تابعت بكثير من الاهتمام كلاسيكو الأرض كما أسمته القنوات الرياضية، وذلك بعد سنوات من عدم متابعتي للنشاط الرياضي العالمي والمحلي، ومنذ بداية الشوط الثاني لمباراة الذهاب وانصرف ذهني بعيدًا عن كرة القدم، رغم أني لم أترك المباراة، لكن أصبحت أنظر لنجاح فريق ريال مدريد والعوامل التي أدت إلى هذا الأداء الجماعي الراقي، وحقيقة أصبحت في حيرة بين الاستمتاع بجمال اللعبة وبين تفسير لأسباب هذا الجمال والتناغم، حتى وجدتني أستمتع أيضًا بمعرفة هذه الأسباب.

بداية فإن معظم فرق أوروبا تتعامل مع كرة القدم بطريقة احترافية، أي أنها بجانب إسعاد الجماهير فإن الأندية الرياضية هي مشروع تجاري كبير، تتحكم فيه عوامل المكسب والخسارة المادية، وحتى تنجح هذه المشاريع فإنه يتم العمل على توفير منظومة عمل ناجحة وسياسة إدارية وفنية متناسقة ومتكاملة.

مدير فني لديه خبرة عملية طويلة في نفس المجال، يعلم نفسية اللاعب بشكل جيد فقد مّر بكل المواقف التي يمكن أن يتعرض لها اللاعب، يعرف متى يضغط على اللاعب ومتى يعاتبه ومتى يراضيه، قريب في العمر من معظم اللاعبين بل من الممكن أنه لعب مع بعضهم، يعتبر نفسه واحدًا من الفريق لا يغّتر بسلطة المدير ولا امتيازات القيادة، يتعامل مع النجوم والمغمورين بلا تمييز وبلا مُحاباة، المُجتهد يتقدم والتقليدي مكانه خارج الملعب، فوقت المباراة لا يسمح بالمُجاملات ولا بد من تحقيق مكاسب وإلا سيصبح الفريق خارج المنافسة أو رُبما خارج الحسابات أصلًا، وإذا فقد نجمًا يستطيع تحويل جماعية الفريق إلى نجم لا يمكن أن يُهزَم، فمن الطبيعي أن يخسر الفريق نجمًا لكن الفريق القوي هو من يستطيع التغلب على هذه الظروف ويحاول صناعة نجم آخر أو أن يحول الفريق إلى نجم.

مجموعة من اللاعبين الشباب يملؤهم النشاط والحيوية يتعاملون مع المباراة بإبداع مُنقطع النظير دون تعارض مع تعليمات المدير الفني، وهذا لا يحدث إلا مع المُحترفين الذين يحترمون قوانين اللعبة ومصلحة الفريق بالشكل الذي لا يتعارض مع إظهار مواهبهم، يبذلون الجهد بشكل عجيب في التحضير للمباراة وكذلك أثناء المباراة، وذلك لأن هناك مجلس إدارة يحترمهم ويثق فيهم، وهناك إدارة فنية تعرف إمكانياتهم وتعرف أيضًا كيف توظفها وتستغلها داخل الملعب بالشكل الذي يُخرج هذا الأداء الراقي، ويعلم الجميع داخل الملعب أن اجتهاده وحفاظه على موهبته وتوظيفها ليظهر الفريق بهذا الشكل المُبدع هو الشيء الوحيد الذي يجعله يحافظ على مكانه داخل المستطيل الأخضر أو حتى داخل النادي العريق وبالتالي يُحافظ على المستقبل الذي ينتظره مع نادي عالمي ناهيك عن الوضع المادي المستقر والأمن له ولأسرته.

لم يفلح النجم الأوحد «ميسي» مع كامل تقديرنا لموهبته، أن يجاري منظومة كاملة، هذا لا يعني أن برشلونة ليس لديه منظومة إدارة مُحترمة وإدارة فنية ولاعبين على أعلى مستوى، لكن ينقصهم التناغم لعزف سيمفونية الفوز كما أنه يحتاج إلى بعض الخبرات الخارجية، وهنا نعني أنه من الطبيعي أو ربما من الواجب للنظام الإداري أن يستعين بالخبرات من خارج المنظومة إذا احتاج لذلك فليس مهمًا أن يحمل القادمين من الخارج الانتماء لكتالونيا أو برشلونة يكفي نادي برشلونه منهم خبراتهم وانضماهم لمشروع نجاح جديد لبرشلونة حتى يعود النادي كما كان.

نصل في النهاية أن النجاح يحتاج إلى حسن إدارة، وشراكة حقيقية بين جميع أعضاء الفريق، تهدف إلى تحقيق المكاسب، فالقيادة الحقيقية هي قيادة مجموعة من الناس نحو تحقيق النجاح والثبات عليه وتدعيم البناء بعناصر النجاح البشرية والماديه، ذلك ما فهِمتهُ حتى أندية كرة القدم، فهل تفهمهُ قياداتنا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد