الحمدُ للهِ الذى جَعَلَ الذُّريَّة مِنْ النِّعَم وجَعَل لِهَذهِ النَّعمة وَاجبًا مَسْتَحَقَ الأداءِ وهو التَربية مِصْدَقًا لِقَولِ النبي صلى الله عليه وسلم « كُلُّكُم رَاعٍ وكلكم مَسْؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه».

«هل أخطأ آباؤنا في تربيتنا؟» كَثُرَ مؤخرًا أنْ أطْرَحَ هذا السؤالَ بيني وبينَ نفسي عَلّي أَعثرُ على إجابةٍ مُرضيةٍ، فكلَّما جَلسْتُ إلى وَالدي أو إلى مَنْ في سنٍ مُقاربةٍ إلى سنَّه أو جلست إلى أحدٍ من أعمامي نتذاكر قصصَ آبائِهم لا أَخْلُص منها إلا إلى نتيجةٍ واحدةٍ وهي أنَّهم كانوا لا يَجْرؤون على ردِّ أمرٍ لأبيهم وإنْ فعلوا فإن الأمر لا يتعدى كونه مرةً أو مرّتين، لَحِقَ العقابُ بالمتعدي في كلِّ مرةٍ فأثناه بعد ذلك.

يذكرُ لي والدي قصةً عن منع أبيه له أن يذهب إلى السينما، فيذهب أبي خلسةً ولكنْ يعلم جدي بالأمر فيعاقبه، فيمتنع والدي عن هذه الفعلة ولا يعودُ لها.

ويذكر لي عمّي أنَّه ذات مرةٍ سَهرَ لوقْتٍ مُتأخرٍ ليُشَاهدَ حفلةً لأحدِ المطربين في ذلك الوقتِ وكان التلفازُ في الغالبِ لا يُوجد في عمومِ البلدةِ إلا في أحد المقاهي البعيدة مما أطال مدَّةَ سَهرِ عمي ولم يعد إلا قُبيل الفجْر بساعةٍ أو يزيد قليلًا، فنام بعد السهرةِ وإذا بأحدهم يُوقظه بَعْدَ الفجرِ بساعةٍ أو أقل فإذا به جديّ يُوقظه ليؤَّدي ما كَلَّفَهُ به، فقام عمي مِنْ فوره ولَمْ يكن قَدْ نَامَ إلا وَقْتًا قَليلًا.

استوقفتني قصة عمي في الحقيقة لأنني أرى أن هذا هو ما يجب أن يحدث وهو خلاف صريح لما يحدث بالفعل، فالابن قلَّما يُنصتُ في هذه الأيام لما يريدُه أبوه إذا لم يستهوه الأمر.

وجَلَسْتُ ذاتَ مَرَّةٍ إلى جَمَاعةٍ مِمنْ يَكْبرونَني بِقَدْرٍ كافٍ ليعيشوا ما لمْ أعش، فوجدتهم يَتَذاكرون كَيفَ أنَّهم كانوا إذا رأوا أستاذًا لهمْ في الطريق اختبؤوا، كيف أنّهم كانوا لا يجرؤون على الخطأ في من يكبرهم سنًّا، كيف أنَّهم كانوا يَرونَ أعمامَهم، وأخوالَهم في منزلةِ آبائهم فلا يمكن لهم أن يَفْعلوا أمرًا يعلمون أنَّه خطأ أمامَ هؤلاء وكيف أنَّ هذا الجمع من الآباءِ والأعمامِ والأخوال والجيران هم محاور حياة الشخص في ذلك الوقت فكان يصعب أن تقع في الخطأ دون أن يردَّك أحدٌ، فكلٌّ كان يساهم بقدرٍ ما في عملية التربية.

تناقشت في هذا الأمر مع عدد من أصدقائي وخلصت إلى نقطتين هامتين:

  • ما كان قديمًا وتُرك وكان فيه خير: ما يُسمى بالأسرة الممتدة في باب التربية حيث يُربّي الوليد أبوه وأهل قرابته وجيرانه، إذ كلٌّ له دور في التربية حتى الجار كان إذا رأى ابن جاره يقوم بفعلٍ خاطئ استدرك ذلك على الابن أو أقله أبلغ ذويه، ثم الاستماع إلى الآباء، والأدب مع الكبار وإن أخطؤوا.
  • ما أوجده آباؤنا وصار خيرًا: الحوار الذي صار بين الآباء والأبناء

رغم أنَّ ما كان قديمًا وتُرك كان به أخطاء جمة في أبواب التربية من حيث فكرة الأسر الممتدة وبيوت العائلة ولكن ليس من الصواب أن تترك الأمرَ كلَّه لعلَّة أو مجموعة من العلل فعلي الأقل خذ ما كان صائبًا في الأمر وادفع به إلى حياتك الجديدة، وعمَّا أوجده آباؤنا فإن هذا الحوار لا بد له من ضبط حتى لا يصير الأمر هزلا لا توقير فيه لمقام الأبوة.

ذات مرة كنت أقرأ في كتاب يتحدث عن توفيق الحكيم وعلى ما أذكر فهو «الرسائل الخاصة لتوفيق الحكيم»، وجاء فيه كيف أن والده ظل يناديه بقوله «يا ولد يا توفيق» حتى بعد أن كبر وأنهى دراسته.

بالطبع ليست هذه هي الصورة المنوطة من علاقة الأب بابنه ولكن أيضًا جعل الأمر من باب المصاحبة يحتاج إلى حدود يجب أن تبقى محفوظة لأن انتهاكها يبدو لي في ظاهره من أبواب العقوق.

أعود معك إلى السؤال الذي يتكرر صداه في عقلي كلما حدثتني نفسي بهذا الأمر وهو: لماذا لم يربِّنا آباؤنا على ما ربَّاهم عليه آباؤهم؟ بل فلنقل لماذا لم يأخذوا المحاسنَ مِنْ هذه الفترة إلى فترتهم؟

هل يدفع المجتمع بهم إلى هذه النتيجة مهما حاولوا؟

هذه الأسئلة كلُّها وغيرها أسألها لنفسي مرارًا وكلَّما تذكَّرتُ أنَّنى سأكون عما قريب –إن شاء الله- في موقفهم وسأحتاج إلى أنْ أعلَّمَ أبنائي هذه القيم وفي ظلِّ ما أراه، أشعر حقيقة بأنَّ هذه الأسئلة معضلةٌ حقيقيةٌ ومعادلة يَصْعُبُ حَلُّها.

إنَّ التربيةَ في أبوابِ التنظيرِ تَبْدو سَهْلةً جدًا، لكن حينما تَنْتَقل بها مِنَ التّنْظيرِ إلى التَّطْبيقِ سَتَبْدو المصاعبُ جَليَّةً، وسَتَظْهرُ العقباتُ.

أخذت في هذا المقال مثالا واحدًا على صنوف التربية التي هُدرت وهو معاملة الجيل الصغير لمن يكبره، وكيف أن سلاسة العلاقة بين الجيلين ليس معناها تجاوز حدود الوقار كما هو حادث الآن.

أعتقد أنه يجب على كل مقبل على الزواج وعلى كل من له أبناء أن يفكر كثيرًا كيف سيربي أبناءه وهل سيستطيع أن ينجز ما لم ينجزه أبواه فيه، وأذكر هنا قصة الرائع أسعد طه والتي رواها عن رجل آسيوي مزقته الشيوعية ونشأ على انحلال من دينه فلمّا صار له ولد، كان يذهب معه إلى مكان التحفيظ ويتركه ويجلس في حانة قريبة يتناول كأسًا من الكحول حتى ينتهي ابنه وكان يقول: «لا أريد لابني أن يكون مثلي».

وهنا ثمة سؤال آخر يحتاج إلى إجابة وهو: هل يضع المقبلون على الزواج في أذهانهم هذه الأمور عند الإقبال على هذه الخطوة؟

إذْ إنَّ صديقًا لي حَكى ذَاتَ مَرَّةً أنَّه سألَ بَعْضَ الشبابَ ممنْ يَعْرفُهم لماذا تريد الزواج وماذا ستفعل؟ وكان في أغلب الأمر يأتيه الجواب على شاكلة أنه يريد أن يتزوج لأن هذا ما تسير عليه الأمور. جهل البعض من الغاية في حد ذاته أمر لافت للنظر، فهل سيفكر هذا في كيفية إقامة هذا البيت وهل سيضع في حسبانه كيف وعلى أي شاكلة يريد أن يربي أبناءه؟

نحن بحاجة فعلية إلى التفكير والنظر في مآلات هذه الأمور وأنا ما زلت بحاجة ماسة إلى الإجابة على كل الأسئلة التى طرحتها خلال هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد