في كل سنة تأتي وتذهب من عمر الحياة الدراسية للطالب المغربي لا بد أن تسمع خبرًا معينا يتكرر بأشكال وفي أماكن مختلفة، أفي فاس سايس ووجدة أفي مكناس وتازة وغير ذلك، لا يهم أين ومتى إنما ما نَحْنُ بصدد معالجته والذي انطلاقا من الجزء الأخير من العنوان مفهوم من نَـحْـتِ الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت (تفاهة الشر)، وفي طرف آخر من العنوان يوجد فصيل طلبة العدل والاحسان ذو السبعة والعشرين ربيعا من عمره قضاها في كنفِ الحركة الطلابية المغربية والذي دعى ومنذ اللحظات الأولى لميلاده إلى ميثاق طلابي يهدف إلى توحيد مكونات الحركة الطلابية وإلى نبذ العنف[1] من داخل الساحة الجامعية، ومن خلال هذه التوطئة البسيطة يمكن أن نقول أن الأمر قائم على جدلية الأخلاق والعنف من داخل الساحة الجامعية طرفاهُ فصيل إسلامي وآخر مجموعة من التيارات القاعدية يمثلهم هنا ما يطلق عليه (البرنامج المرحلي) بورقتيه 86 و 96.

في سياق زمني قريب

ربما لا يقوى قلمي أن يصمد إن حاولت الدخول في مغامرة سرد أحداث العنف التي عاشتها وتعيشها الساحة الجامعية في السنوات الأخيرة أمام أعين وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يخفى عليها شيء إلا ما كان متعلقا بالنهج الديمقراطي القاعدي، لذا سأحاول تسليط الضوء على مجموعة من الوقائع التي كانت بِفعل صبيانية هذا التيار القاعدي الذي يرفع خيار المواجهة العسكرية بالاضافة إلى القطيعة الاجتماعية والفضح السياسي على الفصائل الاسلامية والمكونات الثقافية وبالتحديد على فصيل طلبة العدل والإحسان، ولعلى الأحداث التي كانت في جامعة فاس سايس وقبلها ظهر المهراز وبعدها محمد الأول بوجدة خير معبر عن مدى دَعشَشَتِ هؤلاء وإن غَلّفوا ممارستهم المادية بعباءة التقدمية، ضربٌ بالكراسي على رؤوس أعضاء الفصيل ليتجلى شعار (بيننا وبينكم الكراسي المتحركة) ترجمة عملية، ودخول على طالبة في نفس الموقع في غرفتها ووضع السيف على رقبتها من طرف الرفيقات السائرات على خطى هولاكو وجنكيزخان، وهجوم مَغُولي في وجدة على نشاط لهياكل أوطم تضامني مع أحداث جرادة، وفيه سجل التاريخ طفرة نوعية على مستوى الممارسة المادية العنيفة باستخدام الكليموجين، إضافة إلى الأدوات المعتادة (سيف، زبارة، هراوة، عصي كهربائية…)، ومن باب الموضوعية يجدر الإشارة أن هذه الممارسات ليست موجهة على فصيل طلبة العدل الاحسان وفقط، إنما طال باقي مكونات الحركة الطلابية (إسلامية، علمانية ويسارية)، غير أنه يُركز أيَّما تركيز على هذا الفصيل لسياقات زمنية وأخرى تنظيمية مرتبطة بمسألة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

في سياق زمني بعيد ودور الفصيل في بناء أوطم.

صورة (جانب من أشكال هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب).

إنزالات ظلامية وفتوحات إسلامية، تكبير وصهيل أحصنة، الشهيد آيت الجيد وبوملي، الشهيد فرج فودة ومهدي عامل… إنها الأسطوانة المشروخة التي تتكرر كل مرة على لسان كل مناضل قاعدي لأي تيار متفرع من الخط الأصلي، تلك الأسطوانة تحكي عن روايات تعود إلى التسعينات وبالضبط ما بعد إعلان فصيل طلبة العدل والإحسان عن وجوده داخل الساحة الجامعية، ويليها باقي الفصائل الإسلامية الأخرى، يدّعي المناضل المبدئي أن الإسلاميين استخدموا المقاربة العنفية أمام دعاة التنوير وحرية الاعتقاد، وهي روايات أقرب إلى الفانتازيا من الواقعية الموضوعية؛ لأنه كما يرى الفيلسوف الفرنسي والمؤرخ آلتوسير أن عملية التأريخ عبارة عن قراءة وتحليل يتبنطها مذهب فلسفي أو ايديولوجي معين، وبمعنى آخر: إن ذاتية مَن دخل في عملية التأريخ حالت بين السرد التاريخي وبين الموضوعية، ولو جدلًا قلنا إن ما يقوله صحيح، كيف يفسر الرفيق هذه الممارسات العنفية التي نراها ونعيشها من داخل الساحة الجامعية؟ فما رأيناه من أحداث في قبل قليل هو شيء قليل من كثير ( محاكمات بالمئات سنويا، شبكة دعارة في الأحياء الجامعية، ترويج المخدرات داخل الحرم الجامعي…).

إن أحداث التسعينات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياقات الدولية الإقليمية والمحلية آنذاك من انهيار المعسكر الشرقي وفوز إسلاميي تونس والجزائر بالانتخابات، وحصار مرشد جماعة العدل والإحسان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وما أقصده بذكر هذه السياقات هو تعبير مغلف بشتى أنواع السخرية من حجة الرفيق الدامغة والتي تقول إن الإسلاميين هم تجل من تجليات الحظر العملي، وقد استخدمهم النظام السياسي القائم – رمتني بدائها وانسلت – من أجل القضاء على الفكر الماركسي الثوري داخل الجامعة المغربية خاصة والشارع السياسي عامة، والذي يتعمق في سبر أغوار تلك المرحلة الرمادية في تاريخ أوطم خاصة والحركة الطلابية عامة يجد أن أول من كان متقوقعا حول ذاته ورفض فكرة التعايش مع الاخر ولتدبير الاختلاف معه هو الرفيق المتنور والحداثي حيت أكثر الجدال وتحجج نظريا – قبل الحسم المادي – بأن عمل الإسلاميين من داخل أوطم يتعارض مع مبادئها الأربعة[2].

وعلى العموم ما بعد تلك السياقات والأحداث دخل اليسار في أزمة ذاتية لم يخرج منها إلى الآن الأمر الذي دفعه إلى رفع شعار (الاتحاد الوطني يستمد شرعيته من الحلقيات) وهو عبارة عن مدخل يؤدي إلى واقع نقابي فوضوي، ويعبر عن شدة أثر الأزمة الذاتية في التعاطي مع المستجدات الموضوعية والتعاطي أيضًا مع أوطم، في حين عمل فصيل طلبة العدل والإحسان على بناء المنظمة بواسطة خيار الهيكلة بناء على مقررات مؤتمر 16 (لجان تحتية، متوسطة، قيادية)، واستمرت في خيارها رغم تخاذل باقي الفصائل الإسلامية واختيارهم للخيار السهل. وعندما نتكلم عن منظمة قائمة بأجهزتها وتستمد شرعيتها من انتخابات طلابية فإننا نتكلم عن القدرة على التصدي لمخططات الدولة المخزنية الماكرة تجاه التعليم العمومي وهذا ما كان بواسطة ملاحم سطرها مناضلو هياكل أوطم ولا يزالون، الأمر الذي دفع النظام إلى شن هجمته الشرسة سنة 1997 بالإعلان عن الدورية الثلاثية (الداخلية، العدل، التعليم العالي) والتي أسست للمقاربة الأمنية من داخل الحرم الجامعي فكانت الاعتقالات وكان تكسير العظام وشلالات دماء، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كرهت خفافيش الظلام وأعداء الحرية، فكانت تلك الأحداث مدخلًا لبناء الوعي النقابي عند الطلبة، الأمر الذي تُوّج بملحمة أنصفوا الطلاب[3] بعدما كانت الدولة آنذاك تسعى إلى خوصصة التعليم وضرب حق من حقوق الشعب المغربي المكلوم المُقدس.

حالة آيخمان والرفيق البيدق

في وثائقي عرضته قناة الجزيرة حول تاريخ أوطم اعترف أحد مناضلي اليسار[4] في تلك الفترة وبكل مرارة بأنه اذا كانت الشروط الذاتية لليسار متوفرة لتسابق هو الآخر إلى هيكلة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، لأنه لا سبيل من العمل المنظم كما تقول إحدى المقولات اليسارية (من لا تنظيم له لا قوة له ومن لا قوة له لا حق له)[5]، أما على مستوى الدولة المخزنية فقد تشوهت صورتها أمام المجتمع الدولي بعض التراجعات الحقوقية التي سجلتها آنذاك في زمن ما يطلق عليه (زمن الرصاص) بسجن المعتقلين السياسيين وتعذيبهم (الاثني عشر وعمر محب) ولازلنا إلى الآن نعيشُ هذه التراجعات (معتقلي الريف، جرادة) قلتُ الأمر الذي دفعها إلى العودة إلى الخيار التي نهجته مطلع التسعينات بتوظيف التيارات القاعدية كأداة لضرب جماعة العدل والإحسان فِي شخص فصيلها داخل الساحة الجامعية، وفِي سبيل ذلك قامت باختراق تنظيمات هذه التيارات خاصة البرنامج المرحلي الماركسي اللينيني العقيدة والعسكري المواجهة، ولأن القيادة لطالما قامت باحتكار الحقيقة المريرة فإنني هنا أعالج التركيبة النفسية والفكرية والعملية للقاعدة، أو ما سميته في الجزء الثاني من عنوان المحور بالرفيق البيدق، لكني قبل ذلك سأتكلم قليلًا عن حالة آيخمان وأحاول مقاربة الجزء الأول بالثاني لنصل إلى تأسيس فهم حول المسألة.

 وحالة آيخمان تعبر عن إنسان غير منحرف ولا معادٍ للسامية، ولَم تكن له نزعات للقتل وليس على المستوى العرقي آري إلا أنه شارك في إبادة الملايين بدخوله في عملية الحل النهائي، وبيت القصيد من كل هذا هو عدم وجود توافق بين المنطلقات والدوافع الداخلية والممارسة العملية، إن الهُوة شاسعة بين الأولى والثانية، خاصة أن حنة تابعت إجاباته في المحاكمة ووجدتها سطحية وإدارية بيروقراطية محظة، الأمر الذي دفعها إلى نحت مفهوم تفاهة الشر القائم على أنه متطرف، ولكن لا يمكن ربطه بأيّ دافع ولا بأية إرادة لفعل الشر من أجل الشر، ولا بأيّ تعصب[6] ونقط التشابه بين هذا والرفيق البيدق جد متقاربة وإن اختلفا في شكل الممارسة، وعلى من؟ والسياق الزمكاني والفلسفة المؤطرة على المستوى الشكلي – لأن آيخمان ورفيقنا هذا تعاملوا مع الأيديولوجية بشكل سطحي فلا يمكن أن نقول أنهم آمنوا حقًا بها – فهو صراع لا ينتهي بين الخير القائم على فكرة القوة الأخلاقية وبين الشر القائم على القوة العنفية المادية، إنه وفِي خضم هذا الصراع الذي لا ينتهي – ولن ينتهي! – لا يَعي الرفيق البيدق بطبيعة هذا الصراع، أو بمعنى آخر يتموقع حيث يتموقع المفعول به، وإن كان في حالتنا هذه طرفًا من الأطراف فهو بهذا على المستوى المباشر فاعل بممارسته المادية العنفية، لكنه وانطلاقًا من زاوية شاملة لا يخرج عن كونه ما قلنا سابقًا،أي مفعول به يتحرك وفق مؤثرات خارجية، أي خارج الرقعة الجغرافية للساحة الجامعية، للأسف!

من خلال نقاشنا هذا يتضح جليًا أن التدافع الموجود داخل الساحة الجامعية هو تدافع بين مكون محسوب على الحركة الطلابية يسعى إلى توحيد الحركة الطلابية والالتقاء على النقاط الأدنى بين هذه الأطراف وترك ما يفرقهم، وطرف آخر يتواجد خارج هذه الساحة أي بشكل واضح ومباشر الدولة المخزنية، إنه تدافع تعالجه الأخيرة بالمطرقة والحديد بدلًا عن رفع يديها عن الجامعة وهوسها المتطرف في عسكرتها في شكل مباشر وغير مباشر، أما باقي التيارات القاعدية فهي لا تخرج عن كونها أداة يحاول النظام من خلالها إضعاف فصيل طلبة العدل والإحسان داخل الساحة الجامعية، فهي بهذا تُصنف حيث تفاهة الشر عدى القيادة العِلمية والعملية فهي (مخزن).

—————————————–

[1] يُعد فصيل طلبة العدل والإحسان من أوائل الفصائل الطلابية التي دعت إلى نبذ العنف داخل الساحة الجامعية فكرًا وممارسة.

[2] جماهيرية، تقدمية، ديمقراطية، مستقلة.

[3] معركة أنصفوا الطلاب التي أخذت صبغة وطنيا بقيادة الكاتب العام السابق لأوطم محمد بن مسعود.

[4] في كلمة مصورة للصحافي يونس دافقير.

[5] تنسب الكلمة إلى فلاديمير لينين أحد أبرز منظري الفكر الاشتراكي.

‏[6] Catherine Valleé, Histoire et Justice, peut-on juger l’histoire ? Éditions de l’Emmanuel, le collège supériuer, 2002 p: 123.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد