أيام قليلة تفصلنا عن عام ميلادي جديد، 2020، وكعادة الكثيرون يتخيلون ليلة رأس السنة هذه ويكأنها هي «الساعة الأخيرة في يوم الجمعة حيث استجابة الدعوات، ويكأنها ساعة الثلث الأخير من الليل والتي ينزل فيها الله، جل جلاله، إلى السماء الدنيا، فيقول من يدعوني فأستجب له، من يسألني فأعطه، من يستغفرني فأغفر له‏»، لكن هي العادة حيث نتمنى العديد من الأمنيات، وندعي الله أن يكون عامًا موفقًا على جميع المستويات، وأن يحقق لنا الله أمانينا للعام الجديد، وأن يجعله الله أفضل من العام المنصرم.

وفي حقيقة الأمر، دعونا نتوقف عن الأمنيات التي تشغلنا كل عام، وتغضبنا إذا لم تتحقق، وفجأة نجد العام الجديد يدق الباب، وأمنيات العام الماضي وربما قبل الماضي لم يتحقق منها شيء.

والإجابة واضحة هنا لكل من يستنكر دعواتي للتوقف عن الأمنيات في ليلة رأس السنة، هي أن ابن آدم بطبعه نساي، قيل إنه سُمي إنسانًا لكثرة نسيانه، وفي حقيقة الأمر حتى وإن شكت لغتنا العربية في ارتباط الكلمة بالفعل، فإنه ومنذ البداية ارتبط الإنسان بالنسيان؛ منذ أبينا آدم، عليه السلام؛ في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا».

يقولون إن ذلك النسيان نعمة، وهو حقًّا، كذلك في الكثير من الأحوال، لكنه يعد نقمة أيضًا، وقد ذكر ذلك في كتاب الله عز وجل، في العديد من آيات الذكر الحكيم
– في سورة طه الآية 126، يقول تعالى.. بسم الله الرحمن الرحيم
«قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ».
وفي الآية رقم 34 في صورة الجاثية، يقول تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم
«وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ».
في سورة السجدة أيضًا الآية 14، يقول تعالى: «فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمَْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».

وهنا تظهر نقمة النسيان التي نفاها المولى، عز وجل، عن نفسه في سورة مريم الآية 64، بسم الله الرحمن الرحيم «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا».
وفي سورة طه أيضًا الآية 52 يقول تعالى «لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى».

فنحن البشر ندعو الله بالأيام وربما بالسنوات كي يحقق لنا الله طلبًا أو أمنية، وعندما تتحقق سرعان ما ننساها منغمسين في المشكلات التي ظهرت معها.
وكيف لا والدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار طوال الوقت، لكن هذا هو طبع الإنسان والطبع غلاب، والأمثلة كثيرة:

– كم من صغير تمنى أن يكبر سريعًا كي يحقق أحلامه، وعندما صار كبيرًا تغنى بأغاني ذكريات الطفولة واللعب في الشارع مع أولاد الجيران.
– كم من طالب تمنى انتهاء فترة دراسته والانخراط سريعًا في بيئة العمل وتحمل المسئولية، وعند أول وظيفة يمتهنها نراه يشكو ويتذمر من بيئة العمل التي تفاجأ بأنها عكس توقعاته تمامًا.

– كم من شباب عزاب تمنوا الزواج من أشخاص بعينهم بعد قصص حب وإعجاب وانبهار. وفور إتمام الزواج ومع العشرة زادت المشكلات واكتشفوا أن اختياراتهم لم تكن موفقة.
– كم من مشتاق للذرية الصالحة وعندما يرزقه الله يسخط ويشكو من قلة النوم والإزعاج.
– كم من زوجة كانت تتمنى السفر وزيارة بلاد الله، وعندما رزقها الله بزوج مسافر ومتنقل بين بلاد العالم، نجدها تشكو من عدم الاستقرار، وفقدان والجو العائلي التي تربت عليه.
– كم من مريض تمنى الصحة والعافية وبمجرد الشفاء تناسى أنه كان يدعو الله بالساعات كي يعيد له صحته، وأن يعود لحياته السابقة وروتينه اليومي الذي هو ساخط عليه الآن.

وكم وكم من الأمثلة التي نراها أمام أعيننا كل يوم بقصص مختلفة وحزينة.

دعونا نتوقف عن الأمنيات إذن. دعونا ندعو الله أن ينعم علينا بنعمة الرضا والشكر، وتذكر نعمه وعدم التغافل عنها وسط مشاغل الدنيا وهمومها، فكم من أسر هدمت فقط بسبب اندثاث فكرة المقارنات التي تعقد دون أي أسباب مقنعة سوى عدم الرضا.

دعونا نعمل ونعمل من أجل الوصول لأحلامنا، واضعين في اعتباراتنا أن الله خلقنا في هذه الدنيا لعبادته وعمارة أرضه، فليكن في الحسبان أن كل فعل، وكل تصرف، وكل رد فعل يجب أن يكون في طاعة الله فهو الرقيب علينا، وهو من يرزقنا وبيده كل شيء.

– ففي سورة العنكبوت الآية 62، يقول تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».
– وقال تعالى في السورة نفسها الآية 17، بسم الله الرحمن الرحيم: «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».
الرضا

من أهم النعم التي يتحلى بها أي إنسان
– وعن الرضا، يحدثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «وارْضَ بما قسم الله لك، تكن أغنى الناس».
وفي الحديث القدسي، قال النبي، صلى الله عليه و سلم: «قال الله، عز وجل، يا ابن آدم، خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودًا، وإن لم ترضَ بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي مذمومًا».

فلنبدأ عام 2020 بلا أمنيات، بل بدعوات أن ينعم الله علينا بنعمة الرضا بنعمة الشكر بنعمة تذكر النعم التي أنعم علينا بها، والاستفادة منها ومحاولة تطويعها للوصول لأهدافنا وتحقيق ما نطمح إليه، مع كثير من الاجتهاد والأخذ بالأسباب للاستمتاع بنتائج هذا الجهد المبذول دون تأنيب ضمير أو شعور بالندم أو حسرة على سنوات عمرنا الضائع بلا أي إنجازات، حيث جلد الذات على نصيب مكتوب وقدر شاء المولى، عز وجل، ألا يتغير، وثواب وحسنات تم تخزينها لك في الآخرة، فالابتلاءات نعمة أيضًا من رب العالمين، ونحن في أمس الحاجة لهذه الابتلاءات التي هي بلا شك من أسباب فوزنا بالجنة والنعيم الأبدي، شريطة تقبل هذه الابتلاءات بصدر رحب ورضا، مع العلم أنه ليس سهلًا على الإطلاق تقبل ابتلاءاتنا خاصة في زمننا هذا، لذلك أجره عظيم وثوابه أبدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد