تكتظ أفكارنا وأعمالنا في عالم اليوم، وبخاصة في الوطن العربي، بالكثير من التناقضات العجيبة، التي نحاول ألا نفكر فيها، أو أن نجد لها تبريرات وتخريجات، متهافتة غالبا، لعلها تشعرنا بشيء من التوازن النفسي والانسجام مع ما نزعم أننا نؤمن به من مبادئ دينية وأخلاقية.

 
النساء العربيات، يعانين أكثر من أشقائهن الرجال من مثل تلك التناقضات ؛ وذلك لاعتبارات عديدة: من أهمها أنهن قد لا يملكن قدرا كافيا من حرية اتخاذ القرارات المعنية بهن مقارنة بالرجال، وأنهن جعلن من الرجال، بأفكارهم وتفضيلاتهم، النموذج المثالي المعياري الذي يتمنين أن يكنّ مثله، والذي تدور حوله حيواتهن بكل ما فيها!

وفيما يلي استعراض لبعض التضاربات المثيرة البارزة في حياة المرأة العربية، والجديرة بالفحص والتدبر:

المرأة هي ألد أعداء المرأة:

 

هذه حقيقة إحصائية لا ريب فيها. فمع أن النساء يتمتعن بحق الانتخاب في أكثر أصقاع الوطن العربي، سواء على مستوى المجالس البرلمانية أو البلدية، ومع أنهم يمثلن أكثرية المقترعين في كثير من الحالات، إلا أن أغلبهن لا يمنحن أصواتهن في العادة، بالرغم من سرية التصويت، لنساء مثلهن، مفضلات أن يهيمن الرجال على تلك المجالس!

 

 

وهنا لست أفهم، فكيف يتحدثن عن التحرر من سيطرة الرجل وتعسفه، بينما يعطينه في الوقت نفسه الفرصة طواعية، بالرغم من كل إخفاقاته وحماقاته، للتحكم بمصائرهن وبحياتهن العامة، وهو الذي يتحكم عمليا في الحياة الخاصة لكثير منهن!

هل للأمر علاقة بالغيرة والمكايدة النسوية؟ أو بعدم ثقة النساء ببعضهن وبالقدرات النسائية عموما؟ أو بإحساسهن بالنقص والدونية إزاء الرجال؟ أو بخيبة أمل النساء في من تصل منهن إلى كراسي السلطة وصنع القرار؟ كلها احتمالات قائمة بدرجات متفاوتة من الصحة، لكن التناقض يبقى قائما، ويظل محتاجا إلى حل وتسوية.

المرأة قبل السلطة وبعدها:

 

مع الأسف الشديد، ما أن تصل المرأة في وطننا العربي إلى مركز من مراكز المسئولية، حتى توشك أن تتحول إلى رجل، شكلا ومضمونا، ولا يكاد ينقصها إلا إطلاق الشنب.

فهي إن لم تكن محجبة ـ ويندر أن تصل محجبة حجابا شرعيا حقيقيا في بلداننا العربية المتغربة المستلبة إلى منصب قيادي ـ سرعان ما تقص شعرها قصيرا كما الأولاد، وتلبس أطقما رسمية منشّاة تشبه البزات التي يرتديها الرجال!

بل إنني لاحظت أن أصواتهن تخشوشن ويصبح منظر الواحدة منهن يشبه منظر الشاويش عطية! هذا من حيث الشكل، أما من ناحية المضمون، فنادرا ما نسمع أن مسئولة عربية، إن لم تكن في وزارة كمالية هامشية خصصت لشئون المرأة، تحاول أن تستثمر موقعها من أجل خدمة النساء وقضاياهن، ربما خوفا من اتهامها بالتحيز لبنات جنسها، اللواتي لم تعد تحتاج إليهن على كل حال، ما دامت قد وصلت إلى المنصب المرموق الذي تسعى إليه!

المرأة بين البيت والعمل:

كثير من النساء العربيات يردن حمل بطيختين كبيرتين معا: بطيخة الشغل وبطيخة البيت. والنتيجة تكون على الأرجح إسقاط وخسارة واحدة من البطيختين، إن لم يكن كليهما! فنتيجة للسعي الأعمى المحموم لمحاكاة الغرب، وقر في ذهن كثير من النساء العربيات أن عليهن الخروج للعمل، دون أن يفكرن كثيرا حول مدى أهمية وجدية الأعمال التي يمكن أن يقمن بها، وحول ما يمكن أن تقدمه لهن تلك الأعمال فيما يتصل براحتهن وسعادتهن ورضاهن عن ذواتهن، وحول الضرائب المختلفة، النفسية، والأخلاقية أحيانا، التي عليهن دفعها للوصول إلى تلك الأعمال والبقاء والارتقاء فيها، وحول درجة تأثيرها على إمكانية إقامتهن لبيوت ناجحة وهانئة ومستقرة.

إن المرأة العربية تبدو عاجزة عن تحديد الأولويات الأهم بالنسبة لها: العمل أم العائلة. وإذا كان من العسير التوفيق بين الجانبين بمستوى يعتد به من النجاح، وهذا ما يحدث في كثير من الأحيان، فأيهما تختار يا ترى!

إذا ما اختارت الجانب الخطأ الذي يرضي أنانيتها وغرورها، فإن عليها ألا تلوم إلا نفسها وألا تتفاجأ مما قد يحدث في اليوم التالي، وألا تنفجر بالصراخ والعويل قائلة: طلّقَني أو تزوج عليّ المجرم الخائن النذل الجبان الوحش!

صحيح أن الكثيرات اليوم يعملن ويشقين بسبب الحاجة المالية أولا وأخيرا، وصحيح أنهن يساعدن أسرهن ماديا إلى حد بعيد، لكن جنسهن يتحمل مسئولية كبيرة عن إيصالهن إلى هذا الوضع المزري، وعليهن التفكير بحل لمشكلتهن كما أوقعن أنفسهن فيها. فلو لم تستجب معاشر النساء منذ البدء للدعوات المشبوهة من حكوماتهن التابعة الفاسدة للاندفاع للعمل، دون توفير الحد الأدني من الضمانات الكافية لتحقيق الأمن النفسي والمادي لهن ولأسرهن فيما إذا عملن، لما عانى رجالهن من البطالة والكساد وتدني الأجور، ولربما كن يجلسن اليوم في بيوتهن معززات مكرمات، بدلا من تحولهن إلى خادمات مبعثرات الكرامة داخل البيت وخارجه، وإلى عارضات أزياء يستغلهن الرجال لإرضاء نزواتهم وترويج بضائعهم، باسم حرية مزعومة بائسة!

المرأة بين الحجاب والسفور:

كاذبة هي المرأة التي تزعم أنها تتحلى من أجل نفسها، فرؤية حالة كثير من النساء وهن في بيوتهن تبعث على قراءة المعوذتين: شعور منكوشة؛ وجوه مكفهرة شاحبة؛ ملابس مجعدة مهلهلة؛ روائح طبخ ونفخ وتنظيف تجلب المغص. تلك المظاهر المرعبة تختفي تماما عندما تخرج المرأة من البيت، حيث نجدها تسرح شعرها وتتزين وتتأنق وتتعطر، للفت أنظار الرجال أولا، ولاستفزاز غيرة النساء.

ثانيا. ثم تزعم أنها تتضايق إذا ما تحرش بها أحد أو تعرض لها بنظراته أو كلماته، مع أن لسان حالها يقول إنها لم تخرج بالصورة الفاتنة التي خرجت بها إلا لاستجداء نظرة أو كلمة إعجاب! والأسوأ من ذلك إذا كانت المرأة تدعي الالتزام الديني، وتظهر في الآن عينه وكأنها إشارة ضوئية أو لوحة إعلانات مشعة، لفرط ما تضع على سحنتها من أصباغ، ولشدة بريق ما ترتدي من ألوان صاخبة تجذب النظر إليها من على بعد أميال. جاهلة أو متجاهلة أن جوهر فكرة الحجاب، والذي هو فرض ديني لا مجال لمناقشته أو التملص منه ممن تدعي الالتزام بدينها، هو تقليص إمكانات لفت النظر وإثارة الاعجاب والتملي في محاسنها من جانب الرجال “البصباصين” الذين لا يثقب أعينهم الرصاص إلى أقصى درجة ممكنة!

المرأة بين الزواج والعنوسة:

 

لا شيء أحب على قلوب بنات حواء من الزواج، وهذا شيء أصيل كامن في فطرتهن، فهن يحلمن بفستان العرس الأبيض قبل أن يعرفن معنى الألوان. ومع ذلك فإن الكثيرات منهن يحرمن أنفسهن من تحقيق ذلك الحلم الوردي المشروع، لسذاجتهن وطمعهن. فبدلا من أن تحرص الواحدة على الستر وعلى إكمال نصف دينها مع شخص بسيط ترضى بدينه وخلقه، نراها تحصر مجال تفكيرها وبحثها، متأُثرة بقيم أهلها الجشعين ومجتمعها المنحرف، بصاحب المال والوسامة والعضلات واللسان. لتجد نفسها وقد هرمت وذبلت بعد أن أضاعت فرصة الزواج، في انتظار ذلك “الفارس” المتخيل الذي لم يجئ أو تورطت بالارتباط بأفاق دعيّ منحل لا يخاف الله، حوّل حياتها إلى جحيم مقيم!

تحتاج المرأة العربية إلى وقفات طويلة متأنية مع نفسها، لعلها تحاول فيها أن تفكر في التناقضات الكثيرة التي تتخبط فيها، التي هي ضحيتها في المقام الأول والأخير، والتي يحسن الرجل اللعب عليها لإدامة التحكم بها وتدجينها واستغلالها ، لكنها لن تتمكن من تجاوزها على نحو سوي، فيما أزعم، إلا بعد تحديد وفهم طبيعتها وهويتها والإطار المرجعي الذي ينبغي أن يوجه أفكارها وأفعالها، كبنت للحضارة الإسلامية العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد