ماذا يحدث داخل عقولنا؟ كيف تنشأ الذاكرة لدينا؟ كيف نتحكم بمشاعرنا؟ أسئلة هامة تخطر على بال الكثيرين منا، ولا زالت تنتظر منا الإجابة عليها. لقد حاول علماء التفكير وعلماء النفس وغيرهم الإجابة عن هذه الأسئلة عبر السنين، لكنك لن تجدي أفضل من هذا الفيلم (Inside Out)  للإجابة عنها، إذ بأسلوبه المرح والشيق يغوص بك في عالم الأفكار بعيدا عن تعقيدات الكتابات الأكاديمية المعقدة.

هذا الفيلم الكرتوني المميز –الصادر هذا العام، 2015– يبحر بنا في رحلة ممتعة وشيقة داخل دماغ بطلة الفيلم “رايلي”، ليظهر لنا كيف تتصرف في المواقف المختلفة، وكيف تنشأ الذكريات لديها، وكيف يتم نسيان بعضها، وكيف تتعامل مع المواقف الحرجة، وغير ذلك العديد من الأفكار الحساسة.

حسب الفيلم، فإن هناك 5 مشاعر رئيسة في الدماغ؛ المرح والحزن والقلق والغضب والاشمئزاز؛ كلها تتفاعل في كل موقف نقوم به (أو يواجهنا) لتوجه حواسنا الخمس نحو التصرف بشكل معين. وبعد انتهاء الموقف يتم تشكيل ذكرى لهذا الموقف، ثم يتم تخزينها في ذاكرة الإنسان.

يمكنكم مشاهدة الفيلم مترجما من خلال هذا الرابط.

وإليكم هذه الفوائد الأربعة التي ستجنيها من مشاهدة هذا الفيلم:

  1. جميع المشاعر مهمة، لكن تأكد من سيطرة المشاعر الإيجابية بداخلك.

في حالات الإحباط الشديد، وعندما يسير كل شيء عكس ما ترغب فيه، حاول جاهدا أن تكون الغلبة بداخلك للمشاعر الإيجابية، التي ترى الجمال والمرح في أي شيء، بل كل شيء !

في هذا الفيلم، عندما انتقلت عائلة “رايلي” إلى مدينة أخرى، حدثت سلسلة من الإحباطات والأمور غير السارة؛ منزل باهت وغير جميل، تأخر شاحنة نقل العفش لأسبوع إضافي، مشاكل في عمل الأب، وأخيرا مطعم لا يوفر إلا صنف البيتزا الذي تكرهه “رايلي”. لكن، بالرغم من كل هذا، إلا أن الغلبة كانت لشعور “المرح” داخل دماغ بطلة الفيلم، حيث تمكنت من إيجاذ ذكرى لطيفة ممتعة في كل مرة خففت عنها الإحباط. هذا ساعدها على الصمود في وجه كل هذه التحديات.

  1. البشر عادة لا يحبون الحزن، لكن لا بد من وجوده في بعض الأحيان.

الحزن والكآبة، عندما يصيبان شخصا ما، فإنهما يبدءان بالتسارع بشكل رهيب ليقودا به إلى المزيد من المشاعر السلبية، التي قد تؤدي به إلى درجة اليأس وفقدان الأمل. لكن، هل فكرتم كيف ستكون حياتنا من دون الحزن مطلقا! لا أظن، بل أؤمن، أنها لن تكون مناسبة لنا حينها.

في المواقف التي يجب أن يصطحبها الشعور بالحزن (عند فقد عزيز مثلا)، حينها لا بد لنا من الحزن ، لأنه سيرتقي بنا شعوريا وسيجعلنا نتخذ القرار المناسب ونتصرف بما يليق بالموقف، كما أنه سيعزز لدينا قيمة ممتلكاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية.

في هذا الفيلم، عندما شعرت “رايلي” بفقدان كل ذكرياتها الجميلة (الجيران والأصدقاء وفريق الهوكي وأغراضها في المنزل القديم) كانت تستحضر من ذاكرتها موقفا مضحكا ليخفف عنها كآبتها، لكن بعد تراكم كل هذه الأمور مجتمعة، انفجرت بالصراخ والبكاء وبدأت بعدم التجاوب مع أبويها، وبعدها ذهبت لتختلي بنفسها في غرفتها. شعورها بالحزن هذا طوّر لديها القدرة على تحمل الضغوط أكثر وأكثر، وعزز لديها (فيما بعد) قيمة الأشياء التي فقدتها بعيد انتقالها من مينيسوتا إلى سان فرانسيسكو.

  1. يجب أن تعمل جميع المشاعر لدينا بانسجام كبير، مشاركتها مجتمعة ضرورية لترشيدالسلوك.

بطبيعتنا البشرية، إننا عادة ما نفضل المشاعر الإيجابية بشتى أشكالها، ونكره المشاعر السلبية وما يؤدي إليها، وهذه هي الفطرة الإنسانية التي خلقنا الله عز وجل عليها. لكننا نغفل أو ننسى أحيانا أهمية وجود جميع هذه المشاعر، وكذلك أهمية أن تعمل هذه المشاعر بانسجام وتوافق كبيرين. فالشعور بالخوف –على سبيل المثال– غير محبب لنا، لكنه ضروري جدا لوقايتنا من الأخطار الكبيرة وحتى الصغيرة؛ مثل الوقوع في حفرة أو التعثر بحجر أو التعرض للكهرباء؛ وعمل المشاعر كلها مجتمعة بانسجام يجعل وجود هذا الخوف مفيدا، بل ضروريا…

تتجسد هذه النقطة في الفيلم في عدة مشاهد، ولعل أهمها حينما اجتمع الأب والأم و”رايلي” على طاولة الغداء بعد أول يوم من مدرسة “رايلي” الجديدة. كانت بطلة الفيلم حينها في حالة غريبة تخلو من المشاعر ودار حوار بينها وبين أبويها. وهنا ظهر كيف تجتمع المشاعر الخمس الرئيسة –حسب الفيلم– في رأس كل منهم، وشاهدنا كيف تتم عملية صنع القرار تجاه كلام أو سلوك معين بطريقة لطيفة جدا. وظهر لنا كيف فقدت “رايلي” السيطرة على سلوكها بسبب غياب عنصرين هامين (وهما المرح والحزن) عن المشهد.

  1. يجب أن لا نترك الأفكار والذكريات الهامة بالنسبة لنا دون استذكار من فترة لأخرى، وإلا فإنها ستتعرض للنسيان التام.

جميعنا يعلم أن الأفكار والمواقف والأحداث التي نتركها لفترة طويلة دون مراجعة أو محاولة للتذكر، فإننا سوف ننساها كليا، أو لن يبقى منها سوى الأطلال. لكن الجميل في هذا الفيلم أنه يوضح لنا عمليا كيف يتم نسيان هذه الأفكار والذكريات، وكيف يتم التخلص منها في “مكب الذكريات” بلا عودة.

ختاما، هذا الفيلم يقدم لنا جملة من الأفكار الحساسة التي يطرحها بأسلوب إبداعي ممتع وشيق. أنصحكم جميعا بمشاهدته، ولنا لقاء آخر بإذن الله …

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد