لنتفق أولًا، نحن هنا لسنا لا بصدد الدفاع عن أحد ولا بصدد الهجوم على أحد، كما أننا لسنا بصدد تبرير هذه الهجمات التي دائما ما يكون الأبرياء هم الضحية، بينما المذنبون الحقيقيون يكونون آخر من يحترق بالنار التي يوقدونها، وبالتالي فتلك الأعمال البربرية التي وقعت في باريس أو حتى تلك التي تقع في كثير من مناطق العالم بغض النظر عن الجنس والدين أو أي اختلاف آخر، فأقل شيء يمكن لأي عاقل أن يعبر عنه هو أن يعلن إدانته وشجبه المطلق لها ولمن يقف وراءها.

لكن من واجبنا ومن حقنا أيضًا أن نتساءل ونطرح سؤالًا بديهيًّا، هو لماذا لا تشد الأنظار وتستنفر كل الحكومات والأنظمة إلى بغداد أو دمشق أو باماكو أو أبيدجان أو غزة…، كما شدت إلى نظيرتها في باريس حينما تقع مثل هذه الهجمات والاعتداءات على الرغم من أن عدد الضحايا في العادة يكون أكبر بكثير، وتكون المعاناة أقسى وأمرّ مما جرى في هذه الأخيرة؟ فما دام الدم واحدًا، والبراءة واحدة، فلماذا إذًا لا تكون طريقة التغطية الإعلامية الغربية والرفض والاستنكار الشعبي واحدة بغض النظر عن جنسية أو طبيعة القتلى؟ ولماذا إذًا تكون هذه التعددية في الأوجه والازدواجية في الخطاب؟

فمرة أخرى تشد العاصمة الفرنسية باريس إليها أنظار كل العالم، ومرة أخرى تأتي التعازي وعبارات التنديد والشجب والتضامن المطلق واللا مشروط من كل بقاع وأقاصي العالم، وكما كل مرة أيضًا وبقدرة قادر، تتحول كل القنوات ووسائل الإعلام وكل المؤسسات في حالة تأهب وحرب إعلامية وتهييج نفسي ضد كل من هو مسلم وعربي، لا من خلال مواكبتها للحدث ولا لطريقة التعامل مع مجرياته دون البدء في التحقيقات ولا انتظار نتائجها حتى.

كل هذه الأشياء أصبحت من الأمور العادية، وكل هذه الهالة والاستنفار أصبحت بديهية ومبررة ومألوفة ما دام الضحية مواطنًا غربيًّا والقاتل مسلمًا أو عربيًّا. وكل هذا جميل فقط لأنه يعبر عن مدى التقدير والاعتبار الذي تحظى به النفس الإنسانية في العالم الغربي، لكن هو شيء مشين أيضًا لأنه يبني صورة ذهنية عند الآخر وهي أن كل مسلم وعربي مشكوك فيه حتى تثبت براءته.

لكن الأجمل والأعدل أيضًا، أن يكون هناك تساوٍ في التعامل مع مثل هذه الأحداث وألا تكون هناك أي ازدواجية للمعايير في التعامل مع مثل هذه الأعمال المشينة، خاصة من تلك -شبه اللامبالاة – من الإعلام حينما تقع خارج نطاق التراب الغربي، أو حينما لا يكون المواطن الغربي طرفًا فيها.

لذلك اعذروني أن كلامنا هذا قد يبدو قاسيًا بعض الشيء خاصة في هذه الظروف وفي هذه اللحظة، لكن يجب أن نضع الكثير من النقط على الحروف، لأنه مهما كان أو يكن ففرنسا ليست بتلك البراءة التي يحاول الإعلام أن يصورها لنا، لأن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي غير التي يريدوننا أن نراها، إنها على الإطلاق هي مختلفة تمامًا عن كل ذلك.

نحن سئمنا من كل تلك الهالة الإعلامية وذلك التجييش الجماهيري ضد العرب والمسلمين بمجرد حدوث أي من هذه الأعمال في الغرب، حتى دون البدء في التحقيقات، حيث المتهم جاهز ولائحة الاتهام وربما حتى الإجراءات العقابية ضد من هم مِن نفس ديانة وجنسية الفاعلين، هذا بالطبع بشرط أن يكونوا مسلمين عربًا، لكن ما ينساه هؤلاء أن هذا إرهاب أكبر وإن كان في شكل آخر، لكن يجب إدانته بأشد العبارات والوسائل ومن الخطير جدا أن يتم التعامل معه على أنه شيء عادي وبديهي.

طبعا منكم من سيقول بأن هذا عمل غير مقبول على الإطلاق ولا يمكن بأي حال من الأحوال أو مهما كان تبريره، أو حتى البحث عن مسوغات له، أو أنه لا يوجد أي شيء  يمكن أي يجعل شخصًا أو جماعة معينة تقوم بالهجوم وقتل أشخاص أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم وجدوا في المكان والتوقيت الخطأ.

نحن أيضا متفقون معكم كل الاتفاق ولا يمكن الدفاع عن مثل تلك الأعمال المشينة أو البحث عن مبررات لها.. لكن من حقنا أيضًا أن نتساءل لماذا؟ وكيف؟ وإلى متى ستبقى هذه الأشياء.

فهل تساءل أحدكم مثلا عن تلك الحروب التي شنتها فرنسا ولا تزال، على العديد من البلدان والشعوب في مناطق مختلفة من العالم؟ طبعا لا.. فالإنسان هناك وفي تلك البلدان بلا قيمة والدم رخيص وليس بقيمة الدم الأوروبي ليتطلب منا الأمر البحث عن إجابات لمثل هذه الأسئلة.

ببساطة فرنسا تسببت بموت الآلاف وربما عشرات الآلاف من الأبرياء وخلفت آلافًا من الأرامل ويتَّمت آلافًا من الأطفال.. هذا دون الحديث عن الخسائر المادية والاقتصادية والانعكاسات الاجتماعية على تلك البلدان, كل هذا ولم نسمع أصواتًا تستنكر أو تدين أو تشجب بمثل هذه الحدة واللغة والتغطية التي تتم حينما يتعلق الأمر بضحايا غربيين.

البعض منكم طبعا سيتلو علينا تلك الأسطوانة الجاهزة، وهو أن فرنسا شنت تلك الحروب دفاعًا عن القيم الإنسانية ولنشر الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والقضاء على الديكتاتورية و.. و.. و.. إلى آخر تلك الأسطوانة البالية، كل هذا أيضًا جميل، لكن الحقيقة مَرّة أخرى على العكس من ذلك على الإطلاق.

ببساطة كل هذه الأنظمة نشأت ونمت وعاشت في كنف الحماية الغربية بما فيها حماية فرنسا، ولولا هذه الحماية والدعم لما استطاعت هذه الأنظمة في الأصل أن تعيش إلى اليوم، ولأنه ببساطة أخرى لكي يعيش الإنسان الغربي في رفاهية دائمة يجب أن تحصل شركات بلده على عقود اقتصادية ضخمة من أنظمة فاسدة، وفي حالة رفضها أو تمردها على ذلك فيجب تطويعها إما بتأليب الشعب عليها أو بالقيام بعمل عسكري مباشر إذا اقتضى الأمر ذلك، وذاك ما يحدث في غالب الأحيان، ثم تأتي النتائج غير المباشرة وذلك من خلال بروز ونشأة مثل هذه الجماعات ممن تقوم بمثل هذه الأفعال المنبوذة.

صحيح أن عدد القتلى والجرحى كبير جدا ويرقى لجريمة حرب، لكن الصحيح أيضًا أن هذا العدد يسقط بشكل يومي وبطريقة منهجية في الكثير من البلدان في الشرق الأوسط وفي أفريقيا والتي تتحمل فيها الحكومات الغربية الجزء الكبير من المسؤولية، ومع ذلك لا يتأثر أحد، ولا يتجاوز الأمر في أقصى حالاته عبارات التنديد وإعلان التضامن مع الأنظمة.

لقد تنمت لدينا صورة نمطية خطيرة جدا ربما أخطر من الهجمات نفسها، وهي ذلك التبخيس واللامبالاة من عمليات القتل والتفجير التي تحدث في المناطق غير التي تنتمي للعالم الغربي، بينما على العكس عندهم فقتيل واحد كفيل لكي يحرك الدنيا بما فيها، وتجعل العالم بكامله يشد أنفاسه.

إن ما حدث في فرنسا لا يمكن النظر إليه فقط في تلك الزاوية التي دائما يريدوننا أن ننظر إليها، وهي أن القيمة الاعتبارية للقتيل عندهم أكبر بكثير لدرجة اللا مقارنة مع القتلى من العالم غير الغربي.

فالرؤية التي أصبحنا ننظر إليها عن عمليات التقتيل اليومية والممنهجة من خلال هذه الهجمات جعلتنا أتفه من تخصص له وسيلة إعلامية غربية ولو جزءًا يسيرًا من تغطيتها، بل إن الأكثر من ذلك حتى تلقي المشاهد العربي لهذه الأحداث أصبح شيئًا عاديًّا ومن بديهيات الحياة اليومية، ولا يستحق أن يحرك عليه أدنى ساكن.

فـ”داعش” بغض النظر عن أنه من تربة مشرقية لكنه يبقى صناعة غربية بامتياز، أكان ذلك بشكل متعمد أم أنه نتيجة تقديرات وحسابات خاطئة لعواقب الأمور من لدن صناع القرار، المهم أنه أصبح الآن تلك النار التي تلتهم الجميع، والأهم أنه سيحس الآن ولو بشكل يسير بجزء من المعاناة التي يقاسيها ملايين من الناس الأبرياء من جراء الأعمال والهجمات الوحشية لهذه العصابة، والتي لولا التغطية والتغاضي الغربي عنها لما وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ولما تمددت لتصل ألسنة لهبها إلى داخل حدودها.

وكنتيجة غير مباشرة أيضًا، أن سياسة التفقير التي تعرض لها المواطن في تلك البلدان لكي يعيش الغربي في رفاهية، هو أن أشخاصًا قرروا الانتقام من أنظمتهم ومن مجتمعاتهم ومن كل من هم كانوا سببًا في تخلفهم، أولئك الأشخاص ممن عانوا من الاحتقار والتهميش والتعدي على أراضيهم وعلى ثروات بلدانهم وعلى معتقداتهم وقيمهم الخاصة، هم أنفسهم من تحولوا إلى وحوش كاسرة ما عادت تؤمن بأي شيء اسمه الآخر، وما عادت تؤمن بأي شيء مختلف عنهم، إنها ببساطة ردة فعل عنيفة لسياسة الغرب غير المحسوبة في بلدانه، ولو أن الأنظمة الغربية أوقفت دعمها للأنظمة الفاسدة لما كان هناك شيء اسمه داعش.

إننا هنا لا نبرر تلك الأعمال أو نبحث لها عن مسوغات، إننا فقط نسعى لفهم وتوضيح الصورة ونبين حقيقتها، فإذا كانت هناك داعش فرنسية هي من قامت بتلك التفجيرات والهجمات الإرهابية، فهناك أيضًا فرنسا داعشية، قامت هي الأخرى بتفجيرات وأعمال قتل وقصف ونهب لثروات الشعوب. إن الأمر في حقيقته هو ما بين الإرهاب والإرهاب المضاد، وما بين الفعل العنيف ورد الفعل الأعنف، يبقى الاختلاف فقط أن الأول ليس له ما يبرر به أفعاله غير التنقيب في الأحاديث الدينية والآيات القرآنية علَّه يجد فيها ضالته، بينما الثاني فمؤسساته وتنظيماته وأذرعه الإعلامية وكل وسائله المادية واللوجيستيكية الضخمة، كفيلة بأن تقنعنا تمام الإقناع بأن الجلاد هو الضحية وأن الضحية هو الجلاد.

لكن يبقى الشيء المؤلم جدا وغير العادل على الإطلاق من كل هذا وذاك هو أن الأبرياء من كلا الطرفين هم من يكونون الضحية دائمًا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد