تعد مدرسة شيكاغو الاقتصادية (جامعة شيكاغو)، هي المعبر لما يُعرف عالميًّا باسم النيوليبرالية، أي الليبرالية المفرطة، تصف مدرسة شيكاغو الحكومات بـ«رب العمل السيئ»، بمعنى ضرورة عدم تدخلها في الاقتصاد، وهذا يعني السماح للشركات العملاقة باجتياح الدول، وهروب رأس المال للخارج، ويعني وقف الدول لأي إجراءات لخفض معدلات البطالة، وترك الشعوب بلا وظائف طبقًا لآليات السوق التي لا ترحم، وتعد آليات صندوق النقد في استخدام السياسات المالية دون أي إصلاح هيكلي حقيقي للاقتصاد مثل تحرير «إغراق» العملات الوطنية للدول الفقيرة، وخصخصة المرافق العامة ومقدرات الدول للأجانب، والتجاهل التام لمواطن الفساد داخل تلك الدول.

كل تلك الأدوات وأشياء أخرى أكثر فظاعة، يقوم عليها التطبيق العملي لأفكار ميلتون فريدمان، أشهر من أنجبت مدرسة شيكاغو الاقتصادية. أصبحت تلك الوصفة المتطرفة إلزامية لكل دولة متعثرة اقتصاديًا، بل أداة للتقييم، لذلك لا تندهش إطلاقًا إن سمعت أن دولة ما يمرح فيها الفساد وعلى رأسها ديكتاتورية قمعية تسحق الطبقات المتوسطة والفقيرة من شعبها، تحصل على تقييم إيجابي من صندوق النقد وأرقام متصاعدة في النمو الاقتصادي، بينما تعاني تلك الدولة من تآكل مخيف في خدمات التعليم العام والصحة بل وسوء التغذية بسبب الارتفاع المتوحش في الأسعار.

وهنا ومن أجل إجبار أي طرف في العالم يرفض هذا النوع من الرأسمالية العلاجية كما رآها فريدمان، كان وكما سبق لي الشرح في المقال السابق، اللجوء للصدمة والكارثة هو الحل فما أشكالها وأين طُبقت؟

تقسم الصدمة إلى نوعين رئيسيين حسب فريدمان:

أولًا:
الصدمة غير المتوقعة، مثل الكوارث الطبيعية كالزلازل، والعواصف العاتية، والفيضانات، والبراكين التي قد تصيب إقليمًا معينًا أو دولة ما؛ فتترك أهله وسكانه في حالة من الذهول والانشغال بالرعب والفوضى، بحيث يفتح المجال أمام قوى خارجية أو داخلية لتمرير استراتيجية معينة، ما كان لهذا الشعب أن يقبلها في الحالة الطبيعية، أو فترة قبل الكارثة وغالبًا كما قال فريدمان ما تكون الجهة التي تريد التغيير جاهزة للانقضاض في الوقت المناسب، حتى تمرر ما تريد وتفرضه على الناس. وفي حالة الرأسمالية الحرة التي وجد فيها فريدمان الحل الأمثل لكل ما تعانيه المجتمعات والدول اقتصاديًّا، فقد تم تطبيق بعض مظاهر هذا النظام.

وكمثال عليه ما حدث في سيريلانكا في أعقاب التسونامي الشهير الذي ضرب منطقة المحيط الهادي عام 2004، والذي قتل وشرد الملايين. فقد أوردت نعومي كلاين في كتابها سابق الذكر في فصل كامل تحت عنوان «شاطئ نظيف» قصة جزيرة أروغام باي التي تتمتع بشطآن مليئة بالفنادق السياحية، وأكواخ يسكنها مواطنون سيريلانكيون منذ أجيال يعتاشون على صيد السمك، وحيث إنه قد نمت علاقة خاصة تربط المطاعم والفنادق التي يرتادها السياح خاصة من أستراليا، وأصحاب قوارب الصيد الذين كانوا يعتاشون على صيد السمك وبيعه لهذه الفنادق والمطاعم في ظل ظروف أمنية صعبة إلى حد ما، مع احتدام الصراع بين نمور التاميل وحكومة سانهاليز المركزية في كولومبو، ضمن حرب أهلية بلا نهاية متوقعة.

وهنا ما كان لطرفي النزاع اللامنتهي إلا أن يوقعوا اتفاق سلام هش عام 2002؛ مما شجع حركة الترويج السياحي في الشاطئ إلى جانب توارد المزيد من الصياديين أيضًا إلى الشاطئ الغني بالأسماك. فكان الصدام، إذ عمد أصحاب الفنادق إلى دفع السلطات المحلية بعدة أساليب لنقل الصيادين وعائلاتهم لمكان أبعد، بحيث لا تؤثر أكواخهم في المنظر العام للمنطقة السياحية، فضلًا عن نفور السياح من رائحة السمك المجفف، وعندما حاولت السلطات بالفعل إقناع الصيادين بالانتقال لمكان أبعد، رفضوا ذلك تمامًا، محتجين بأنهم يسكنون في المكان منذ أجيال، فضلًا عن ارتباط مصدر رزقهم مباشرة بالشاطئ. وكاد أن يتفجر الوضع عند حدوث حريق ضخم التهم عدة أكواخ ودمر أسلوب حياة الكثيرين من الصيادين الذين كانوا متأكدين من أن أصحاب الفنادق هم من كانوا وراءه بشكل ما.

هذا الصراع الاقتصادي في أساسه حدث تمامًا قبل ستة أشهر من التسونامي الشهير، ولكنه لم يكن كافيًا ليخيف الصيادين ويجعلهم يتركون الشاطئ لاحتكار أصحاب رؤوس الأموال، بل زادهم إصرارًا ليستمروا في حياتهم كما يريدون وعلى شاطئهم. وحسب فريدمان هذا النوع من الصدمة غير كافٍ لتغيير الواقع لإنهاء الصراع بين جهتين لهما مصالح اقتصادية؛ بسبب عدم تأثيرها بما يكفي لتشكل صدمة تجعل من يرفضون التغيير لصالح الرأسمالية يرضخون لهذا التغيير بدون أدنى مقاومة.

وهو الأمر الذي حصل مع وصول أمواج المد العاتي لشواطئ أروغام باي ككارثة طبيعية عام 2004، دمرت أكواخ الآلاف من الصيادين وأغرقت قوارب صيدهم وأدواتهم، مما حدا بسلطات الإقليم لإجلائهم بعيدّا عن الشاطئ حتى تتم عملية تنضيف الشاطئ – لِنقل من الركام والفوضى – وإعادة تهيئته لهم، وهذا ما حدث بسهولة؛ بسبب صدمتهم بما حدث ليعودوا بعد فترة إلى شاطئهم وتكون المفاجأة، أن عملية التنظيف كانت تستهدفهم هم، وليس الركام، لصالح أصحاب الفنادق.

حيث كانت حجة السلطات في منعهم هو حمايتهم من أي أمواج جديدة، يمكن لها أن تضرب الشاطئ فتتكرر الكارثة، وعلى ما يبدو، كما وجد الصيادون، أن الكارثة الحقيقية كانت استغلال التسونامي لإحداث تغيير جذري في ديموغرافيا المكان لصالح أصحاب رؤوس الأموال، الذين تمددت فنادقهم ومطاعمهم على طول الشاطئ، وكأن المد إذا حدث مرة أخرى لن يصيبهم.

للأسف ومن سوء حظ الصيادين، فإن تطبيق نظرية فريدمان أُثبت ولو نسبيًّا في أروغام باي، وبالفعل فقد استسلم الصيادون للأمر الواقع بعد أن انتبهوا للخدعة بعد زوال الصدمة، وانتصرت الرأسمالية الراديكالية الحديثة مرة أخرى، بمساعدة الحظ والتوقيت المناسب لغضب الطبيعة.

ثانيًا:
الصدمة المفتعلة، وهي عملية افتعال كارثة في منطقة ما، تكون موجهة لإحداث صدمة على درجة من القوة تترك الضحية في حالة من الهذيان والغياب عن الواقع؛ مما يفسح المجال للمفتعِل أن يمرر ما يشاء ويرغم الضحية على تقبل الواقع الجديد، وخير الأمثلة عن هذا النوع كما ورد في كتاب عقيدة الصدمة لِـ«كلاين» هو الحرب الأمريكية على العراق.

فقد كان بول بريمر الثالث عراب الحرب الأمريكية على العراق، ومهندس عمليات الخصخصة فيه، كان الرجل الذي وكلت إليه عملية تحويل كل ما في العراق من ثروات إلى لقمة سائغة تلتعفها شركات الطاقة والنفط العملاقة في أمريكا وأوروبا.
نعم لقد جاء جورج بوش الابن بالدبابات والطائرات إلى منطقة الخليج العربي في محاولة منه لضرب النظام العراقي والشعب العراقي على حد سواء، ضربة تمكنه من ترك جميع شعوب المنطقة وأنظمتها، وليس فقط العراقيين، في حالة من الذهول والرعب، تجعلهم غير مهتمين بمؤتمر مثل مؤتمرات «إعادة إعمار العراق» وهو اجتماع كان يعقد في واشنطن، يجري فيه بيع العراق بكل مقدراته.

وفي الوقت ذاته كان العراقيون مشغولين بالبحث عن الأمان والسلم، وترتيب البيت الداخلي العراقي بعد الانهيار بأي شكل، وكان آخر همهم من سيخرج نفطهم، ومن سيوزعه، ومن سيكرره، ومن سيستفيد منه. ولا مضاضة من قولنا إن آخر ما كان يهم العراقيين لحظتها آثارهم المسلوبة، والتي كانت تشكل هويتهم التاريخية، والتي أصبحت بعد الاحتلال مجرد قطع أثرية يزين بها قادة الحرب بيوتهم ومكاتبهم في واشنطن، وكل ذلك تم وكأن العراقيين غير موجودين أصلًا.

تقول نعومي كلاين في أحد فصول الكتاب، والذي كان تحت عنوان «محو العراق» إذ إنها كانت في فترة بداية الاحتلال الأمريكي للعراق في بغداد، حيث قابلت صحافية أرجنتينية كانت تعرفها سابقًا، واسمها كلاوديا، ليدور بينهما نقاش كما تقول نعومي حول ما يحدث في العراق حقيقة، والذي انتهى بقول كلاوديا:

إن العنف الشديد لديه طريقة يستطيع من خلالها أن يحجب عنا المصالح التي يخدمها في الحقيقة.

نعم، ففي الظاهر ومن حيث الأسباب المعلنة، كانت أسلحة الدمار الشامل هي الشماعة التي لجأ إليها بوش وبلير لتعليق هذا الهجوم المعلن عليها. طبعّا بعد أن جرى التحضير له على مدى سنوات بحصار العراق، وترك شعبه يتضور جوعًا.
رأسمالية ونيو-ليبرالية بوش الابن وبلير وخلفهما الحلف الأخطبوطي لمصالح مئات الشركات ورجال الأعمال، هو ما دفع الغرب بكل قوته لاحتلال العراق وضربه بشكل يتركه كما نراه اليوم دولة منهكة تتناهشها الدول والجماعات الراديكالية من إيران وغيرها بعد أن ترك لها الفتات، بحيث تترك الصدمة التي أصيب بها العراقيون حالة مستمرة من الهذيان، ويمتد تأثيرها لكل شعوب المنطقة التي سيستحيل بكل حال من الأحوال أن يجري صدمها بالطريقة نفسها، وهي الاحتلال المباشر.

ذكرت كلاين العديد من التفاصيل التي ترتكز عليها عملية استبداد الراديكالية الرأسمالية، والتي لا مجال لذكرها كاملة في هذا المقال، ولكن لا بد لنا من ذكر بعض التطبيقات العملية لنظرية فريدمان، مثل ما حدث في انقلاب التشيلي 1973، وما رافقه من قيام بينوشيه، الجنرال الذي قاد الانقلاب بدعم من الولايات المتحدة ووكالة استخباراتها وإسقاطه للزعيم الاشتراكي سيلفادور أليندي الاشتراكي، والجدير بالذكر أن ميلتون فريدمان كان يعمل مستشارًا اقتصاديًّا للانقلابي بينوشيه، ولا يخفى تأثيره فيه واستعماله لبينوشيه من أجل تمرير القرارات التي من شأنها أن تغير وجه التشيلي كاملًا إلى اليوم لصالح الشركات الأمريكية.

الظاهر إلى الآن مع توارد التحليلات السياسية والاقتصادية أن العالم كله لن يكون كما كان قبل كورونا، وأن موجة عارمة من التغيير سوف تصيب العالم ربما موجة أقسى من موجة الحرب العالمية الثانية، صدمة ستغير الكثير وستجعل شعوب الأرض غير قادرة على متابعة التغيرات بالوتيرة نفسها والسرعة التي تسير فيها هذه التغيرات.
ستسقط دول ونظم سياسية وستنحل اتحادات وأحلاف عسكرية، وقد تنقلب القطبية السياسية من الغرب إلى الشرق، أو قد تظهر أقطاب أخرى تفرض نفسها على الأرض. فهذه المرة كما هو واضح، الكارثة ستكون على المستوى الإنساني أجمع، ولن تكون خاصة بدولة أو إقليم، فالأكيد تمامًا أن الرأسماليين وضعوا خططهم واستراتيجياتهم لظروف كهذه، والمؤكد أكثر أنهم سيفعلون كل شيء ليحققوا مكاسب تعوض على الأقل ما خسروه في خلال هذه الكارثة.

فكما علمنا عراب الرأسمالية الحرة ميلتون فريدمان:

كل من يريد أن يقوم بتغيير عظيم، يحتاج إلى كارثة كبرى وصدمة شديدة الرعب، وبالمفهوم المقابل كل كارثة ستحدث، ستجد لها جهة تستغلها لتمرر خطتها وتفرض رأيها، ويفضل عندها أن تكون هذه الجهة هي نحن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد