مرت سنتان على الانقلاب العسكري في مصر حيث احتشد على جنبات قائد الانقلاب، كل الكهنة المزيفين والطامعين من مختلف الملل والنحل والطوائف والعشائر الراغبة في السلطة من على ظهر الدبابة بعد أن اكتشفت أن الرهان على الديمقراطية غير ممكن، بعد أن خسرت عدة جولات انتخابية بعد ثورة 25 يناير وتبين أنها مفصولة على المجتمع وقضاياه، فكفرت بالمجتمع وإرادة الشعب ومنطق الانتخاب وجنت بالسلطة ورأت في الآخر المختلف معه أيديولوجيا قاصرًا على ممارسة السياسة والسلطة، ومن ثم فكرت في منطق الانقلاب، فراهنت تلك النخب المزيفة على العسكر وهي ذات الأبواق التي أنهكت السامعين بمفاهيم من قبيل الدولة المدنية، لكن وللأسف انتهى بها الحال يوم 3 يوليو إلى تشكيل – إلى جانب الرموز الداعمة للانقلاب – شكل فسيفسائي مزور، اعتبر خلفية تجمل بها الانقلاب وأخذ على ذلك عهدة من الحاضرين بإجهاض المسار الديمقراطي، وسنعالج في هاته المقالة بعض أجواء ما قبل الانقلاب في قالب سردي، حتى نحتفظ ببعض الذاكرة التي أصبحت تحت رحمة الإعلام المضلل والعابث.

1) فصول ومشاهد من مسرحية 30 يونيو وما قبلها

وضع الانقلاب لذلك اللقاء أو المشهد من العرض المسرحي المعد سلفًا والمخطط له، مقدمة مخرجة إخراجًا سينمائيًا مؤلفة من ست ساعات في ميدان التحرير يوم 30 من يونيو حيث اصطف بعض رموز ثورة يناير من التيار الليبرالي واليساري إلى جنب الفلول وقوى الثورة المضادة، ووضعوا لها قسرًا اسم “ثورة”، والحقيقة أنها مجرد مسرحية مؤلفة من عدة فصول استغرق الإعداد لها سنة كاملة منذ إعلان الدكتور محمد مرسي رئيسًا لمصر بصناديق الاقتراع، فكان ذلك إيذانًا لانتهاء الاحتكار العسكري للسلطة في مصر وبداية التأسيس لعهد مدني ديمقراطي جديد بعد انتخاب أول رئيس مدني، لذلك كان منتظرًا أن تتحرك جمهورية الضباط (بحسب وصف يزيد الصايغ) المسيطرة على مفاصل الدولة والمتحكمة في الاقتصاد والإعلام والقضاء … إلخ للدفاع عن مصالحها، لأنها ترى في ذاتها المؤسس الفعلي للدولة المصرية الحديثة ولا يمكن أن يكون رئيسًا لمصر من خارج دائرة العسكر، وهي بذلك محكومة بنرجسية مريضة، لن تتحرر مصر منها ما لم يتم تفكيك المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيلها وفق المقومات الوطنية.

التحرك الثاني ستقوده باقي التيارات التي خسرت الرهان الديمقراطي مع تيار الإسلام السياسي في خمس انتخابات متتالية بعد ثورة 25 يناير إلى حدود انتخاب مرسي رئيسًا لمصر، ولا يخفى أن الكثير من النخب ذات النزعة الليبرالية أو القومية الناصرية والتي كانت شريكة في الثورة كانت عينها تتودد إلى كرسي الرئاسة في مصر، وهي مستعدة للحصول عليه بكل الطرق المتاحة، لذلك نجد بعضهم كان يحبذ ألا يترشح الإخوان المسلمون للرئاسة، ليس حسب ما يدعيه من حدوث استقطاب اجتماعي أو التعبير عن عدم الرغبة الاحتكارية لتيار الإسلام السياسي حتى يضمن للثورة النجاح وبناء المسار الانتقالي، مطلقًا، إنما كانت تلك الدعوى مغلفة بحب الرئاسة وجنون السلطة، وأن تقديم الإخوان لأي مرشح سيجهض أحلامهم التي لن يتمكنوا من تحقيقها من خلال مسار الانتخاب والديمقراطية.

ولذلك بمجرد انتخاب مرسي بدأت عملية الفرز في صفوف التيارات الوطنية والنخب الممثلة لها ومحاولة خلق حالة استقطاب حادة في المجتمع يتم من خلالها عزل محمد مرسي وتيار الإسلام السياسي الذي كان درع الثورة وحاميها في مصر، وتبدأ قنوات الاتصال بين معظم التيارات الليبرالية واليسارية وبقايا الفلول والثورة المضادة، مستعينين بأداة الإعلام التي عملت على تشويه صورة مرسي وأداء حكومته أمام الرأي العام.

ثم تقديم فزاعة أخونة الدولة ومحاولة السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع بمنطق احتكاري وبعيدًا عن التوافق، وهي الدعاوى التي سيتبين زيفها بعد حين، بل إن مرسي وتيار الإسلام السياسي ظلت يده ممدودة إلى كل القوى الوطنية وكل الإنجازات التي تمت كانت تعكس في ثناياها مطالب الثورة وتحقيق الانتقال الديمقراطي، فكان خلق رأي عام مضاد من خلال خطباء الإعلام، حيث الإعلام مملوك لأغلب رموز الثورة المضادة ومن ليس كذلك فهو يحمل موقفًا عدائيًا من الإخوان المسلمين جراء القصف الإعلامي والتعبئة الحاقدة المستمرة التي تعمل على خلق حالة من التوتر في انتظار الاصطدام.

2) إسهام العامل الدولي والإقليمي في إجهاض المسار الديمقراطي المصري بأدوات تنفيذية داخلية.

لم يكن العنصر الداخلي وحده رافضًا للأجواء الديمقراطية في مصر وما أفرزته، فالقضية لم تكن قضية وطنية بقدر ما كان العامل الداخلي متأثرًا كثيرًا بهمسات صناع القرار الدولي والإقليمي كما سيتبين بوضوح فيما بعد، بل وعلق عليه انتظارات كما سنرى، وقد كانت الثورات العربية في مجملها تحمل عداءً للإمبريالية الغربية، فهي بقدر ما كانت تنادي بإسقاط الأنظمة الاستبدادية التسلطية، كانت موجهة للقوى الكبرى التي توفر لها الرعاية والحماية، ولذلك كانت القوى الكبرى في موقف متردد من الثورات العربية وناهضتها أحيانًا وتعايشت معها بطريقتها بعد أن زجت بها في أتون السلاح والحرب كما هو حال ليبيا وسوريا، وعن مصر لا يمكن إغفال الموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به داخل الشرق الأوسط، ومن ثم السياسات الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة.

إن العامل الدولي والإقليمي كان أول من أعلن العداء للثورة المصرية ومخرجاتها الديمقراطية والمؤسساتية، ومن ثم أثر وفاعلية العامل الدولي والإقليمي في إجهاض المسار الديمقراطي المصري، وما كانت للمناوءات الداخلية أن تتم لو لم يكن لها غطاء ورعاية إقليمية ودولية، بل كانت تلك القلاقل أصيلة في مراحل الانتقال الديمقراطي، والاضطرابات من سمات المراحل الانتقالية، لكنها تحولت إلى مسمار في نعش الديمقراطية المصرية وخلقت حالة من العداء المصطنع والذي وقع ضحيته الرأي العام المصري وحتى الدولي.

وسعت النخب المصرية المزيفة والمهووسة بحب السلطة، وهي تنتظر متى يغادر مرسي كرسي الحكم الصوري، سعت هاته النخبة إلى ترويج صورة سلبية عن المجريات المصرية، وطلبت التدخل الخارجي كما هو حال رجل أمريكا في مصر الذي اعترف بأنه وقع على مخطط للانقلاب في مصر أعده بيرناندينو ليون، ولا أعرف هل يوجد اسم لذلك سوى الخيانة العظمى والتآمر على مصر بالاستقواء بقوى خارجية من طرف نخب تقدم نفسها للمصريين بأنها كانت تسعى للتوافق، فكيف يمكن أن يحصل توافق وطني وتحقيق انتقال ديمقراطي في ظل الاستعانة بالأجنبي، إنما التوافق الوطني يكون بين القوى الوطنية، فهل الذي يضع يديه في يد الأجنبي وفوق ذلك يعيدون المؤسسة العسكرية لمسرح السياسة في مشهد سريالي؟ فهل يصدق عاقل دعاوى البرادعي التي خرج بها بعد أن فر من مصر ووضع زمام الأمور بيد العسكر ولزم الصمت طويلًا، ولم يتحدث في وقت كان سيكون لكلامه معنى.

 

أما وإن يداه مدتا للأجنبي من أجل الداخل الوطني وسمحت للدبابة والعسكر بالعودة للسياسة ثم فض اعتصامي رابعة والنهضة الذي لم يكن يتصور البرادعي أنه سيكون بذلك الحجم، لكنه كان متأكدًا أنه ستسيل دماء مصريين شرفاء برصاص العسكر، فاختلافه مع العسكر والزمرة الحاكمة لم يكن اختلافًا في النوع، أي فض رابعة والنهضة من عدمه والقتل الجماعي من عدمه، وإنما كان في الدرجة، حيث لم يكن البرادعي مرهف الحس يتصور أن يسقط الآلاف من الشهداء بدم بارد في ساعات، فانسحب محتجًا على ذلك، والحقيقة أنه انسحب لما وجد أن قائد الانقلاب والمؤسسة العسكرية، ماسكًا بزمام السلطة ومتعطشًا لها، وأن معظم النخب التي زينت واجهة الانقلاب وساهمت في إضفاء عناصر الجمالية على لوحة 3 يوليو وقبلها العرض المسرحي ليوم 30 يونيو، لم تكن سوى حطب الانقلاب، وأن ما سمي خارطة الطريق ذي المعنى الأمريكي وغيره لا سبيل إليه وغير ممكن التنفيذ، بل وليس هناك نية لذلك، فتلك وعود تبين لكل النخب المسهمة في الانقلاب أنها زائفة وكانت مجرد طعم للاندراج تحت يافطة العسكر وتبرير الانقلاب، ولما انكشفت حقيقة الانقلاب وخططه كاملة منهم تراجع واعتذر وانسحب وأصبح يناهض الانقلاب أو على الأقل يفضحه، ومنهم من لاذ بالصمت، فمن يتحدث الآن نجد أيمن نور وشباب 6 أبريل ومجموعة من القوى والنخب الوطنية الأخرى.

الغريب أن يرضى الكثير ممن نتقاسم معهم الأوطان أن يكونوا أدوات تنفيذية لمخططات تعدم إمكانيات الاستقلال والنهوض التي ترضاها الشعوب باختيارها الحر، وقد تجد ذات النخب تكثر من الحديث عن الحقوق والحريات والتقدم والتنوير والعقلانية والمدنية، لكن الوطن يسع الجميع، ومن يخطئ بحق وطنه وأمته واختيارات شعبه بالتآمر عليه، عليه أن يعتذر عما بدر منه ويعمل لتخليص وطنه من الوحل الذي وقع فيه بفعل المؤامرات المنسوجة سلفًا مع تجار دوليين في مصائر الشعوب.

إن عامل القوى الإقليمية والدولية حاسم في إحداث الانقلاب في مصر ولا يمكن إغفاله، فليست وحدها أمريكا والغرب التي نظرت بريبة إلى التغيير بالوطن العربي، وإنما الملكيات التقليدية بالخليج وراعية السياسة الأمريكية بها، والتي كانت متخوفة من الديمقراطية ابتداءً، لأنها ترى في هبوب رياح التغيير في المنطقة إمكانية حمل نسائمه داخل بلدانها، ومن ثم يصبح التغيير ضرورة وسنة لازمة، وهي تحكم بنمط مغرق في التقليدانية، بحيث أبقت عل الحالة القبلية والنمط العشائري في الحكم، ومن ثم فهي رافضة للتحديث السياسي واقتسام السلطة، أو حتى الحديث عن الأحزاب والمؤسسات، فالكل مركز في يد واحدة هي يد العائلة، والنمط الثقافي السائد ما يزال بدويًا رغم التطاول في البنيان بفعل ما جادت به الأرض من خيرات، وما قدمه الذهب الأسود.

 

ولذلك لا يمكن الحديث عن انتخابات أو مؤسسات منتخبة أو بها شيء من المواطنة والثقافة السياسية الحديثة، فهي لا زالت مجتمعات رعوية ومحكومة بنمط شيخ القبيلة وهي أقرب إلى القبيلة منها إلى الدول الحديثة، وقد عمل الغرب للإبقاء على هاته الدول بهذا النمط وأحكم قبضته عليها لأنها مصدر الطاقة بالنسبة لديه، وهي جزء من مشروع الشرق الأوسط الذي تتغنى به أمريكا، فلا يهم مدى احترام حقوق الإنسان هنا والديمقراطية والحريات العامة، وفي ذلك تتجلى الحقيقة الكامنة وراء العقل الغربي، فما يحركه ليس المبادئ ولا الشعارات المعلنة، وإنما المصالح وما ستجود به أرض كل من السعودية والإمارات والكويت وغيرها.

إن هاته الدول المحيطة بمصر والقريبة منها والتي كانت على حب وود مع نظام حسني مبارك وسياساته، ازداد عداؤها لمصر لما انتخبت رئيسًا قادمًا من قوة اجتماعية إسلامية، ولذلك كانت جزءًا من المخطط والمشهد المسرحي الذي كان يعد، وقد كشف أيمن نور في إحدى حواراته قبل أشهر أنه أخبر الرئيس محمد مرسي قبل أشهر من الانقلاب بأن دولًا خليجية (الإمارات والسعودية) تعد للإطاحة به، وهو تم فعلًا لما تبين حجم الدعم الذي لقيه الانقلاب من دول خليجية، بل إنه وصل إلى حد الضغط عليها للاستمرار في دعمه، وقد عملت هاته الدول على تلميع وجهه، والأدهى من ذلك أنها أصبحت قائدة مشروع ارتدادي انقلابي في كل الإقليم العربي في الدول التي عرفت ثورات أو إصلاحات سياسية، في كل من ليبيا حيث أصبحت الأراضي الليبية تحت قصف الطائرات الإماراتية والمصرية الداعمة للجنرال حفتر، ثم في تونس بدعم الجبهة الشعبية وقوى الفلول وبقايا النظام السابق، واليمن بمحاول الزج بالإخوان المسلمين في المواجهة المسلحة مع قوات الحوثي وعلي عبد الله صالح، وهو ما لم يتم حيث لم تنجر القوى السياسية الإسلامية للعنف، بل إن السعودية (في عهد سليمان) ودولًا عربية أخرى وجدت نفسها تصلح كوارث سياسة عبد الله الثاني ودولة الإمارات بالتدخل المباشر في اليمن.

ولم تستثن فلسطين من الحصار والمؤامرة الإقليمية العربية، فهاته الدول كما قادة الانقلاب يتذكرون بمرارة التدخل الذي قامت به مصر في عهد الرئيس مرسي لإيقاف الحرب الصهيونية على غزة وإيفاد رئيس وزراء حكومته لغزة، وهو موقف تاريخي قل نظيره عند الرؤساء العرب مع المحنة الفلسطينية في مواجهة آلة القتل الصهيونية، ولذلك ستكتمل أركان الانقلاب على الرئيس محمد مرسي بالتحاق الكيان الصهيوني بالقوى الداعمة والمرحبة به، فمرسي الذي انتخب عقب ثورة شعبية مناهضة للدكتاتورية والامبريالية معًا، لا ينتظر منه إلا أن يكون سندًا للمقاومة الفلسطينية، وكذلك الشعب المصري لا يمكن إلا أن يكون إلى جانب الفلسطينيين، وهو على عكس الانقلاب والمؤسسة العسكرية ومعه النخب المزيفة.

فالمؤسسة العسكرية لا تود الاصطدام مع الكيان الصهيوني وهي التي وقعت معه اتفاقات السلام وها نحن نرى مدى التنسيق العالي بينهما بعد الانقلاب والنظر بإعجاب لزعيم الانقلاب وكذلك نظرة هذا الأخير نظرة حب للكيان الصهيوني، ولقد كانت الحرب على غزة قبل سنة كفيلة لتبرز مدى الانتقام الذي يعد العسكر بمعية الكيان الصهيوني ومتآمرين إقليميين على المقاومة والشعب الفلسطيني، فالحرب لم تكن حرب الكيان الصهيوني وحسب، وإنما كانت حربًا إقليمية لحلف ارتدادي نكوصي ينفذها الكيان الصهيوني، فهي حرب بالوكالة للانتقام من المقاومة ومحاولة تركيعها في انتظار التمكين لخيار الهزيمة من غزة.

3) الانقلاب العسكري إجهاض للنهضة المصرية والعربية .. كيف ذلك؟

إن ما كان يجري في مصر هو ليس شأنًا مصريًا محضًا، ومن ثم لم تكن الديمقراطية المصرية انتظارًا مصريًا وحسب، وإنما كل الشعوب العربية كانت ترى فيما يمكن أن تحققه مصر في الانتقال الديمقراطي تحقيقًا لطموحاتها وأحلامها، ما دام الانتقال الديمقراطي يعني تحقيق السيادة والاستقلالية في القرار الوطني، ولقد كانت لازمة الدكتور مرسي معبرة عن حقيقة الاستقلال وجوهره، وهي الثلاثية التي ستجر عليه وعلى الشعب المصري حنق المتآمرين، منعًا لأية نهضة منتظرة، وتلكم الثلاثية هي “الحق في إنتاج الدواء والغذاء والسلاح”.

إن الانقلاب العسكري الذي اكتملت فصوله في الثلاثين من يونيو وبعدها في المشهد الساخر 3 يوليو هو في حقيقته إجهاض للإرادة المصرية والعربية في تحقيق البناء الذاتي للمجتمع والدولة بما يسمح بتحقيق نهضة قائمة على الحق في الإبداع والإنتاج بدل الاستهلاك وتحويل عالمنا العربي إلى مجرد سوق للمنتجات والمواد والأشياء الغربية، الإنتاج يعني عودة الفاعلية إلى المجتمع وتوديع الدعة والسكون، وعودة الفاعلية والإنتاج مع روح المبادرة كفيل بأن يحقق نهضة في بلد قارب المائة مليون نسمة، والعامل الديمغرافي مهم في النهوض، وإذا تحقق الإنتاج وتحررت مصر من سطوة الاستهلاك، فإن تلك الروح الإيجابية ستنعكس على كل الأمة.

ويكفي أن نتذكر ذلك السعي الحثيث لامتلاك التقنية الذي عبر عنه مرسي، وتجسد في زياراته العديدة لدول صاعدة وأخرى بعيدة عن النزوعات الإمبريالية ومساعي الهيمنة، كل ذلك أكمل عناصر القلق من تحرر مصر فعلًا واستقلاليتها، حيث أفرزت الثورات إرادة الندية مع الغرب، ومن ثم تراجع منطق الهيمنة والمخططات الإمبريالية بالمنطقة.

ويكفي أن نرى أنه بمجرد إجهاض المسار الديمقراطي المصري طفت إلى السطح أزمات إقليمية كبيرة أغلبها مصطنع موجه لإعادة صياغة المنطقة وفق المصالح الغربية، وإغراق كل الإقليم العربي في حروب واقتتال داخلي، وذلك وحده الكفيل بإجهاض إرادة التحرر والاستقلال المعبر عنها، كما أنه مغرق للأمة في أزمات داخلية تلهيها عن النظر للأفق، فالنزيف الداخلي الحاد وعودة مقولات الحرب على الإرهاب وتغذيته من القوى الكبرى إلى جانب النظم التسلطية عنوان بارز للإرادة المبيتة لإجهاض الربيع.

فديمقراطية مصر المجهضة كانت كفيلة بتشييد نهضة ناجزة، لكن الانقلاب أعاد مصر إلى مربع الصفر، وهو ما يحتاج منا تتبع بعض إنجازات الانقلاب، وهي إنجازات الغرق في دماء المصريين وتفكيك النسيج الاجتماعي وطمس معالم السياسة والمناخ السياسي من مصر وعسكرة الدولة والمجتمع، ومن ثم التأسيس لنظام شمولي توتاليتاري، لن يكون للمصريين خلاص منه إلا بعودة روح الوحدة والاصطفاف لتفكيك الانقلاب وكل الأساسات التي قام عليها، وذلك ما سننظره في المقالة المقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد