أي خمرةٍ يمكنها أن تروي روح هذا العام القادم المتهور! بل أية جمرةٍ يمكنها أن تشعل روحي المجذوذة في الماء؟ ممرات من الغبار. طرق كالسكاكين المذلقة. أبيضٌ يققٌ، وغرابيب سود. حصار معنوي على الحرف، حتى إذا ما كتبت حذفت، ثم أعاود الكتابة من جديد. لا أحد يُخبئ لك المغفرة والرحمة لحين حاجتك، كما يظهرها في غير حاجتك ليبهرك. العلاقات في هذا الكوكب تخضع لمعايير تعاقدية لا تراحمية، لا تختلف عن عقود الزواج ؛ بفارقٍ بسيط متعلق بنوع السرير. هتفت تحت قبة السماء وأنا على رأس الموكب، وفي الأرض مقبرة النجوم كلها. لم أجد الحرام في الشرع، ولم أجد الحلال عند الناس. الضبابية التي خلقت جهنم وصنعت الأقدار، جديرة بفعلها. الجنة لا تعرف أحد. في هذا العام المغامر، خسرت العالم وكسبت نفسي.

أقف في طرفٍ لا أكاد أرى أمامي، ويقف العالم في الطرف الآخر وهو يرى كل شيء. للأغاني الصنعانية بُعد نظر يضاهي رنمها. «الشاطر من ضحك في الآخر». ولكني أقر بأني لست من عشاق «الشطارة» بمفهوم العامة. ولست مغرمًا بها بمفهوم النخبة. بيد أني شديد السخرية حين سماعها أكثر من نفسي بقليل. لم أتعلم من تجارب أحد، صنعت تجاربي من عجين يدي. عندما أقول بأن لا شيء يُغريني في تجارب من حولي، فأنا أقول ما أؤمن به. ما ثمارهم؟

تعلمت على يد المسيح عيسى، كما تعلمت على يد الحبيب محمد، لم أر محمدًا فيمن حولي، ولم أر المسيح. الحقّ أقول لكم: رأيت يهوذا الإسخريوطي، كما رأيت عبد الله بن سلول.

الآن؛ لن يكون لهذا الحديث معنى، فما زلت على حمار عُزير. قضيت خمسة أشهر في مكانٍ ما من هذا الكوكب، كانت بمثابة 13 عامًا في مكانٍ آخر من نفس الكوكب. تجربةٌ متراكبة متراكمة التجارب، ما حظيت بها في الجامعة، ولا وجدت لها عزاء في كتاب آلان دو بوتون «عزاءات الفلسفة». استطاع كارل غوستاف يونغ في كتابه الأحمر أن يمنحني جرعة الصواب، كذلك فعل إمرسون. الصواب كأصل لا كتفاصيل. وجدت نفسي مع هؤلاء العظماء، وكنت القِزم الوحيد بينهم. حاولت أن أكون عظيمًا، ولكنني فشلت. وجدت أن العظمة تقتضي الاعتراف من عظماء آخرين. يؤسفني إخباركم أنني لم أجدهم.

صديقي النابه! وقد خدمه بعض خوفه في نباهته، أفهمني على مدى سنوات ما فهمته اليوم. أنا هنا لا أقر له بخطئي، بل أقر له بخطيئة العالم. المُدهِش أن يتم التعامل معك كالقلم الرصاص، يشحذك بالمبرأة، وظنك فيك الكتابة والرسم، لا التخلص منك! الوسيلة وقحة.

وكذلك الغاية «الحب وحده، أو المعرفة وحدها، لن يعطونا حياة جيدة. في العصور الوسطى، عندما ظهر الطاعون، كان الرهبان ينصحون الناس بالتجمع في الكنائس للصلاة، والنتيجة أن العدوى انتشرت بسرعة، هذا مثال عن الحب دون معرفة. الحرب العالمية الأولى قدمت مثالًا عن المعرفة دون حب». برتراند راسل. التخلي أو الإيحاء بذلك، عمل شديد البشاعة شديد الألم. إن الفشل شرط من شروط النجاح غير المُقلّد، قومي لا يفهمون ذلك. كتبت ذات مرة «إن أحق الناس بالشفقة، طالب علم؛ كل القادرين على نفعهِ؛ جُهال». لا ينسل أولئك الجهلة عن المناقب فحسب، ولكنهم يركبون المثالب، ويحاكمونك إليها. لا أدري ما الذي حدا بعبقري كبير مثل ابن خلدون، إلى القول بتطبيع المدنية بالفرد، دون ذكر القرية وانخلاع طبيعة الأفراد بشكلٍ دهري عن أي شيءٍ يمت للحضارة والرقي والنبالة بصلة. كشخصٍ فقيرٍ معدم، كلما أراهم أتذكر القطيع والبرسيم!

قرأت قصة دارت أحداثها في دولة رواندا لرجل أُصيب في الحرب الأهلية أصابة بالغة، إذ ضربه والده بالفأس في إحدى قدميه حتى كسر العظم، كذلك فعل أحد أقربائه بقدمه الأخرى. نجاه الله من تلك المذبحة بعد أن وجد امرأة استطاعت أن تجره إلى عتبة دارها، وتقدم له المساعدة. قال في تلك القصة: «قطعت على نفسي عهدًا أن أشبب بهم في كتبي، حتى تحتقرهم صِغار كلاب القرية، وتفرِغ عن عوائها شفقة بهم». أثارني هذا الحقد، حتى ذكرت قول الشاعر:

وعداوة ذوي القُربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهندي

مع ذلك لست مع هذا الغضب، وهذا التشهير.

ليس ذنبًا أن تفعل الذنب الذي ليس بذنب. أن تزحزح الوعي الجمعي، وتكنِس القذارة المنبثقة عنه. في هذا العام الساجد على قبر جدتي، سأخرج من قبري لأزورها في وحدتها. هي تصلي دائمًا كراهبة في معبد، وليس في وسعي قطع صلاتها. أبنائي القاطنين ضوء هذا الكون، ما ظننتهم يقتلون والدهم، لو لم أكن أنا والدهم. هم الآن في وادٍ غير ذي زرع دون بيت حرام. ما أذكره هو أنني لم أقتل والدي قط. قال لي أحدهم: «حاولت ذات صباح أن أُري والدي المعنى في مرآتي، ولكنه رفض. ثم غاب في السرداب كالإمام العسكري، ولا أخاله يظهر بعدها». في هذا الكون امرأة واحدة فقط؛ هي قدسي الوحيد ومقدساتي.

وصلتني رسالة عبر «واتس آب» من أحد الأصدقاء. كتب في آخرها «إلى الذين تواصلت معهم في 2019، أعتذر! لن أتواصل معكم في2020».

ثم كتب :

نصيحة: «على الذين قضوا في 2019 أن لا يلحقوا بنا في 2020»! والسلام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد