ربما أصابت نتائج الانتخابات الكثيرين بخيبة أمل وإحباط، وأعادت لأذهانهم الصورة القديمة القاتمة التي عاشوها خلال سنوات وتجرعوا فيها كثيرا من المرار، لكني أنظر إلى النتائج من زواية الأمل التي قد تحمل بداخلها كثيرا من الخير لتركيا القادمة، التي نتوسم أن تكون قادرة على شق طريقها نحو القمة والتربع عليه، وذلك للمعطيات التالية:

1- لا بد لكل حركة أو جماعة انتهجت طريقة الإصلاح وسلكته أن تقوم بين الفينة والفينة بمراجعة أسلوبها ونهجها ووسائلها ومدى فاعليته في المجتمع، وأعتقد أن نتيجة الانتخابات فرصة حقيقية لكي يراجع حزب العدالة والتنمية كل ذلك حتى يواصل مسيرته الإصلاحية، وخصوصا بعد أن تولى إدارة البلاد خمس عشرة سنة، وأحرز خلالها تقدما ملحوظا في تطوير البلاد في مختلف المجالات، وربما لم تتح له هذه النجاحات المتلاحقة بتقويم ومراجعة نهجه، وهذه النتيجة الصادمة له والتي أبعدته عن التفرد في السلطة وليس عن السلطة، فرصة حقيقية لمراجعة الذات، حتى يستمر في العطاء، فانتخابات 2015 ليست نهاية المطاف، والحرب سجال، فحزب العدالة والتنمية ما زال الرقم الصعب والكتلة الأكبر في المجلس، ولكنه لم يحصل على الأغلبية، أي أنه لم يخسر ولكن نسبته قد تراجعت، وهذا ناقوس خطر يجب أن يسمعه ويتنبه لأخطائه التي أوصلته لهذه النتيجة.

2- هذه الانتخابات نقلت تركيا إلى شاطئ الأمان وأخمدت حربا اشتعلت لأكثر من ثلاثين عاما أحرقت فيها كثيرا من الأرواح ومقدرات البلاد، وكرست الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، فجاءت هذه الانتخابات لتنقل الأشخاص الذين كانوا يطالبون بحقوقهم من الجبال إلي قاعة المجلس وليوصل صوته بالحوار والنقاش بدلا من الرصاص وسفك الدماء ولم تعد لأحد حجة أن مطالبه لا تجد أذنا مصغية؛ لأنه أصبح أحد صناع القرار، وأظن أن تركيا – بفضل الله – ثم بفضل مسيرة التصالح التي بدأها حزب العدالة والتنمية أصبحت أكثر أمانا؛ لأنها أعادت إلى حضنها كل أبنائها، فالأكراد مكون مهم من مكونات المجتمع التركي لا يمكن إقصاؤه أو إبعاده بغض النظر عن اتجاهه.

3- أبرزت نتائح هذه الانتخابات قيمة حزب العدالة والتنمية والإنجازات التي صنعها خلال الأعوام التي حكم فيها – والتي من ضمنها المصالحة مع الأكراد – فلم يكن البعض – وربما كان هذا البعض كثيرا – لا يعجبه أو يقر بما قام به الأستاذ أردوغان وحزبه من إصلاحات وإنجازات نقلت تركيا من القاع وجعلتها تسير نحو القمة وكانوا دائما يوجهون إليه سهام النقد الهادم والتجريح، والآن وبعد ظهور النتائج وعدم قدرة أي من الأحزاب على تشكيل حكومة بمفرده فقدت الليرة التركية جزءا من قيمتها، وهوت البورصة التركية ل6% وأصبح الكثير يستعيد مشاهد الماضي المؤلمة، مما جعل البعض يعض أصابع الندم، لأنه لم يدل بصوته لحزب العدالة والتنمية، يضاف إلى ذلك مشاعر الفرح والشماته الني أظهرتها كثير من القوى الداخلية والخارجية المعادية لحزب والعدالة والتنمية، لتراجعه وكان من أبرزها تصريحات رئيس دولة إسرائيل ( شيمون بيريز) التي عبر فيها عن فرحته وسعادته الغامرة عن نتائج الانتخابات وأنها أبعدت عن سدة الحكم حزبا كان يريد أن يجعل من تركبا إيران ثانية في المنطقة، علاوة إلى بعض المقالات التي نشرت في الصحف البريطانية كصحيفة الغاريان والتي ورد فيها مقال تحت عنوان (الانتخابات أذلت أردوغان). كل ذلك يعزز من مكانة حزب العدالة والتنمية في نفوس مؤيديه بل ربما يزيد من رصيد شعبيته في الشارع التركي ويعيده أقوى من السابق.

4- أظهرت نتائج الانتخابات إلى مدى حاجة الحزب إلى أن يقوم بترسيخ أيدلوجيته ومبادئه في نفوس أفراده وفي المجتمع من حوله ولا يعتمد في قوته على الأستاذ أردوغان، حتى يستمر الحزب في البقاء، فالأفكار باقية والأشخاص فانية، وحتي يستطيع أن يصدر قيادة جديدة، تتفوق على شخصية أردوغان وليس بنسخ مكررة منه، وتأتي بالجديد ولا تقف عند عتباته، وحتى لا تصبح هناك قناعات راسخة أن تقدم الحزب والمجتمع مرهون بشخص فالأفكار هي التي ينبغي أن يكون عليها المعول؛ لأنها هي التي تفرز قيادات وتخرج للمجتمع مفكرين وزعماء، وأعتقد أن نتيجة الانتخابات فرصة سانحة كي يتوقف حزب العدالة والتنمية عند هذا المفهوم، في ظل من بات يعتقد أن الخسارة التي مني بها الحزب كانت بسب ابتعاد أردوغان عن رئاسة الحزب – وهذا ما صرح به بعص الشباب عقب صدور النتائج – من الضرروي أن يكون الالتفاف دائما حول الفكرة والمبادئ لا حول الأشخاص، وحتى يكون الاختيار والقرار قائمين على الفكرة والمبدأ وليس على المصلحة والنكاية والعرق كما أسفرت عنه تلك الانتخابات.

5- يحدثنا التاريخ أن الدولة الأيوبية التي بزغ نجمها في عهد عماد الدين زنكي وسطع في عهد صلاح الدين، الذي استطاع أن يحرر بيت المقدس ويوحد المسلمين، وبعد وفاة صلاح الدين أفل نجم الدولة الأيوبية ولم تدم المسيرة؛ لأن الالتفاف حول الفكرة لم يرسخ في نفوس الأمة من بعده، وعادت من بعده مفرقة مشرذمة يستبيحها العدا. تلك هي مجموعة رؤى تبدت لي من تلك الزاوية التي نظرت إليها للانتخابات علها تكون مسكنا للوجع والألم الذي أصاب الكثيرين حتى يستطيعوا مدواته ومعالجته ولا يستسلموا له، فلا شي ء يجعل الإنسان عظيما سوى ألم عظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد