المحللين السياسيين والمختصين في شؤون الشرق الأوسط خلال العقد – ربما العقود الثلاثة الأخيرة –  سعي القوى الاستعمارية القديمة إلى رسم خارطة جديدة تقسم فيها المنطقة العربية الغنية بالثروات، وبموقعها الجغرافي المهم عالميًا إلى (سايكوس – بيكو ) جديدة للمائة عام القادمة على الأقل، تحل محل شقيقتها الصغرى التي كانت بين المملكة المتحدة من جانب، وبين فرنسا من آخر.

بدأت الخطة من ثمانينات القرن الماضي بتحجيم الدب الروسي (الاتحاد السوفيتي) آنذاك، في أفغانستان بصناعة «طالبان، والقاعدة»، ثم أسفرت عن نفسها بقوة مع أحداث الحادي عشرمن سبتمبر (أيلول)، وارتفاع نغمة ما يسمى بالحرب على الإرهاب، لتصبح دول بكاملها وبمقدراتها تحت تصرف أخطبوط دولي تحت مسمى التحالف، ليضع الغرب قدمه وثقله في المنطقة بغطاء شرعي، سواء بحسن نية من دول عربية أو بتواطؤ من بعضها.

ويشعر المراقب أن هناك يدًا خفية تحرك الأحداث، دون أن تعلن عن نفسها صراحة، إلا أنها تواجه بعقبات أحيانًا من بعض الدول التي لا تريد أن تخرج من اللعبة خالية الوفاض، بدون أن يكون لها نصيب من كعكة الشرق الأوسط الجديد، وليس شرطًا أن يكون الثمن ماديًا على الأرض، بل قد يكون الثمن هو غض الطرف عن بعض الأفعال أو تعاظم  النفوذ في أماكن أخرى حسب أجندات معينة، وبشرط ألا يؤثر ذلك على المخطط ككل، فنرى ـ على سبيل المثال ـ دولة كبرى، كإيران، يلاعبها الغرب لعبة الملف النووي، بينما تلاعبه بورقة الطائفية في العراق وسوريا والبحرين ولبنان، بينما دولة، مثل روسيا، يراد إنهاكها اقتصاديا، فتقاوم بأوراق أوكرانيا والغاز الروسي لأوروبا و«الفيتو» ودعم بشار، وغيرها.

ولأن العالم لم يعد كما كان إبَان سقوط الخلافة العثمانية والحروب العالمية، وصارت الدنيا قرية صغيرة، كان لا بد من إيجاد وسائل أكثر إقناعًا للشرق المستهدف بحتمية دورانه بفلك القوى الغربية وإيهامه – ترغيبًا أوترهيبًا – بضرورة أن يظل في إطار التحالف، وإلا صار في مربع الإرهاب.

ولا شك أن هذه الخطة قد تصادفها عراقيل أحيانًا وصعوبات مرحلية، تستلزم إيجاد خطط واستراتيجيات بديلة.

من هذا المنطلق يتم تخليق كيانات أو جماعات تعطي المبرر في لحظة ما لإملاءات الغرب وشروطه – وما تنظيم الدولة عنا ببعيد – فإذا ما حققت الدول الكبرى غاياتها أو كادت، تركت اللعب باسم التنظيمات أو الجماعات لتلعب بورقة أو بورقات أخرى (الاقتصاد والدواء والأمراض …)

عالم تحكمه القوة ولا شيء غيرها، والناظر في الأحداث الجديدة والمتسارعة بمجرد فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا يكاد يجزم بأن الكوكب كان يسير في اتجاه ما، لكن فشل هذا الانقلاب غير هذا الاتجاه أو أوقفه ولو مؤقتًا عن الاستمرار في مخطط الهيمنة المطلقة على كل شعوب الأرض على الأقل ذات الأحلام التحررية المستقلة نسبيًا عن هذه المنظومة.

لكن التساؤل الأكبر هنا يتمحورحول (ماذا لو؟)

ماذا لو صار العالم بيد منظومة واحدة تسيره كيفما تشاء؟

هل يؤدي ذلك إلى التناغم بين أطراف هذا الكوكب كما تدعي الدول الكبرى؟ أم يعيد التاريخ إلى زمن السادة والعبيد؟ وهل من الممكن أن يكون هناك عقول ومنظمات، بل ربما دول تحاول إيقاف ذلك المد الاستعماري، أو أن تخرج بعض الحكومات عن السيطرة لسبب أو لآخر، هل تتدخل يد القدرة في هذا السيناريو، فتفيق بعض الدول للمخطط أو تظهر حركات مقاومة، أوتنظيمات، ما رد فعل الطرفين المتجاذبين في لعبة الأشرار؟

وما هي آفاق المرحلة القادمة من صراع الوجود؟

وكيف يمكن الخروج من شرك التقسيم؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه لاحقًا. بأن نعرج على محاولات إجهاض الربيع العربي والمؤامرات الداخلية من أبناء العمومة والأشقاء. وما هي مآلات الحراك الشبابي القادم؟

فللحديث بقية

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد